الأحد، 31 مارس 2013

اسـتـغـلال الـديـن في ترغــيـب الـمجاهــديـن

اسـتـغـلال الـديـن في ترغــيـب الـمجاهــديـن

بداية يجب توضيح الفارق بين (الـديـن) و (الـتـــديـن والفـكـر الديني)
دائما ما نكرر ونؤكد ونبين أهمية التفريق بين الدين الإلهي (القرآن الكريم) ، وبين الفكر الديني الذي يجتهد في كتابته وصياغته مجموعة من البشر في كل عصر وفي كل زمان ومكان حسب متطلبات ومتغيرات واحتياجات ومؤثرات العصر ،  فالدين الإلهي محفوظ لا يتغير ولا يتبدل ولا يتأثر حسب الأهواء ولا يمكن تزويره ، وأنزله الله جل وعلا كتابا خاتما محفوظا إلى قيام الساعة ، ونزل هذا الدين ليناسب كل زمان و مكان ، لنشر وتحقيق العدل والعدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة في جميع المجتمعات وفي جميع العصور ، أما الفكر الديني فهو وليد عصره ، وقد يتبدل ويتغير ويتجدد ويتحول إلى فكر ظلامي أو مستنير ، لأنه كعمل بشري يتأثر بشدة بكل ما يحدث في المجتمعات من خلافات وصراعات على مصالح ومطامع سياسية دنيوية زائلة ، ولذلك فإن الفكر الديني في عصر من العصور الغابرة يستحيل تطبيقه اليوم على أرض الواقع لأنه يعبر عن ثقافة عصره وهو نتاج ثقافي يرتبط بوقته ، ونفس الحال فإن الفكر الديني في عصرنا الراهن يستحيل تطبيقه على الأجيال القادمة بعد خمسين عاما على سبيل المثال ، لأنه حتما سيقابل بالرفض ، وهذا ليس معناه رفض الدين نفسه كما يرى الوهابيون ، لأنهم اعتبروا أن رأيهم وفهمهم واجتهادهم وفكرهم الديني أصبح جزء من الدين ، بل ظلموا أنفسهم وظلموا رب العالمين حين يفرضون ويرفعون فكرهم الديني على آيات القرآن الكريم ويحكمون بفكرهم على آيات الله جل وعلا ، وهذا ما يحاول أرباب فكرة عودة الخلافة جرنا إليه لأنهم يظنون أن الله فوضهم لنشر الدين وأنهم وحدهم القادرون على فهم هذا الدين ، ولذلك ليس من حق أحد سواهم أن يناقشهم أو ينتقد فكرهم البشري ، وحين يفشلون في الرد على ما نوجهه لهم من نقد علمي موضوعي بعرض أفكارهم على آيات القرآن الكريم يلجأون لتكفيرنا واتهامنا بأننا نرفض الدين وأننا من كارهي الدين وأننا أعداء الإسلام ، على الرغم أنهم أكثر الناس عداوة للدين الإلهي الموجود في القرآن الكريم ، باختراعهم فتاوى تتناقض مع تشريعات القرآن لتحقيق مكاسب سياسية دنيوية زائلة فهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ويستغلون اسم الاسلام أسوأ استغلال حين ينسبون كل ما يقولونه للإسلام.
ــ ((في الأيام الماضية أصدر أحد دعاة الوهابية فتوى يبيح فيها للمجاهدين في سوريا أن يتزوجوا ــ لساعات ــ من الأرامل والمطلقات والبنات اللاتي بلغن سن الرابعة عشرة ، وسبّبّ فتواه بأن المجاهدين منذ عامين لم يمارسوا الجنس ، وحدد وقنن فتواه بأن يكون الزواج لساعات محدودة لكي يعطي لمجاهدين آخرين فرصة الزواج من نفس المطلقات والأرامل والبنات)) بعد مرور هذه الساعات ،  وبكل أسف وأسى استقبل المجتمع العربي المسلم هذه الفتوى بلا أي رد فعل يتناسب مع تناقضها الصارخ والفاضح مع تشريعات القرآن الكريم التي تتحدث عن الزواج والطلاق وتحديدا تشريعات العـدّة  ، وعن مواعظ القرآن الكريم التي تبين قيمة الزواج كعلاقة مقدسة بين الذكر والأنثى يجب احترامها والالتزام بشروطها وواجباتها وتشريعاتها من الطرفين (الزوج والزوجة).
والرد العقلي على هذه الفتوى بسيط جدا : لأنه من المنطق أن من يتمتع بعقيدة الجهاد الخالصة و يؤمن إيمانا قطعيا أن أربعين أو أكثر من الحور العين في انتظاره حين يموت ، غير مقبول أن يكون بهذه الدناءة والضعف ، كيف يكون قويا لا يخاف الموت ولا يستطيع التحكم في غرائزه وشهواته ونزواته وينظر لأطفال و نساء سوريا الثكلى  وهـنّ من بني البشر ، أعتقد من يفكر في ممارسة الجنس ــ في هذه الظروف القتالية والحالة الجهادية ــ مع النساء الثكلى فهو مريض نفسيا وفي أمس الحاجة إلى علاج ، ومن يريد التأكد انصحه بأن يسأل من حاربوا في معركة أكتوبر 1973م هل خطر ببال أحدهم التفكير في ممارسة الجنس.؟
أما حين نعرض هذه الفتوى على حقائق وتشريعات الزواج والطلاق في القرآن الكريم نجد الآتي:
ـــ الأمر الخطيرفي الفتوى أنه حدد الزواج بساعات لمنح عدد أكبر من المجاهدين فرصة الزواج (وأطلق عليه زواج المناكحة) وأباح أن يتزوج المجاهد لساعات من مطلقة أو أرملة أو طفلة سورية في الرابعة عشرة من عمرها ، ثم يتركها ويتزوجها مجاهد غيره.
ربنا جل وعلا حين تحدث عن الزواج وعن وصف العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الزواج قال عليها بأنها (سكـن) لأنها علاقة مقدسة لها احترامها في تشريعات القرآن الكريم ، فالزواج ليس مجرد وسيلة لتفريغ نزوات الذكور ، الزواج علاقة أسمى وأعلى من هذه الغرائز التي يتساوى فيها الإنسان وقت ممارستها بالحيوان ، ولا يجوز إطلاقا تحويل المرأة إلى وسيلة لتفريغ هذه الغرائز الحيوانية بغطاء ديني كاذب
ــ ربنا جل وعلا وصف الزوجة بالسكن تعني الاستمرارية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ)الأعراف:189) وفي آية أخرى تبين أن الزواج سكن للزوجين وأن الزواج مودة ورحمة للطرفين (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)الروم:21
وتشريع الزواج لساعات يتناقض مع تشريعات القرآن الكريم التي تبين وتحفظ حقوق المرأة حين يتركها زوجها أو يطلقها ، فلا يجوز إطلاقا أن تتزوج إلا بعد مرور فترة العـدّة كما قال ربنا جل وعلا في سورة الطلاق(يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)الطلاق:1 ، وهنا تتجلى حقيقة وصف الزواج بأنه مودة ورحمة وسكن بين الزوجين ، حتى حين يطلق الرجل زوجته يجب أن تظل في بيت الزوجية حتى تنتهي فترة العـدة وهذه حكمة إلهية تمنح كلا الزوجين فرصة للتراجع والصلح ، وتأكيدا على أن الزواج علاقة متينة قوية طبيعتها الاستمرار إلا إذا كان هذا مستحيلا لأسباب ، كذلك لا يجوز إخراج الزوجة من بيتها إلا بشرط أن تأت بفاحشة مبينة ، ومن يفعل غير هذا فهو يتعد حدود الله جل وعلا في القرآن الكريم وتشريعاته ، ومن جهة أخرى قد يقولون أن الزوجة تنازلت بعد الطلاق عن جميع حقوقها في الصداق والمتعة بعد الطلاق وهذا شأنها لكن أين حق الله.؟ ، ربنا جل وعلا شرع العـدّة وجعل الالتزام بها حـد أي قانون وشرع من لم يلتزم به فهو من الظالمين المعتدين يقول تعالى يبين تشريعات الطلاق والعـدّة (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)الطلاق 7:1 ، من حق الزوجة أن تتنازل عن جميع حقوقها لكن ليس من حقها أن تخالف شرع الله ، وليس من حق أحد من البشر أن يخترع دينا يخالف شرع الله ويفرضه عليها لأي سبب من الأسباب ، لأن هذا حق الله جل وعلا ، وقد ثبت علميا أن بصمة الرجل الوراثية وصفاته تظل آثاراها  باقية في موضع الجماع عند المرأة مدة ثلاثة أشهر تقريبا ، وهي تقريبا مدة العدة التي حددها ربنا جل لحكمة يعلمها ، لأنه أعلم بنا من أنفسنا ، ولأنه سبحانه وتعالى جعل لكل شيء قدرا وخلق كل شيء بميزان.
إذن هذه الفتوى تتجاهل تماما العـدّة التي حددها ربنا جل وعلا لكي يكون للزوجة الحق في الزواج من شخص آخر ، وطبقا لهذه الفتوى فإن هذه العلاقة التي سماها الشيخ الوهابي زواج المناكحة لا علاقة لها بالزواج من قريب أو بعيد ولكنها تعتبر سفاحا وهو الزنا بلا تمييز كما جاء في سورة النساء يقول تعالى(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)
أخيرا:
يجب أن نميز ونفرق بين الدين الإسلامي الحنيف الذي نزل محفوظا في القرآن الكريم وبين ما يقوله هؤلاء ، ما يقوله وما يكتبه أي إنسان هو عمل وفكر واجتهاد بشرى يقبل الخطأ قبل الصواب ولا يجوز أبدا أن يفرضه على أحد وليس من حقه الادعاء بأن ما يقوله يعتبر جزء من الدين وتشريعاته ، لأن ما نقوله حتما يتأثر بالزمان والمكان والظروف والأحداث التي نعيشها ، تخيل لو لم تحدث ثورات في الوطن العربي هل كنّا سنقرأ أو نسمع مثل هذه الفتاوى..؟؟

