الاثنين، 3 يونيو 2013

هـل الصـيام يحـل مـشكـلة الـعـنـوسـة عـند الـشـباب ؟؟



هـل الصـيام يحـل مـشكـلة الـعـنـوسـة عـند الـشـباب ؟؟
في بلاد العرب و المسلمين اعتاد وأدمن الدعاة ورجال الدين خداع الجهلاء والمتعلمين على السواء ، الأغنياء منهم والمساكين ، الأقوياء منهم والمستضعفين ، بفتاوى لا علاقة لها بمنطق أو عقل أو دين ، واعتمد هؤلاء الدعاة على روايات ظنية لم تنزل من عند الله ، ولكي تحظى بتأييد وقبول نسبوها للنبي عن طريق أسانيد ورجال قالو عنهم أنهم عدول ، ولكننا نحن لا نزكى انفسنا أو غيرنا على الله ، واستخدموا هذه الروايات الظنية في سرقة أموال الشعوب التي تعيش في غفلة فكرية وغيبوبة عقائدية ، لأنهم عطلوا عقولهم وهجروا كتاب الله وهو دينهم.
هذه مقدمة لموضوع أتناول فيه إحدى الروايات التي يستخدمها دعاة الأمس واليوم في كل مكان ليقنعوا الشباب العربي المسكين أن الفقر الذي يعانون منه بعيد كل البعد عن الحكام العرب وفسادهم وضلالهم واستبدادهم وسرقة أموال فقراء شعوبهم  ، فدائما ما يدعو هؤلاء الدعاة ــ الذين يتاجرون بدين الله ــ الفقراء والضعفاء والمساكين والمحتاجين إلى تحمل مزيد من الفقر والذل والمهانة وقلة ذات اليد ، ويحاولون إقناعهم بأن الفقر نعمة من نعم الله لأن فلان من الصحابة كان يلبس ثيابا به رقعة ورقعتين ، وكان رث الثياب زاهدا في الحياة ، وأن المسلمين الأوائل كانوا يربطون على بطونهم من شدة الجوع ، حتى النبي عليه السلام لم يسلم من أذاهم وكذبهم وتلفيقهم فقالوا في حقه أنه كان يمر أربعين يوما دون أن توقد في بيته  نار لطهي الطعام ، حتى انهم وصموه  بوصمة وقالوا عنه: أنه مات ودرعه مرهون عند يهودي مقابل صاع من الشعير لأهل بيته.
بالطبع من يصدق هؤلاء المتاجرون بالدين الذين يأكلون حق اليتيم ولا يدافعون عن حقوق الفقراء والمساكين ولا يساعدوهم  في الحصول على  هذه الحقوق من بين أنياب أباطرة الفساد والاستبداد في العالم العربي والإسلامي ، ومن يسير خلفهم ويصدق كذبهم وخداعهم ، واستغلالهم للدين في مساعدة هؤلاء الطغاة والمستبدين في سرقة وظلم وقمع البسطاء والضعفاء والمساكين ، من يعرف حقيقتهم ولا ينتفض ويستيقظ من سباته الطويل سيظل مهانا ذليلا بلا كرامة أو حقوق يتسول  حقه في العيش ، يتسول  حريته ، طالما تنازل عن  حقه في الحياة لغيره لكي يتصرف فيه كيف يشاء ، وترك المسئولية لغيره ظنا منه أنهم سيدافعون عنه وعن فقره ، ولم يفطن ويعلم ويتعلم ان هؤلاء المتاجرون بالدين هم مع الحاكم الطاغية الفاسد ضدك دائما لأنك لا تملك أي شيء تجعلهم يقفون بجانبك ، حتى حريتك وحقك في الاختيار وحقك في التفكير تنازلت عنهم رسميا لهؤلاء حين ظننت أنهم من الأتقياء الأوفياء وأنهم خير من يمثل الإسلام وفى الحقيقة هم للإسلام أشد و أعدى الأعداء.