الأربعاء، 20 مارس 2013

أحـوال العـبـاد حـيـن يـصـبـحُ الـخَـصْـمُ هـو الـقـاضـي والـجـلاد



أحـوال العـبـاد حـيـن يـصـبـحُ الـخَـصْـمُ هـو الـقـاضـي والـجـلاد
تمهيد:
ــ منذ أكثر من ثلاثين عاما والحاكم العسكري في مصر يقوم برعاية وحماية الفكر الوهابي ، ويسمح له ولدعاته وقياداته وأتباعه ببناء المساجد والزوايا وطبع الكتب والكتيبات وعقد الندوات والمؤتمرات ليس هذا فحسب ، بل كان الحاكم العسكري وأجهزته الأمنية يقومون باضطهاد وتشريد وتهديد واعتقال كل مفكر أو كاتب يحاول مناقشة هذا الفكر لإظهار تناقضه مع الفطرة السليمة والعقل والمنطق والذوق العام ، أو يحاول إثبات تناقض هذا الفكر الوهابي مع حقائق القرآن الكريم.
ــ فمن العبث أن نسمع لكل من يقول أن الأخوان والوهابيون ظُـلِمُوا في عهد مبارك وتم التنكيل بهم وحُـرِمُـوا من حقوقهم وحرياتهم ، لأنهم أكثر الفصائل والتيارات الفكرية (الدينية) تمتعوا بحرية نشر الفكر واعتلاء المنابر وطبع وتوزيع ملايين الكتب في كل مكان ، ويؤكد هذا الكلام انتشار أفكارهم كالسرطان في معظم جسد المجتمع المصري من خلال تلك المنابر المفتوحة أمامهم في كل أرجاء مصر وزيادة عدد المساجد الوهابية بصورة زائدة عن الحد وكتبنا عن هذا منذ خمس سنوات أو أكثر بعنوان (لمن تبنى هذه المساجد..؟؟)، ومن خلال الفضائيات التي تغزو البيوت ، والأهم من كل هذا عملية تكميم كل الأفواه التي تحاول فضحهم وإظهارهم على حقيقتهم أمام المجتمع المصري والعربي والعالمي.
ــ هذه الخدمة التي قام بها العسكر منذ حوالى أربعين عاما تقريبا حين بدأها السادات وأكمل المشوار فيها مبارك من أجل سواد عيون آل سعود وأموالهم الباهظة التي تنفق من أجل نشر هذا الفكر للقضاء على الهوية والحضارة المصرية نهائيا وهذا هو سبب ما نحن فيه الآن ، لا أتجنى أبدا حين أقول بكل ثقة أن مبارك خدم الأخوان ودافع عن فكرهم بكل قوة وشراسة ، والغريب أن يسير الأزهـر على نهج وخطى مبارك ، حين حاول شيخ الأزهر السابق شخصيا منعى من الكتابة بتهديدي واضطهادي ونقلي من عملي وتوقيع جزاءات بالخصم من راتبي الهزيل حين كتبت مقالا افضح فيه عمليات تصدير الغاز والحديد والإسمنت لإسرائيل ، بينما كانت المعارضة الكارتونية مشغولة بإدانة الشباب المصري الفقير الذي اضطرته الظروف للسفر لإسرائيل للبحث عن عمل ، كتبت عن الموضوع وربطت بينه وبين تصدير الغاز لإسرائيل في مقال بعنوان (تعليقا على سفر الشباب لاسرائيل) في شهر أكتوبر 2007م ،  فهددوني بالاعتقال لكي أتوقف عن الكتابة نهائيا فلم اتوقف عن الكتابة فتم اعتقالي بعد أيام من نشر مقالي بعنوان (معنى الإرهاب) في 22 أكتوبر 2008 ، كنت أدعو فيه وزير التعليم والأزهـر معا لمواجهة هذا الفكر بالفكر حتى لا يسيطر بهذا الشكل على قطاع كبير من المصريين البسطاء ويولد آلاف المتعصبين والمتطرفين بدرجات مختلفة قد يحرقون هذا البلد كما نرى اليوم.

ــ ما أدهشني في تجربة الاعتقال يرتبط ارتباطا وثيقا بعنوان المقال ، لأنه من المفترض أن تكون السلطات الثلاث في أي دولة مستقلة تماما عن النظام الحاكم ولا تأتمر بأوامره ولا تأخذ تعليمات منه بل يجب أن تكون رقيبة عليه وقادرة على محاسبته ومحاكمته إذا خالف القانون ، ولكن في العصر البائد المباركي المخلوعي كانت السلطة التنفيذية ليست محايدة في أداء عملها ، ولها عقيدة محددة واضحة راسخة تؤثر على نزاهة دورها حين تتعامل بمبدأ الخصومة معي ومع غيري من الذين يحاولون فضح الوهابية وإظهارها على حقيقتها ، وكأنها (أي السلطة التنفيذية) هي الخصم في القضية ، حدث هذا معي في مواقف عدة حدثت من رجال السلطة التنفيذية:ـ

أولا: حين وصفني ضابط شرطة بأنني أَكْـرَهُ (من الكُـرْهِ) القرآن ، وقال هذا صراحة لبعض السجناء الجنائيين تجار المخدرات ـ الذين يصاحبهم ـ حين سألوه عني في سجن مركز كفر صقر يوم الخميس الموافق 30 أكتوبر 2008م
ثانيا: الطريقة التي سلكها ضباط امن الدولة أثناء التحقيق معي ، كانوا يحققون معى وكأنني في مناظرة فكرية يستغربون من ردودي عليهم ودفاعي عن أفكاري وموقفي وعقيدتي ، لدرجة أن أحد الضباط استدعى زميله قائلا له (تعالى يا سيدي شوف الأخ بيقول أيه في موضوع الشفاعة) ، كان الاستجواب لا علاقة له بتحقيق في أمن الدولة مع معتقل يطلقون عليه اسم (معتقل سياسي) فكانوا يقومون بدور المدافع عن التدين السني الوهابي بكل ما فيه وكأنهم دعاة وليسوا ضباط أمن.
ثالثا: الطريقة المتناقضة التي كانوا يتعاملون بها معي بحبسي في زنزانة انفرادي ومنع أهلي من زيارتي لمدة ثلاثة أشهر متواصلة ، ومنعي من الخروج للشمس للتريض ، بينما كانت تأت العربات محملة باللحوم والأسماك والأرز وجميع السلع الغذائية من فواكه وخضروات للأخوان وغيرهم من الوهابيين ، وكانوا يطبخون بأنفسهم ما يأكلون داخل السجن ، وكانوا يخرجون للتريض واللعب يوميا ، وكان بعضهم يترجل في كل أنحاء السجن بلا قيود ويجلسون مع ضابط الأمن المسئول الأول والأخير عن السجن بدعوى المساعدة في تنظيم وتوزيع المعتقلين.
رابعا: وهي الصدمة الكبرى لأنها تتعلق بالسلطة القضائية : ــ لكنه الحوار الوحيد الذي حضره شهود ، وذلك حين ذهبت للتحقيق في نيابة أمن الدولة العليا ، وجدت وكيل النيابة يسألني ويناقشني في كل تفاصيل عقيدتي وحريتي الدينية وتناسى تماما أنه يقوم بعمل وكيل نيابة مهمته الأولى هي تحقيق العدالة بين الناس ويجب ان يكون حياديا لا يتبنى عقيدة معينة أو فكرا معيينا حين يمارس عمله ، ولكنني صعقته حين سألني قائلا: ما هي مصادر التشريع في الإسلام.؟ فأجبته بكل ثقة يشهد عليها المحامون هل الدولة ستجلس أمام المساجد وتسأل كل مواطن ما هي مصادر التشريع في الإسلام ومن لم يجيب سيتم اعتقاله مثلي.؟ ..فسكت...!!
ــ لذلك ولكل ما سبق لابد أن تكون الدولة كسلطة حاكمة تتمثل في السلطات الثلاث (التشريعية ـ القضائية ـ التنفيذية) محايدة تتعامل مع جميع المواطنين بشفافية وحيادية تامة دون التحيز أو التمييز بين فئة و أخرى ، حتى يتحقق العدل بين الناس في هذه الدولة ، ولذلك أيضا لا يجوز أن نسأل الناس على عقائدهم ودينهم ، بوضوح أكثر ليس من حق الدولة ولا من حق أي مسئول في الدولة مهما علا شأنه ومهما كان منصبه أن يسأل المواطن عن عقيدته وتدينه ومذهبه وفكره طالما هذا المواطن يعيش في سلم وسلام وأمن وأمان وتأمن الناس شروره ولا يؤذي أحدا ، طالما لا يمارس إرهابا ولا يعتدى على الناس ، طالما لا يضر فردا أو جماعة ، طالما لا يتسبب في نشر أي فتنة حقيقة تضر المجتمع ، فليس من حق أي مؤسسة في الدولة أن تحاسب أو تسأل المواطن عن عقيدته أو تتدخل فيها إطلاقا وخصوصا النيابة والقضاء لأن كلاهما لابد له من عقيدة وتدين ومذهب راسخ يؤمن به ويدافع عنه لأنه بشر ، فكيف إذا حدث وطلب من وكيل النيابة أو القاضي التحقيق أو الحكم (مع  أو على) مواطن يختلف معهم في الفكر والعقيدة والمذهب ، مستحيل أن يكون الحكم نزيها لأن كلاهما سيقنع نفسه أنه يدافع عن الدين فيظلم المواطن لأنه يختلف معه في الفكر أو المعتقد أو المذهب ، وهنا تتجلى أهمية تطبيق وتنفيذ الحرية المطلقة في الفكر و العقيدة (الحرية الدينية) التي أقرها وأكدها القرآن الكريم وأن المواطنون جميعا امام القانون سواسية لا فرق ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو المعتقد أو المذهب أو اللون ولا يجوز أن نسأل إنسان عن دينه أو نتدخل في حريته الدينية أو نحاسبه عليها أو نحاكمه بسببها طالما عاش مسالما ، حتى لا يُظـْلم إنسان ويتم اضطهاده وتشريده و محاكمته ظلما وعدوانا لمجرد أن السلطة الحاكمة في الدولة تميل لاتجاه ديني بعينه.
ــ ولذلك نحذر من خطورة سيطرة فكر ديني واتجاه ديني معين علي مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث لأن هذه السلطات ستتعامل مع المعارضين المخالفين لهذا الفكر وتلك العقيدة على أنهم أعداء الإسلام وكارهي الدين ، ولن يكون التعامل معهم نزيها ولا شريفا على الاطلاق لأنه سيتحول إلى خصومة واضحة يمتلك فيها الخصم سطلة القبض على مخالفيه ومعارضيه ومحاكمتهم وتنفيذ الحكم عليهم بنفسه.