أيها الشاب الفقير لماذا لم تسأل هؤلاء الدعاة المُتخمين ، تجار الدين الذين ينعمون ويعيشون في رغد العيش لماذا لم تسألهم عن عدم زهدهم فى الدنيا مثلما يطالبونك ؟؟ وهم أيضا يتمتعون بالزواج مثنى وثلاث ورباع  استغلالا لآية قرآنية في غير موضعها والآية في الأصل نزلت في معرض الحديث عن وضع وتقنين و صياغة العلاقة مع الأيتام في المجتمع المسلم ، حين يكون أحد الرجال مسئولا عنهم وعن أموالهم بعد وفاة والدهم ، ألم تسألهم أيها الشاب الفقير لماذا يأمروك أنت وغيرك من الشباب (الذكور) بالصيام لأنكم فقراء ولا تملكون تكاليف الزواج ويتزوجون هم مثنى وثلاث ورباع .؟
إنه الحديث المشهور الذي يقولون فيه " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أحصن للفرج وأغض للبصر ومن لم يجد فعليه بالصيام فإنه له وجاء"
  هذا الحديث قالوا عنه أنه حديث حسن صحيح ، وأخرجه البخاري، ولا يستطيع أحدهم ان ينكره.
أذكر مقتطفات وبعض فقرات صغيرة من شرح الحديث والحواشي وأتبعها بالتعليق
1ــ "قَوْلُهُ ( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ ) خَصَّ الشَّبَابَ بِالْخِطَابِ لِأَنَّ الْغَالِبَ وُجُودُ قُوَّةِ الدَّاعِي فِيهِمْ إِلَى النِّكَاحِ بِخِلَافِ الشُّيُوخِ . وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى مُعْتَبَرًا إِذَا وُجِدَ السَّبَبُ فِي الْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ أَيْضًا .
2ــ قَوْلُهُ ( الْبَاءَةُ ) بِالْهَمْزِ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ مَمْدُودٌ ، وَفِيهَا لُغَةٌ أُخْرَى بِغَيْرِ هَمْزٍ وَلَا مَدٍّ ، وَقَدْ يُهْمَزُ وَيُمَدُّ بِلَا هَاءٍ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا الْبَاهَةُ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِهَاءٍ بَدَلَ الْهَمْزَةِ ، وَقِيلَ بِالْمَدِّ الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِ النِّكَاحِ وَبِالْقَصْرِ الْوَطْءِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَادُ بِالْبَاءَةِ النِّكَاحُ ، وَأَصْلُهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَبَوَّؤُهُ وَيَأْوِي إِلَيْهِ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : اشْتُقَّ الْعَقْدُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ أَصْلِ الْبَاءَةِ ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ أَنْ يُبَوِّئَهَا مَنْزِلًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ : أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، فَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ - وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ - فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ وَيَقْطَعَ شَرِّ مَنِيِّهِ كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَعَ الْخِطَابُ مَعَ الشَّبَابِ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ شَهْوَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا .


3ــ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَنُ النِّكَاحِ ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمُهَا ، وَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ لِدَفْعِ شَهْوَتِهِ . وَالَّذِي حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا عَلَى مَا قَالُوهُ قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ قَالُوا : وَالْعَاجِزُ عَنِ الْجِمَاعِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى الصَّوْمِ لِدَفْعِ الشَّهْوَةِ ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ [ ص: 11 ] الْبَاءَةِ عَلَى الْمُؤَنِ . وَانْفَصَلَ الْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى .
4ــ "وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا إِرْشَادُ الْعَاجِزِ عَنْ مُؤَنِ النِّكَاحِ إِلَى الصَّوْمِ ، لِأَنَّ شَهْوَةَ النِّكَاحِ تَابِعَةٌ لِشَهْوَةِ الْأَكْلِ تَقْوَى بِقُوَّتِهِ وَتَضْعُفُ بِضَعْفِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الْمُعَالَجَةِ لِقَطْعِ شَهْوَةِ النِّكَاحِ بِالْأَدْوِيَةِ ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى دَوَاءٍ يُسَكِّنُ الشَّهْوَةَ دُونَ مَا يَقْطَعُهَا أَصَالَةً لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ بَعْدُ فَيَنْدَمُ لِفَوَاتِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَكْسِرُهَا بِالْكَافُورِ وَنَحْوِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الْجَبِّ وَالْخِصَاءِ فَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ التَّدَاوِي بِالْقَطْعِ أَصْلًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَطْءُ وَلِهَذَا شُرِعَ الْخِيَارُ فِي الْعُنَّةِ . وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ وَتَحْصِينِ الْفَرْجِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِغَيْرِ الْمُسْتَطَاعِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ حُظُوظَ النُّفُوسِ وَالشَّهَوَاتِ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَلْ هِيَ دَائِرَةٌ مَعَهَا ." انتهى

رد بسيط على ما جاء في هذا الشرح :ــ
معنى الفقرة رقم 1 وجود القدرة الجنسية عند من يستطيع سواء الشباب أو الشيوخ هي المؤهل للزواج
أما في هذه الفقرة رقم 2 فقالوا أن الباءة تعني أو  تجمع بين القدرة على الجماع وبين مؤن الزواج او تكاليف الزواج
الفقرة رقم 3 تشير للعاجز عن الجماع ولنفرض أنه عاجز عن الجماع وغني هل من حقه الزواج لم يوضحوا هذا
في الفقرة الرابعة جريمة في حق الشباب حيث ينصحون الشباب الفقير لكي يُسَـكّـن شهوته ويتحكم  فيها ويقطعها  أو يوقفها فعليه بتناول دواء ، ومشايخ العار الذين ينشرون الفكر وينصحون به و يعانون من شيخوخة ومن أمراض الدنيا يتناولون المنشطات الجنسية لكي يستطيع الواحد منهم أن يمارس الجنس مع أثنى في سن أحفاده ، لأنه لا يستطيع مقاومة شهوته الجنسية يوما واحدا ، وعلى النقيض يطلب من الشباب المسكين تناول أدوية لوقف شهوته الجنسية.
السؤال :: هل هناك استحمار أكثر من هذا .؟
الـتـعــلــيــق :ــــ
أول تعليق على هذا الحديث من وجهة نظري أعتبره وسيلة رخيصة لتشويه صورة خاتم النبيين عليه السلام ، واتهامه بالتناقض مع نفسه لأنه تزوج تسع مرات ورغم ذلك يطلب من الشباب وينصحهم بأن يصوموا إذا كانوا فقراء ولا يستطيعون الزواج لأنهم لا يملكون تكاليفه ، والرسول بريء من هذا القول.
أعتقد ان الاستمرار في الاستدلال بهذا الحديث واعتبار الصيام نصيحة أو علاج أو بديلا عن الزواج للشباب المسلم لاستهلاك قدرته الجسدية فيه هو نوع من الجدل الديني ، و أن هذه وصمة عار على المسلمين الذين يؤمنون بهذا الحديث ويؤيدونه ، وهذا دليل على تفكك وانهيار العلاقات الاجتماعية بين المسلمين ، وكان الأولى بهم تفعيل صدقة وحق الفقير وابن السبيل (بعدما تحول معظم شباب العالم الإسلامي إلى فئة ابن السبيل ) في زكاة المال ومنها يستطيعون الزواج ولو بأقل التكاليف الممكنة  ، وكذلك عليهم ان ينصحوا أولياء الأمور بعدم المغالاة في طلب المهور تيسيرا على  الشباب في الزواج وفى تكوين أسرة صالحة وفى تمسكهم بتعاليم الإسلام الحنيف في غض البصر وفى حل أزمة العنوسة التي يعانى منها أكثر من 40 % من فتيات المسلمين  حتى في أغنى الدول الإسلامية مثل دول الخليج .