الاثنين، 4 مارس 2013

جـنـون الوعـي المصـري



جـنـون الوعـي المصـري 

حين نجهل ونتجاهل القضية نُخطيء فنعاقب ونغتال الضحية ...!!!
بداية ومن وجهة نظري أعتبر معظم المصريين أصبحوا اليوم ضحايا السياسات الفاشلة والخطاب الإعلامي السياسي الفاشل والديني الإرهابي الذي يحفـز كل منهما المشاعـر ويبث في النفوس روح الفتن ويصنع الأحقاد والضغائن والكره بين فئات الشعب الواحد ويجعل كل فئة تجهل وتتجاهل الطريق الصحيح ، وما هي الحقوق والواجبات التي يجب أن يطالب ويلتزم بها كل مواطن ، حتى يعيش معظم المصريين في فوضى عارمة وعدم استقرار وتصارع  وتقاتل على أتفه الأسباب.
بعد ثورة 25 يناير العظيمة التي لم تكتمل بعد  ، ولم تحقق أي هدف أو مطلب من مطالبها الأساسية في العيش والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ، كانت ولا تزال هناك ثورة مضادة واضحة وضوح الشمس ، كان هدفها الأساسي إفشال الثورة وتفريغها من مضمونها الحقيقي وتغيير مسارها الطبيعي بأي طريقة ،و كتبنا عن هذا مقالا بعنوان (هل الثورة المصرية ضلّت الطريق..؟؟) ونشرناه منذ عام ونصف تقريبا ، وقد تعاون أعداء الثورة جميعا ونجحوا حتى هذه اللحظة في إيقاف مسيرة الثورة مؤقتا ، لأنها (أي الثورة) حسب وجهة نظري لن تتوقف.
ويتمثل هذا النجاح للثورة المضادة في شغـل الناس بقضايا وأحداث لا علاقة لها بأهداف ومطالب الثورة الحقيقية ، وبدأ هذا مبكرا جدا في محاولات واضحة لإثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين بافتعال جرائم وأحداث معروفة ومفهومة ومكررة ، وتغلب المصريون نسبيا على معظم هذه المحاولات ، لكن ما نجح فيه أعداء الثورة بامتياز هو تغذية الوعي الجمعي في مصر بأفكار وفتاوى وآراء وشعارات واختلافات وإشاعات وأحداث وتناقضات وأزمات أدت إلى صناعة حالة من الجنون داخل الوعي العام الجمعي في مصر ، مما أدى إلى ظهور حالة غير مسبوقة وغير طبيعية في سلوكيات المصريين وأفعالهم وأقوالهم وردود أفعالهم ، أدت إلى إمكانية تحول أي حوار أو نقاش أو أي مشكلة تحدث مهما كانت بسيطة إلى مصيبة وكارثة قد تنتهي بقتل شخص أو أكثر بلا ذنب ، وبازدياد وتغذية هذه الحالة(جنون الوعي العام) بصورة مستمرة وممنهجة تحولت انفعالات المصريين وردود أفعالهم وتبلورت في حالة انتقامية غير عادية من بعضهم البعض ، وهذا تماما ما يبحث عنه من هم في السلطة ، حتى لا يتوحد الناس من جديد على قلب رجل واحد أو يتفقوا على مطالب واضحة محددة ويظلوا مختلفين مشتتين منقسمين إلي فئات ضعيفة يتقاتلون يتعاركون يتصارعون سواء على مستوى المشاركة في العمل السياسي أو على المستوى المجتمعي والعلاقات الاجتماعية البسيطة في أصغر تجمع سكني ممكن في أي مكان من أرض مصر ، المهم لابد من وجود خلاف وصراع ، بسبب السياسة ، بسبب متطلبات الحياة ، بسبب الخطف والسرقات وقطع الطرقات أو إحدى الأزمات ، وبهذه الطريقة التي يعيش بها معظم المصريين لن يؤثر وجودهم إطلاقا في الحياة السياسية وتغيير النظام السياسي الحاكم الذي يحافظ بامتياز ويحاول جاهدا تحقيق نبوءة المخلوع حين حذّر وهدد الشعب المصري قائلا(يجب علينا الاختيار بين الفوضى والاستقرار).
ولمزيد من التوضيح والتفصيل أدعى أن سبب ما وصل إليه الشعب المصري اليوم وحالة الجنون والانفلات الشديدة يرجع لعدة أسباب :ــ
السبب الأول : حالة الانفلات الأمني المصطنعة التي بدأها مبارك والعادلي وسار على نهجهم العسكر ويكمل المشوار الأخوان ، لأنهم جميعا تعاونوا ضد الثورة وخططوا بنفس الفكر ونفس العقلية ونفس السياسة لقتل الثورة وسرقتها في وضح النهار.
السبب الثاني: تبرئة القتلة والمجرمين الذين قتلوا وفقئوا أعين أنقى وأطهر شباب مصر ، بالإضافة لتبرئة من سرقوا مليارات الشعب المصري في بطونهم ، مما أدى إلى انتشار حالة من تبرير الجرائم مهما كانت كبيرة لأن المواطن المصري شاهد العدالة تسقط وتنهار أمام عينيه وأصبح على يقين تام أنه مهما فعل من جرائم هو أو غيره لن يدخل السجن أبدا أبدا ، لأنه شاهد أباطرة الفساد والاستبداد والقتلة يتمتعون بحريتهم بعد مسرحيات هزلية أطلقوا عليها محاكمات.
السبب الثالث: تعاون أعداء الثورة جميعا مع البلطجية واستخدامهم ضد الثورة والثوار لتشويه صورة الثورة والثوار حتى اختلط الأمر على الناس وأصبحوا لا يفرقون بين الثورة والثوار الأطهار الأحرار وبين النظام الحاكم الذي أدمن الفساد والاستبداد وهذه الحالة من فقدان الوعي عند معظم المصريين هي ما يبحث عنه أي نظام سياسي فاسد ، لأنه من المزعج جدا لأي نظام حاكم أن تتوحد المعارضة ضده وتتفق وأن يستطيع الناس قراءة الأحداث بوضوح وقدرة المواطن العادي التفريق بين الصدق والكذب في الخطاب الإعلامي ، أو بوضوح حين يشعر النظام أن المواطن يعيش الواقع ويقرأه لحظة بلحظة.
السبب الرابع : الخطاب الديني الإرهابي الذي قام به على أكمل وجه دعاة الفساد والإرهاب والفتن في المساجد والفضائيات ومواقع الانترنت ، فقد تلوثت أسماع معظم المصريين بصراخ هؤلاء وتحريضهم ضد بعضهم البعض ، فمنهم من حرّض المسلمين ضد المسحيين ، ومنهم من حرض أرباب الجماعات (الاخوان والسلفيين وغيرهم) ضد العلمانيين والليبراليين ، وأباحوا قتل أي مصري يعترض على حكم الأخوان ، وكل هذا موثق ومسجل بالصوت والصورة ، فتاوى القتل بسبب وبدون سبب جعلت مسألة القتل مسألة أقل من العادية ، بالإضافة لنزيف الدم الذي تسبب فيه النظام الحاكم منذ بداية الثورة وحتى هذه اللحظة ، كل هذا بدون محاكمة لأحد من القتلة رخّص حياة الناس في نظر بعضهم وهانت عليهم أنفسهم وأنفس الآخرين.
السبب الخامس: الكذب على الناس ، وهذا ما نجح فيه بامتياز الاخوان والسلفيون وظهر جليا بعد الثورة ، وبعد أن وصل الأخوان للسلطة ، وهذا الكذب أدى إلى فقدان الأمل في الإصلاح عند معظم المصريين ، لأنهم فقدوا الثقة في كل شيء ، لتناقض الخطاب السياسي والديني مع معظم ما يحدث على أرض الواقع.
السبب السادس: إراقة الدماء التي لم تتوقف حتى كتابة هذا المقال ، في ظل كل هذه الأحداث والسلبيات لم تتوقف عمليات القتل والتصفية للمصريين بقصد وبدون قصد بذنب وبدون ذنب ، الدولة والسلطة الحاكمة تقتل المعارضين (الشعب) بأموال الشعب ، المصريون يقتتلون بسبب حالة الجنون التي سيطرت عليهم جميعا وفشل معظم المصريين في السيطرة على انفعالاته لكل ما سبق من أسباب.
أعتقد بل أؤكد أن أي نظام سياسي فاسد سيكون في منتهى السعادة حين يجد شعبا بأكمله يقتل بعضه بعضا ، بل الأكثر من هذا يشعر بعض المصريين بنشوى وسعادة غير طبيعية وغير إنسانية حين يقتل مصريا مثله ويمثل بجثته أو يعذبه وهو يحتضر قبيل وفاته بدقائق بأن يحرق جسده قبل أو بعد موته ، أو يقطعون جسده إربا ، فهذه الحالة الجنونية الغير إنسانية الغير متزنة في الوعي والتفكير عند معظم المصريين هي ما يبحث عنه النظام الحاكم حتى يستمر ويبقى في السلطة لأنه من وجهة نظري لن ينجح أي شعب وهو في مثل هذه الحالة (المرضية الخطيرة) في إسقاط أي نظام حاكم مهما كان هذا النظام هشا وضعيفا وفاشلا وفاسدا.
فبدلا من توحيد الصفوف وشحذ القوى والتركيز والتفكير في مصلحة الشعب والوطن والتعاون بجدية والاتفاق على إصلاح وبناء هذا البلد ، والمطالبة بحقوقنا في ثروات هذا البلد وموارده ومحاسبة النظام الحاكم على قصوره وتقصيره وفشله في حل أي أزمة من الأزمات التي نعاني منها ، ومطالبة النظام الحاكم باسترداد المليارات المنهوبة ومحاسبة القتلة والسارقين ، ولماذا حصلوا على البراءة جميعا ، ولماذا لم يبق في السجن الحربي إلا شباب الثورة ، ترك المصريون كل هذا وتفرغوا لقتل بعضهم بعضا.
ولذلك فهم ضحايا تجاهلوا قضيتهم الأساسية فأخطأوا وأهملوا في حقوقهم وكرسوا معظم تفكيرهم المجنون في الصراع مع بعضهم البعض ووجهوا جام غضبهم وشجاعتهم وشهامتهم وسخّـروا كل قوتهم للدفاع عن قضايا غاية في التفاهة والانحطاط الأخلاقي والإنساني وظنـّوا أن هذه هي الرجولة والشهامة والقوة الحقيقية ألا نترك حقوقنا عند الفقراء والبسطاء والضعفاء الذين يعانون مثلنا مرارة العيش وقلة الحاجة ، وسيطر على عقولهم وقلوبهم أن التسامح والعفو ضعف وخيبة وهزيمة ، وبوعيهم الذي أصابه الجنون والهوس أصبح الاعتداء على الناس بالقوة وسحلهم وقتلهم وحرق أجسادهم هو عين الرجولة وأكبر بطولة فقتلوا بعضهم بعضا ، وهم جميعا يشربون من نفس الكأس يتجرعون الفقر والذل والهوان والظلم والانبطاح أمام سياسة الدولة الفاشلة ، ولا يجرؤ أحدهم أن يرفع صوته أمام مسئول سياسي يسرق حقوقه ويسرق أحلامه وأحلام أولاده وأحفاده.
كل هذه الغوغائية والفوضى والهمجية وفقدان الوعي والجنون كلها عمليات مصنوعة ومقصودة لشغل الناس بعيدا عن المطبخ السياسي الذي يتم فيه أكبر مؤامرة في تاريخ مصر يقوم بها أعداء هذا الوطن لتخريب مصر حضاريا وتاريخيا وفكريا وثقافيا واقتصاديا ، لتجريد مصر من تاريخها وحضارتها وآثارها العظيمة لتصبح دولة بلا أصل وبلا تاريخ.
كل هذا يتم لإبعاد الناس عن الواقع وعن الوعي ليعيشوا فاقدين الوعي بعيدين عن الحقيقة ، يصبون جام غضبهم على بعضهم بعضا.





الاثنين، 25 فبراير 2013

كيف يقرأ المسلمون تاريخهم ..؟؟


تمهيد:
لقد تعلمنا من أساتذة وكبار دعاة الإصلاح الفكري أن بداية الإصلاح وأولى خطواته هي تحديد الخطأ والاعتراف به أولا ، وهذا لا يختلف كثيرا بل يكاد يتطابق تماما مع خطوات العلاج التي يسلكها أي طبيب ، فأولى خطوات العلاج هي تحديد وتشخيص المرض بدقة لكي يمكن تحديد العلاج بدقة أيضا ، ولذلك أقول أنه لا يمكن إصلاح المسلمين فكريا إلا إذا اعترفوا بأن أجدادهم وأسلافهم ومن سبقهم من المسلمين كانوا غير معصومين من الخطأ وأنهم قد وقعوا في أخطاء بشرية ، ولأنهم مقدما رفضوا الاعتراف بهذه الأخطاء ، فهم تماما مثل المريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه ، أو كالطبيب الذي يفشل في تشخيص المرض ، لذلك لن يُجدي معهم أي علاج ما داموا مقتنعين بأن الأجداد والأسلاف لم يخطئوا بل كانوا جميعا أبطالا وقادة عظام عدول وكل أفعالهم وأقوالهم نماذج يحتذى بها ولابد أن نتعلم منها ونقتدى بها ، كذلك الحال بالنسبة لمن يسمون أنفسهم علماء المسلمين كلما فشلوا ـ بقصد أو بدون قصد ـ في تشخيص وإظهار الأخطاء التي يعج بها تراثنا الفكري والاعتراف بها ومناقشتها بشفافية وموضوعية فهم يساهمون في قتل هذه الأمة وتخلفها فكريا وثقافيا وحضاريا ، مثل الطبيب الذي يقتل المريض حين يفشل في تشخيص المرض.

ما دفعني لكتابة هذا المقال قصة قصيرة قرأتها على صفحات الفيس بوك يتناقلها كثير من الشباب المسلم على أنها مثال رائع في العدل ونموذج لن يتكرر في عالم المحاكمات ويفخرون ويتفاخرون أن من فعل وشارك في هذا العمل هم أجدادنا الذين يجب علينا أن نفخر ونتفاخر بهم ونعتز بهم وبأفعالهم وتاريخهم ، أترككم أولا مع القصة وأتبعها بتعليق وتوضيح:

أولا : القـصـــة :ـــ

"هؤلاء اجدادنا
أعظم وأعجب محاكمة سمعت بها أذن في التاريخ !!!

المدعي : كبير كهنة سمرقند ..!!!
المدعى عليه : القائد العسكري لجيوش المسلمين قتيبة ابن مسلم
القاضي : القاضي العادل " جُميْع "
بدأت المحاكمة؟

نادى الغلام: ياقتيبة (هكذا بلا لقب)

فجاء قتيبة وجلس هو وكبير الكهنة أمام القاضي جُميْع
ثم قال القاضي:ما دعواك يا سمرقندي؟
قال:إجتاحنا قتيبة بجيشه ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا..
إلتفت القاضي جُميْع إلى قتيبة وقال:وما تقول في هذا يا قتيبة؟
قال قتيبة:الحرب خدعة وهذا بلد عظيم وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية...
قال القاضي : يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟
قال قتيبة:لا إنما باغتناهم لما ذكرت لك...
قال القاضي جُميْع : أراك قد أقررت ، وإذا أقر المدعي عليه انتهت المحاكمة ، يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل.
ثم قال جُميْع : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند
من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء وأن تترك الدكاكين والدور،
وأنْ لا يبق في سمرقند أحد ، على أنْ ينذرهم المسلمون بعد ذلك!!