من ناحية أخرى في شرح هذا الحديث نجد أنه يخاطب الشباب (الذكور) فقط ولا يوجد في متنه أو  شرحه  أي ذكر للإناث إطلاقا فهل يا ترى هو حديث ذكوري فقط و أن الفتيات لا تعانين أيضا من تأخر الزواج ، ولا تعاني الأنثى من الشعور والاحتياج للرغبة الجنسية مثلها مثل الذكور ؟؟؟
 الحلول الناجحة لحياة المسلمين الاجتماعية تكمن في ضرورة عودتهم إلى كتاب رب العالمين وتركهم لمثل هذه الروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، فلو تم تفعيل زكاة الأموال في بلاد المسلمين وهي تقدر بالمليارات ، وصرفت بقدرها وبحقها وفى أماكنها لحُلت كثير أو جميع مشاكل الفقر والفقراء وأعتقد سيتم القضاء على الفقر نهائيا في بلاد المسلمين ، وستحل أيضا جميع مشاكل المجتمع الإسلامي ومنها مشكلة العنوسة عند الشباب والفتيات معا ، لكن مشايخ وفقهاء السلطان وتجار الدين دائما يقفون بجانب الطغاة والمستبدين ودائما تكون الحلول السحرية التي يبتكرونها تكون على حساب الفقراء والمساكين وتطالبهم بمزيد من الفقر والزهد في الحياة وتحمل الذل والمهانة وتسول حقوقهم المشروعة من الدولة و المجتمع.
أخيرا: متى يقف مشايخنا مع الفقراء والضعفاء والمحتاجين  ويتركوا نعيم الطغاة والسلاطين المستبدين .؟





الجمعة، 31 مايو 2013

الـفـارق بيــن مـنـهـجـيــن :



الـفـارق بيــن مـنـهـجـيــن :

أعتقد أن مصر والمنطقة العربية كلها تمر بمرحلة خطيرة وصعبة وحساسة ونحن في حاجة لإيقاظ الوعي الجمعي العام عند العرب جميعا حتى يفطنوا وينتبهوا جيدا أنهم غارقون في غيبوبة منغمسون في صراع بلا هدف وبلا قيمة يصب في مصلحة الاستبداد والفساد يساهم بشكل كبير في استمرار المنطقة تحت حكم وسيطرة مجموعة من الفاسدين والمجرمين ومصاصي الدماء والمتاجرين بالدين ، وهذه الأنظمة الفاسدة تعيش وتستمد قوتها من دماء الشعوب العربية الغافلة التي فقدت الوجهة الصحيحة للنضال ، فقدت الاتجاه السليم  لتوجيه الغضب والاعتراض وستظل هذه الشعوب تعانى المرار و الفقر والجهل والمرض ونزف الدم طالما جهلوا عدوهم الحقيقي الذي صنع لهم هذا الوهم الذي جعلهم يتقاتلون وعدوهم ــ بجهلهم وحنقهم وغفلتهم عن التفكير في حقوقهم ــ سعيد  ومفتون.
باختصار أقدم منهجين للمواطن العربي يختار بينهما لكي يتعلم من أخطائه ويصحو من سباته الطويل وينتفض ويتخلص من سيطرة القيود على عقله ويتحرر فيصنع مصيره بنفسه وبكامل إرداته.
المنهج الأول :ــ
 ليس في ثقافته وأدبياته أصلا أن من حقك أن تفكر وليس من حقك تختار ، ولذلك لا يترك لك أي فرصة لهذا التفكير أو الاختيار ، بل يفرض فكره ورأيه ووجهة نظره عليك لأنه يؤمن إيمانا قطعيا انه على الحق والجميع ــ وأنت أولهم ــ على الباطل وأنه يجب عليك أن تتبع فكره وفهمه هو ووجهة نظره هو لأنه على الحق وأنه يدعوك لاتباع هذا الحق وأنه مسئول عنك وأنه يملك الوصاية عليك بأمر من السماء ، يعطيك كتبا يعطيك خطبا يعطيك شرائط مسجلة ، يدعوك لندوات لمؤتمرات لمناظرات ، لا يعطيك أي فرصة للرد على كلامه ويغلق في وجهك كل الأبواب التي تحاول من خلالها تحرير عقلك للبحث والتفكير في كلامه ، فحين تقول له أن فلان يقول كذا وكذا ، عكس ما تقولون يقول لك فلان هذا كافر وضلالي ولا تقرأ لهم ولا تستمع لكلامهم لأنهم سيضلوك وستدخل النار بسببهم ، دعك منهم لو كنت تريد إرضاء ربك جل وعلا ، وفي المقابل يصور لك بعض الأشخاص (الدعاة والمشايخ) الذين يؤمن بهم على أنهم ملائكة فوق مستوى البشر وأنهم لا يخطئون ولا يقولون إلا صدقا وحقا ويجب عليك أن تتبع وتؤمن بما يقولون لأن هذا هو الحق وما دونه هو الباطل ، لا يعتبرون رأيهم وفكرهم واجتهادهم عملا بشريا يقبل الخطأ قبل الصواب ، ورغم ذلك يفرضونه على الناس ويقدمونه على أنه الإسلام الصحيح من اتبعه فاز ومن رفضه خسر.