لم يصدق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه،فلا شهود ولا أدلة ولم تدم المحاكمة إلا دقائق معدودة،
ولم يشعروا إلا والقاضي جُميْع والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم،
وبعد ساعات قليلة سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات ترتفع وغبار يعم الجنبات،
ورايات تلوح خلال الغبار،فسألوا فقيل لهم إنَّ الحكم قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب،
في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به..

وما إنْ غرُبت شمس ذلك اليوم إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية،
وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم،
ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر،
حتى خرجوا أفواجاً وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين
وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله...

فيا لله ما أعظمها من قصة،وما أنصعها من صفحة من صفحات تاريخنا المشرق،أريتم جيشاً يفتح مدينة ثم يشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة،فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج؟
والله لا نعلم شبه لهذا الموقف لأمة من الأمم.

بقي أن تعرف أن هذه الحادثة كانت في عهد الخليفة الصالح عمر بن عبدالعزيز رحمه الله
حيث أرسل أهل سمرقند رسولهم إليه بعد دخول الجيش الإسلامي لأراضيهم دون إنذار أو دعوة
فكتب مع رسولهم للقاضي أن احكم بينهم فكانت هذه القصة ألتي تعتبر من الأساطير

وأصلها التاريخي في الصفحة 411 من(فتوح البلدان)للبلاذري بطبعة مصر سنة 1932م . "

انتهت القصة ....

حرصا على المصداقية والأمانة العلمية التي تعلمتها أيضا بحثت عن الكتاب لكي أتأكد من وجود القصة في كتاب فتوح البلدان لـ (أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري)
فقد احتلت هذه القصة مكانة وشهرة كبيرة جدا لدرجة أنها عرفت بـ (أعظم وأعجب محاكمة سمعت بها أذن في التاريخ !!!). وإذا كتبت هذا التوصيف في متصفح البحث جوجل ستظهر لك القصة بأكثر من رواية.
ـــ نبدأ بنقد القصة والتعليق عليها وتحليلها بشفافية وموضوعية وتجرد لكي نثبت أن معظم المسلمين فشلوا في قراءة تاريخهم القراءة الصحيحة ، وساهم معظم علماء المسلمين في هذا بقصد أو بدون قصد لأهداف شخصية و سياسية حتى يعيش المسلمون في أوهام يقدسون صفحات التاريخ ويلعنون كل من يحاول نقدها أو مناقشتها بموضوعية أو حتى محاولة عرضها على حقائق وتشريعات القرآن الكريم حدث هذا ولا زال يحدث لاستبداد واستعباد الشعوب باسم الدين.

نقـــد الـقــصــــة :ـــ
أبطال القصة : رغم أنها أعظم محاكمة في التاريخ كما يصفها معظم المسلمين إلا أن الأبطال الذين ذكرت أسماؤهم فيها ثلاثة فقط (قتيبة ـ وجُمَـيْع ـ وعمر بن عبد العزيز) ، وذكر الغلام (الحاجب)وكبير كهنة سمرقند بدون أسماء ، وهنا تحيز واضح جدا من المؤرخين لأنهم تجاهلوا حتى اسم كبير الكهنة لأنه غير مسلم ، رغم دوره المؤثر في الأحداث ، وكذلك تجاهلوا اسم الغلام (حاجب المحكمة) لأنه من عامة الشعب وهذه دائما عادة معظم المؤرخين يتابعون ويحصون ـ عن كثب ـ أنفاس كبار القوم مهما كانوا ظالمين أو مخطئين ويتجاهلون الفقراء والبسطاء في المجتمع الذي يؤرخون له ، ولا يتذكرونهم إلا قليلا بين سطور التاريخ مهما كان تأثيرهم في العصر أو الحدث الذي يؤرخون له.
ــ تفاصيل المحاكمة:ــ فيها إدانة واضحة لقائد المسلمين ومخالفة صريحة لتشريعات الحرب والقتال في القرآن الكريم ، وهذا الأمر يحتاج إلى توضيح وتفصيل:ـ
يقول المُـدعي كبير كهنة سمرقند في دعواه "( إجتاحنا قتيبة بجيشه ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا)" ، ولم ينكر قتيبة قائد جيش المسلمين الدعوى بل أكدها وأدان نفسه بصورة أكثر وضوحا فقال حين سأله القاضي عن رأيه في الدعوى "( الحرب خدعة وهذا بلد عظيم وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية)" من خلال دعوى كبير الكهنة وإقرار قتيبة يتبين أن ما فعله جيش المسلمين كان حربا واضحة ، ولا علاقة لها بنشر الاسلام إطلاقا وهذا ما اعترف به قتيبة حين قال (الحرب خدعة) ، وحين وصف سمرقند بأنها (بلد عظيم) إذن الأمر لا علاقة له بالفتح أو نشر الدعوة إطلاقا ، ولكنها كانت حربا واضحة وصريحة ، ولكي لا نتجنى على أحد سوف استشهد بآيات بينات من القرآن الكريم تبين وتوضح أنه ليس من حق أي مسلم أن يُعلن الحرب على أي دولة لأي سبب من الأسباب دون أن تبدأ هذه الدولة بالاعتداء علينا في بلادنا فيكون الرد بالمثل دون اعتداء يقول ربنا جل وعلا(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)البقرة: 190، ومن يظن في نفسه أن من حقه فتح البلاد لنشر الاسلام فليفكر قليلا هل يجرؤ أو يستطيع المسلمون اليوم إعلان الحرب على أي دولة أوروبية أو أي دولة غير مسلمة اقتداء بمنهج قتيبة (السلف الصالح) بهدف نشر الدعوة هناك .؟ أعتقد لا لأننا نعيش ضعفاء في هذا العصر ولغة القوة دائما هي المتحكم الأول والأخير ، هذا على مستوى المسلم العادي ، فهل يجرؤ الاخوان والسلفيون أن يشنوا حربا ويجتاحوا دولة غير مسلمة بغتة كما فعل قتيبة ، ولأنهم أكثر حرصا على تطبيق الشريعة.؟ اسألوهم إن كانوا ينطقون..!!!