إذا اقتنعت به وبكلامه وفكره ورأيه ومنهجه في فهم الدين أصبحت من المقربين والأحبة ، ولو حدث العكس ستكون من المقصرين المفرطين في دينهم والرافضين السير في طريق الصلاح والهدى ، هم أدمنوا امتلاك الناس ، تربوا على حب السيطرة على الوعي الجمعي في المجتمع ، لأن فكرتهم مبنية على تحويلك أن وغيرك إلى قطيع لا رأي ولا وجهة نظر لكم وليس من حقكم التفكير في أبسط الأمور الحياتية ، حتى صنعوا منكم أناسا لا يستطيعون التفكير بل يخافون من إعمال العقل ولهذا السبب تجد نفسك دائما مضطرا للسؤال واستفتاء أحدهم في أتفه الأمور ولا يخفى على أحد عدد الفتاوى التي تصل دار الإفتاء كل عام ، ناهيك عن الفتاوى والسؤال في الفضائيات كل يوم وكل ساعة.
من مصلحة هذا المنهج أن يتحول المجتمع إلى مجموعة من المغيبين والمعطلين عقليا وفكريا حتى لا يعطيك فرصة للتفكير في حقوقك في المجتمع ليكون من السهل على أي حاكم مهما كان فاشلا وفاسدا ومتخلفا أن يسيطر عليك ولا تملك ثقافة الاعتراض عليه ، ولا تستطيع اكتشاف أو رؤية أو مناقشة فساده وفشله ، بل يعطون هذا الحاكم الفاسد الحق في قتلك وقتما شاء ، يعطون هذا الحاكم الحق في البقاء على سدة الحكم مهما كان فاسدا مجرما ويسولون له كل هذا بروايات ظنية تسول لهذا الحكام سجنك وقمعك وقتلك إن لزم الأمر فهم يؤمنون بــ ( من حق الحاكم قتل ثلث الرعية لإصلاح حال الثلثين) ، ( حاكم غشوم خير من فتنة تدوم) ، ( لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم وإن كان ظالما فاسدا) هو يروجون لكل هذا ويؤمنون به ويحاولون إقناعك به على أنه صحيح الدين ، فهم يستغلون الدين لتحويلك لأداة لوجودهم وتقديسهم وأداة تخدم السلطان ، وتتعاقب الأجيال جيلا بعد جيل في خدمة السلطان وعدم الخروج عليه مهما كان فاسدا ، والأكثر من هذا يبيحون لهذا الفاسد قتل جزء من الشعب حين يرى في هذا القتل صلاحا للباقين.
هذا المنهج يبدأ سليما بالكلمة والموعظة الحسنة طالما لم تعترض عليه أو تناقشه ، أو تتوقف مع كل كلمة تسمعها ، لكن عند اللزوم يتحول الأمر لحرب بين طرفين أحدهما مسلم يرى نفسه مدافعا عن الدين ويرى الأخر كافر عدو الله وعدو الدين ، هذا المنهج يخاف أن تكون قارئا مثقفا متفتحا متدبرا ، يرفض ثقافتك ومعرفتك خارج الحدود التي يرسمها لك هو ، (اقرأ كذا ولا تقرأ كذا) ، ويحذرك قائلا لو قرأت كذا ستكفر وتضل وتغضب الله ، هو يخاف أن تقرأ وتفهم وتبحث عن الحقيقة وتقارن بينه وبين غيره فتكشفت جهلهم وكذبهم وخداعهم وإجرامهم في اعتقالك فكريا في خندق الجهل والتبعية العمياء.
هو منهج لا يفكر في صناعتك أصلا ولا يخطر بباله كيف تعيش ، هو يريدك دائما على قيد الحياة  ليس إلا ، يستعين بك في الانتخابات يتصدق عليك بالفتات يريدك فقيرا مريضا جاهلا لكى تتلهف للصدقة وترضى بأقل القليل من متع الحياة ، يقنعك أن الفقر والمرض والجهل اختبار من الله ونعمة وأن المؤمن مصاب والمؤمن كثير الابتلاء.
هذا المنهج يجعل كل شيء في الحياة حرام وفسق وفجور حتى تختزل طموحاتك وتطلعاتك داخل حدود وسور وسجن من صنعهم هم ، يحرموك من متع الحياة لأنهم يعلمون خطورة أن تكون إنسان يفكر ويتأمل ويفهم ويتدبر ، هم يريدونك شبه إنسان لخدمتهم والاعتماد عليك طوال الوقت.
صنفوك وقسموك إلى مذاهب وفرق وطوائف وشغلوك عن التفكير في حقوقك وشغلوك أكثر وأكثر عن التمتع بنعم الله فتنتهي حياتك وأنت مشغول طوال الوقت بالطائفية والتطاحن مع الآخرين والحقد عليهم حولوا وغيروا بصلة جهازك العصبي نحو إنسان مثلك مظلوم مخدوع بمنهج لا يختلف كثيرا عن منهجهم ، وكلاكما يصب جام غضبه على الأخر بدلا من التعاون والتفاهم وتحويل بوصلة جهازكم العصبي الوجهة الصحيح  نحو الحاكم الفاسد نحو التفكير في حقوقكم  المنهوبة وكرامتكم وإنسانيتكم المهانة نحو إصلاح بلدكم نحو إصلاح التعليم نحو بناء نظام صحي على أعلى المستويات ، فهذا ما يخيفهم ويرعبهم منكم ولذلك فيجب أن تفنى أعماركم داخل حلبة هذا الصراع الطائفي المصطنع (سني ـ شيعي ـ بهائي ـ مسيحي ـ صوفي  ،، ووووو ) وهم يشاهدون هذا الصراع والتقاتل والتطاحن والتشاظي بمنتهى السعادة والفرح والانبهار بقدرتهم على تحويل ملايين من الناس إلى مغيبين مغفلين يتم توجيههم بضغطة زر ، يتم توجيههم بخطبة من أحدهم يحض على الكره والبغض ومزيد من التقاتل والتعصب ونسيان الفساد الطافح الذي نعيش وسنغرق فيه جميعا ، ونتركه لأولادنا وأحفادنا يعانون ولنا يلعنون.

المنهج الثاني : ـــ
يرفض رفضا تاما عرض أو فرض فكره ورأيه وفهمه ووجهة نظره ــ للدين ــ على الناس بالقوة ، ويترك لهم حرية الاختيار ويترك لهم الحق في البحث والاطلاع والمقارنة للوصول بفكرهم المجرد لما يريدون وما يقتنعون بدون تجميل أو خداع أو تلوين أو مكسبات طعم ورائحة أو وصاية من أحد ، لأنه منهج يؤمن أنه من صنع البشر وأن رأيه وفهمه واجتهاده عملا بشريا يحتمل الخطأ قبل الصواب ولذلك لا يفرضه على أحد.
وفوق كل هذا الجهاد السلمي بالكلمة التي يتزعمها هذا المنهج فهو لا يطمح لأي منصب سياسي ، ولا يفكر في اعتلاء الكرسي ، ولا يخطر بباله مطلقا مطلقا العمل الحزبي ، فهو يقدم ويطرح فكرته ليصنع من الوعي الجمعي العام عند الناس خبرة وثقافة ونباهة وحصافة وفطانة ورزانة وتعمق وتأمل وتدبر وتفكر في كل شيء تسمعه أنت أو تقرأه أو تشاهده ، وهذه كلها أوامر الدين الأصلي التي تحض على القراءة والتدبر وإعمال العقل والبحث بنفسك للسعي في الأرض والتأمل فيها والتبصر وأخذ العبرة والعظة والموعظة للوصول للحقيقة ، في النهاية هو منهج يريد صناعة إنسان حقيقي يعرف واجباته تجاه نفسه وتجاه الأخرين وتجاه المجتمع وتجاه الله جل وعلا قبل أن يفكر في المطالبة بحقوقه ، هو منهج متكامل يساهم في تحويل الإنسان من كمالة عدد إلى عضو فاعل ومهم في المجتمع ، هو منهج يقدر قيمة كل فرد مهما كان ويجرم ويحرم قتل النفس ، هو منهج يحميك من النصب والاحتيال باسم الدين يحميك من استغلالك وسرقة حقوقك والتصدق عليك بالفتات منها ، هو منهج يرفض تحميل الإنسان (المواطن) مسئولية فشل وظلم الحاكم ولا يبرر أبدا أبدا ظلم الحاكم ولا يعتبر المواطنين رعية مثل الأغنام ، بل يحرم ويجرم المساس بأي مواطن خارج القانون ، مهما كان مذنبا ، فالقانون هو الفيصل بين الجميع ، القانون على رقاب الجميع الحاكم قبل المحكوم ، لا يميز بين الناس لا يفضل بعضهم على بعضا الجميع سواسية كل مواطن يخدم الأخرين في مكان تخصصه.