ويزيد قتيبة في إدانة نفسه أكثر حين سأله القاضي "( يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟)" فأجاب:"( لا إنما باغتناهم لما ذكرت لك)" إذن هو اعتراف واضح أن الهدف الأول كان الحرب ويكفي ما قاله قتيبة أن الحرب خدعة ، وأنه باغتهم وفاجأهم ، وهذا المنهج يتناقض تماما مع منهج الدعوة في القرآن الكريم يقول ربنا جل وعلا (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)النحل:125 ، وعن علاقة المجتمعات والشعوب يقول ربنا جل وعلا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)الحجرات:13
قضى جُـمَيع بإخراج جميع المسلمين من سمرقند على أن ينذرهم المسلمون بعد ذلك ، وهنا تجاهل صارخ وواضح لتفاصيل الحرب التي اجتاحت سمرقند وما أقره قتيبة أن الحرب خدعة وأنه باغتهم ، إذن هناك ضحايا وقتلى لقوا حتفهم بلا ذنب ، أين حقوقهم ولماذا لم يتحدث عنهم المؤرخ.؟ طبعا الاجابة معلومة مقدما لكي لا يدين قادة المسلمين العظماء دائما ، وكان يجب على القاضي أن يسأل كبير كهنة سمرقند عن أحوال الناس وهل هناك ضحايا أو متضررين لكي يطالب بحقوقهم إذا كان فعلا حاكما عادلا.
الشيء المدهش في الأمر عبارة قالها جُـمَيْع في حكمه و هي(على أن ينذرهم المسلمون بعد ذلك) ينذرهم المسلمون من ماذا.؟ ومن الذي أوحى لهؤلاء ومنحهم الحق في الاعتداء على المجتمعات الآمنة وإعلان الحرب بغتة عليهم واجتياحهم.؟
وما تعليق القاضي جُـمَيْع على قول قتيبة "(وهذا بلد عظيم وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية)" وهنا اعتراف اخر واضح أن سبب الحرب كان في المقام الأول أن هذا البلد عظيم يستحق الغزو ، وكذلك اعتراف بمقاومة الشعوب ورفضهم الدخول في الاسلام ورفضهم الجزية ، ورغم ذلك لم يعلق القاضي العادل على هذه الاعترافات ، ولم يلفت نظر أحد أن قتيبة رغم رفض البلدان الدخول في الإسلام ورفضهم الجزية إلا انه استمر في حربه على البلاد حتى وصل سمرقند.
السؤال الطبيعي هنا : كيف انسحب الجيش بعد ساعات.؟ ، وهل من السهل أن ينسحب جيش بجنوده وعتاده في ساعات بعد انتهاء المحاكمة.؟ أعتقد أن ابلاغ جميع قادة الجيش أمرا يحتاج لساعات وتنفيذ الانسحاب الكامل كما صوره الراوي وعبّر عن هذا الانسحاب السريع الذي يحتاج لأيام بأن الكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية ، وصوت البكاء في كل بيت على خروج تلك الأمة العادلة من بلدهم ، وهنا لابد من تعليق وتحليل:
كيف اشتكى كهنة سمرقند من اجتياح جيس المسلمين لبلدهم بغتة بدون سابق إنذار ، وكيف يبكون في نفس اليوم على فراق هذه الأمة العادلة التي جاءت تحاربهم وتفرض عليهم الجزية..؟ ، اعتقد لو أن هذا الجيش وقياداته يعرفون العدل والرحمة ما فكروا أصلا في الاعتداء على الناس في حرب واضحة عبّر عنها كبير الكهنة بأنها عملية اجتياح بدون إذن.
كذلك لا يجب أن نبالغ في وصف أي قاضى بأنه القاضي العادل لأنه حكم بالعدل وأدان الظالم والمعتدي وأعطى كل ذي حق حقه ، فيجب على كل حاكم عادل أن يفعل هذا ، كذلك من العيب أن نظل نسمى هذه القضية بأعظم محاكمة في التاريخ لأن إقامة العدل أمر واجب على كل من يدعى أنه عادل.
ما أجمل الإطراء على القصة وإثبات مزيد من الإدانة لأبطالها من المسلمين يقولون "( فيا لله ما أعظمها من قصة،وما أنصعها من صفحة من صفحات تاريخنا المشرق،أريتم جيشاً يفتح مدينة ثم يشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة،فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج؟
والله لا نعلم شبه لهذا الموقف لأمة من الأمم.)"
سؤال هل فتح البلاد الأخرى مسموح لأحد من البشر بعد خاتم النبيين .؟ لأن الفتح جاء لخاتم النبيين بوحي من الله جل وعلا فمن أين جاء الأمر لقادة المسلمين من بعده بفتح البلاد الأخرى.؟
كيف يسمون ما حدث فتحا وحربا في نفس القصة .؟
أعتقد طالما هناك جيش ظافر منتصر وجيش مهزوم إذن هذه حرب وليست فتحا ولا علاقة لها بدعوة الناس لدين الله
تبقى كلمة أخيرة
يجب على كل مسلم أن يعلم أن الحروب والاعتداء على البلاد وعلى الناس الآمنين جريمة مهما كان فاعلها ، كذلك يجب أن يعلم أن لغة القوة والبحث عن الثروات والموارد من جهة ، وصناعة بعد استراتيجي للدولة التي يبحث قادتها عن بطولات شخصية من جهة أخرى هي من الأمور الهامة التي تسيطر وتتحكم في النفس البشرية وهي المحرك الأساسي لأحداث التاريخ ، حدثت هذه القصة في خلافة عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل ، في بداية تاريخ المسلمين ، فكيف كانت الأحوال والأهوال ، وكيف تعاملت جيوش المسلمين مع البلاد الأخرى بعد عدة قرون.؟
وهل من العقل أن نعتدي على الناس في بلادهم بجيوش وندخل عليهم بغتة معلنين الحرب عليهم ، وحين نعترف بالخطأ ونخرج نعتبر أن ما فعلناه حدث تاريخي بل من أعظم أحداث التاريخ.؟

الأحد، 2 ديسمبر 2012

بيـن الـواقـع والخـيـال ..... في حــدوتـة مصــريـة

بيـن الـواقـع والـخـيــال ... في حــدوتـة مـصــريـة


يحكى أن شابا كان يعيش في أسرة متوسطة الحال ومعظم أصدقائه وأقاربه من الأثرياء ، ظل هذا الشاب يعيش في الدنيا وحيدا لا عمل له ولا وظيفة ولا قدرة على تحمل المسئولية ، وفجأة اجتمع الأقارب والأصدقاء الأثرياء وقرروا أن يزوجوه لكي ينصلح حاله وتتغير أحواله ، وعـدوه بأنه لن يخسر أي شيء ولن يدفع أي شيء وأنهم سيتكفلون بكل المصاريف وسيدفعون كل التكاليف ، تزوج الشاب بعد أن قام الأصدقاء والأقارب الأثرياء بتجهيز وتأسيس كل شيء ولم تنقطع مساعداتهم له حتى بعد الزواج ، عاش بلا عمل وبلا درس ولا خبرات يتعلمها في الحياة تساعده في إدارة شئون حياته الجديدة خصوصا أنه كان يرزق بطفل كل عام تقريبا ومع زيادة عدد أفراد أسرته ازدادت مسئوليته وقلت معها مساعدات واهتمامات الأقارب والأصدقاء ، ورويدا رويدا تركوه وتخلوا عنه جميعا وتركوه يواجه مصيره بنفسه بعد أن أصبح مسئولا عن أسرة كبيرة وتعلقت في رقبته أفواه عديدة تحتاج المأكل وأجساد عارية تحتاج الستر والكسوة ومسئولية إدارة البيت اجتماعيا وأدبيا واقتصاديا ، وأصبح الرجل يعيش مع أسرته الكبيرة التي وضعت على كاهله مسئوليتهم وكفالتهم جميعا وأصبح من الطبيعي والمنطقي جدا أن يبحث عن عمل بدخل مناسب أو يعيد زراعة قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه وتركها وأهمل فيها حتى أصبحت جرداء لا زرع فيها ولا ماء ، ولم يفكر بجد في المطالبة بأمواله التي لا تحصى ولا تعد عند التجار الذين كانوا شركاء أبيه في تجارته الكبيرة ، كل هذه الحلول لم يفكر فيها ليحقق مطالب هذه الأسرة الكبيرة لمواجهة الظروف الجديدة الصعبة ليوفر لهم الغذاء والعلاج والسكن والملبس وجميع احتياجاتهم ومتطلباتهم وفوق كل هذا توفير الحماية لهم وتأمين حياتهم بحيث يشعروا بالطمأنينة والهدوء والسكينة ، لأن هذه هي واجبات مُلِحة وضرورية تفرضها الأعراف الإنسانية والرجولة على أي رب أسرة يظن في نفسه أنه محل احترام الناس ، وهي واجبات كل رب أسرة يظن أنه مسئول وعلى قدر المسئولية ، على الأقل ليكون مثل الحيوانات في الغابة التي ترعى صغارها وتحميهم وتدفع عنهم كل شر وسوء وتوفر لهم المأكل والمشرب.

فشل هذا الأب ـ الرجل ـ العائل ـ لهذه الأسرة في تحقيق أقل القليل من متطلبات بعض أفراد الأسرة ، وفشل في تحقيق وتوفير أي شيء من ضروريات الحياة اليومية ، كان هذا الأب يعول أسرة مكونة من عشرة أفراد أو أكثر بعضهم في مراحل تعليم مختلفة ، والبعض بلا تعليم من أصحاب الحرف اليدوية والبعض فاشل وعاطل وبلا عمل ، وهذه الأسرة مجتمعة هي مسئولية هذا الرجل الأب وكانت لهم بعض المطالب الضرورية منها مطالب يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية ، منها مطالب داخلية وخارجية ، ونعطي أمثلة : كان أحد أفراد الأسرة في حاجة ماسة للعلاج والذهاب للطبيب للكشف الطبي وتشخيص حالته الخطيرة ، والآخر يحتاج ثمن كتاب مهم ، والثالث يحتاج لملابس جديدة للعام الدارسي الجديد ، الرابع يحتاج لحقيبة (شنطة) يضع فيها كتب الدراسة ، والخامس تأخر في سداد مصروفات الدراسة والدروس الخصوصية والسادس يبحث عن عمل ، والسابع فاشل يصطحب بعض الفاشلين ويدخلهم البيت ويعبث معهم في البيت ويشربون المخدرات ويتلصصون على نساء البيت بدون علم الأب المغيب ، والثامن والتاسع انخرطا في إحدى الجماعات المتشددة وأصبحا يتهمان كل من حولهما بالكفر حتى أخوتهم وأبويهم.

  وكانت الأم تشكو دائما قلة ذات اليد وتطالب الأب بإيجاد حلول لهذه المشاكل الحياتية اليومية ، وبدأت تطالب الأب بتغيير وتجديد وتنجيد المراتب والأَسِرّة لأنها تهالكت وأصبحت قديمة وغير صحية وغير نظيفة وتسببت في نقل أمراض جلدية للأبناء وأصابت عظامهم بالانحرافات القوامية ، كذلك طالبت الأب بتجديد دهانات المنزل التي تآكلت من الرطوبة وشوهت وأخفت المعالم الأساسية المميزة لحيطان المنزل الذي كان قبل سنوات رمزا في الشارع وأفضل وأجمل منزل في الشارع كله ، كما طالبته بتغيير باب المنزل الرئيسي الذي تآكلت أخشابه من أشعة الشمس حرصا على تأمين البيت ، كذلك طالبته بتنظيف المكان المحيط بالمنزل والبحث عن حل لجبال القمامة التي تحيط المنزل من كل الاتجاهات ، وإصلاح ماسورة المياه الرئيسية التي انفجرت منذ أسابيع وتسببت في تحويل الشارع إلى برك ومستنقعات مائية صغيرة لا تصلح لمشي الآدميين ، وصرخت الأم في وجهه قائلة هل ستترك سلك الكهرباء الذي انقطع وتدلى أمام بيتك ولامس الماء الذي يملأ المكان حتى يسير عليه أطفالنا فيُصْعـَقـُوا بالكهرباء فيموتوا.؟ ، متى تفكر فينا وفي تحقيق احتياجاتنا.؟ ، متى تهتم بما يحتاجه أولادنا وما يحتاجه بيتك.؟   

والأم تسكت حينا لكنها لم تنسى ولن تنسى ما هي متطلبات بيتها وماي هي احتياجات أولادها لأن هؤلاء الأولاد قطعة منها وحملت كل واحد منهم تسعة أشهر في بطنها فلا يمكن أبدا مهما طال الوقت تهمل فيهم وتنسى ما يريدون أو تتجاهل فيما يفكرون ، وترجع الأم وتستجمع قواها فتقول للأب المهمل: أنها تحتاج لتغيير أسطوانة الغاز وتحتاج لسداد فواتير الكهرباء والماء والتليفون والانترنت وتحتاج لأساسيات غذائية في البيت لإطعام كل هؤلاء ثلاث وجبات كاملة يوميا (تحتاج للزيت والسكر والأرز واللبن والبيض واللحوم والدواجن والأسماك وجميع أنواع الخضروات والفاكهة) ، فهذه مشاعر طبيعية فطرية تشعر بها كل أم تجاه أولادها.
ورغم كل هذه المشاكل وكل هذا التقصير من الأب العائل الوحيد لهذه الأسرة ترك هذه الاحتياجات وهذه المتطلبات وأخبرهم أنه يريد التحدث معهم جميعا ، انتبه الجميع ولبوا الطلب : بدأ كلامه معهم قائلا  بصوت عالٍ يجب ان تعلموا جميعا أنني هنا كبير البيت وأنا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وليس من حق أي فرد من أفراد الأسرة أن يفعل أي شيء بدون إذني وليس من حق أحدكم الاعتراض على أي كلمة من كلامي ، يجب عليكم جميعا الالتزام بقواعد العيش في هذا المنزل الخروج بإذن والدخول بإذن وليس من حق أحدكم التأخر خارج البيت لساعات متأخرة ، ويجب عليكم جميعا أن تُحافظوا على الصلاة ولا تتركوا ركعة واحدة ولو عرفت أن أحدكم لا يصلي سوف أطرده من البيت ، ويجب أن لا تشاهدوا التليفزيون والانترنت ، ويجب أن تهتموا بدينكم حتى تتدخلوا الجنة.

الأخطر من هذا كله  أنه رغم تجاهله وإهماله لمطالبهم الأساسية التي لم يحقق منها أي شيء قد كتب كل هذه التعليمات والتحذيرات في ورقة وطلب من الأسرة جميعا أن يوقعوا عليها ويوافقوا ويلتزموا بما جاء فيها ، بدون أن يسمح لأحدهم أن يقرأ هذه الورقة أو يسأل ما مضمون هذه التعليمات خصوصا أن نصف أفراد الأسرة من الأميين والغير متعلمين.