هذا المنهج لا يسمح أبدا بفكرة اللوبي أو الكيانات السرية أو المخابراتية ، لأنه لا يُخفي فكرا أو رأيا مهما كان صريحا أو صادما لأنه لا يبتغى إلا الإصلاح مهما كانت ردود الأفعال غاضبة ورافضة.
المنهج الوحيد الذي (يجعل من الدين) وسيلة لإصلاح الإنسان وتحقيق كل أحلامه وطموحاته في الحياة بالمحافظة على كرامته وحفظ حقوقه في كل شيء ، وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع ثروات الدولة على المواطنين ، ويرفض رفضا تاما تجميل الفقر والجهل والمرض والبحث عن مبررات له لأن هذا المنهج هدفه الأساسي المحافظة على الإنسان والبحث عن حقوقه في كل شيء ، أن يكون حرا أن يحصل على كامل حقوقه من الدولة في العيش بكرامة وعدالة ومساواة بدون تمييز من أي نوع ، منهج يدعو للتسامح والعفو والصفح والتعاون بين الناس.
وفي الأخير سواء اقتنع الناس بالمنهج أو الفكر ، أو لم يقتنعوا ورفضوه رفضا تاما فهذا حقهم وهذه حريتهم لأنهم المسئولون عنها أمام الله ..لأن فكرته الأساسية أن يصنع منهم باحثين عن الحق ، ويخلق منهم أفرادا يفكرون بعقولهم لكي ينعكس هذا التفكير على جميع مناحي حياتهم الاجتماعية السياسية الاقتصادية ، ولا يكون من السهل على أي حاكم فاسد استغلالهم وقمعهم وسرقة حقوقهم باسم الدين.
هذا المنهج يطلب من المواطنين التركيز على البناء والتعمير وعدم التفكير في عقائد الأخرين أو محاولة فرض وصاية عليهم أو محاسبتهم فقط التعاون من أجل مصالح مشتركة من أجل بناء دولة حقيقية تستوعب الجميع توفر للجميع حياة كريمة آدمية تليق بالإنسان نبذ ورفض العنف والتعصب والطائفية والمذهبية ، لنشر فكرة التقارب بين الناس ، ومبدأ كلنا أصحاب وطن واحد كلنا أصحاب مصلحة واحدة كلنا أصحاب هدف واحد كلنا شركاء فيما نصنعه في هذا الوطن ، إذا نجحنا في بناء دولة متقدمة متحضرة متطورة سننعم جميعا ونهنأ بالعيش نحن وأولادنا وأحفادنا ، ولو سملنا واستسلمنا لما يروجه الأخرون وانشغلنا وانغمسنا في الطائفية والمذهبية لنقطع أوصال هذا الوطن ونحرقه ونحترق معه ، لأننا في قلب الحدث سنذوق ما قدمته أيدينا ، وسنترك لأولادنا وأحفادنا ميراثا ثقيلا من الخراب والدمار يجهدهم ويرهقهم ويضيع اعمارهم لكي يتخلصوا منه وهم يلعنون أسلافنا كل دقيقة وهم يعانون من هذا الميراث.
إذن أنت أمام أمرين ومنهجين وفكرين وطريقتين للحياة  بدون تسمية أو تصنيف ، يجب عليك أن تحقق وتدقق وتفهم وتتدبر وتتعقل وتتأمل لا تنساق ولا تنخدع ولا تنبهر بكلام س أو ص لا تنجذب لمعسول الكلام ، ثم عليك الاختيار دون وصاية من أحد وبكل حرية بعد تفكير عميق وتركيز دقيق ، وتذكر أن ما تختاره اليوم هو غدك الذي ستتقابل معه قريبا ومستقبل أولاد وأحفادك القادمون ، أنت دائما في موقف اختبار واختيار لذلك لابد أن يظل عقلك ووعيك في حالة انتباه وتفكير لا تعطى أي مخلوق الحق في التصرف نيابة عنك ، لا تعطي أي مخلوق الحق في التحدث باسمك لا تعطي أي مخلوق الحق في اقتناص حقك في الحياة مثله ، يمكنك التصدق بمالك بكل ما تملك من حطام دنيوي كل هذا يمكن تعويضه لكن أخطر شيء أن تتنازل وتفرط في حريتك في حقك في التفكير و الاختيار فهذا ما يمكن تعويضه أبدا أبدا وليس لك أي عذر حين تمنح غيرك الحق في التسلط عليك والوصاية عليك والتفكير والاختيار لك ثم تشتكي سوء الأحوال وقلة ذات اليد والظلم والاضطهاد والفساد والاستبداد فكل هذا أنت تشارك في صنعه بإرادتك حين تفرط في حقوقك واحدا تلو الأخر..



الأحد، 31 مارس 2013

اسـتـغـلال الـديـن في ترغــيـب الـمجاهــديـن

اسـتـغـلال الـديـن في ترغــيـب الـمجاهــديـن

بداية يجب توضيح الفارق بين (الـديـن) و (الـتـــديـن والفـكـر الديني)
دائما ما نكرر ونؤكد ونبين أهمية التفريق بين الدين الإلهي (القرآن الكريم) ، وبين الفكر الديني الذي يجتهد في كتابته وصياغته مجموعة من البشر في كل عصر وفي كل زمان ومكان حسب متطلبات ومتغيرات واحتياجات ومؤثرات العصر ،  فالدين الإلهي محفوظ لا يتغير ولا يتبدل ولا يتأثر حسب الأهواء ولا يمكن تزويره ، وأنزله الله جل وعلا كتابا خاتما محفوظا إلى قيام الساعة ، ونزل هذا الدين ليناسب كل زمان و مكان ، لنشر وتحقيق العدل والعدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة في جميع المجتمعات وفي جميع العصور ، أما الفكر الديني فهو وليد عصره ، وقد يتبدل ويتغير ويتجدد ويتحول إلى فكر ظلامي أو مستنير ، لأنه كعمل بشري يتأثر بشدة بكل ما يحدث في المجتمعات من خلافات وصراعات على مصالح ومطامع سياسية دنيوية زائلة ، ولذلك فإن الفكر الديني في عصر من العصور الغابرة يستحيل تطبيقه اليوم على أرض الواقع لأنه يعبر عن ثقافة عصره وهو نتاج ثقافي يرتبط بوقته ، ونفس الحال فإن الفكر الديني في عصرنا الراهن يستحيل تطبيقه على الأجيال القادمة بعد خمسين عاما على سبيل المثال ، لأنه حتما سيقابل بالرفض ، وهذا ليس معناه رفض الدين نفسه كما يرى الوهابيون ، لأنهم اعتبروا أن رأيهم وفهمهم واجتهادهم وفكرهم الديني أصبح جزء من الدين ، بل ظلموا أنفسهم وظلموا رب العالمين حين يفرضون ويرفعون فكرهم الديني على آيات القرآن الكريم ويحكمون بفكرهم على آيات الله جل وعلا ، وهذا ما يحاول أرباب فكرة عودة الخلافة جرنا إليه لأنهم يظنون أن الله فوضهم لنشر الدين وأنهم وحدهم القادرون على فهم هذا الدين ، ولذلك ليس من حق أحد سواهم أن يناقشهم أو ينتقد فكرهم البشري ، وحين يفشلون في الرد على ما نوجهه لهم من نقد علمي موضوعي بعرض أفكارهم على آيات القرآن الكريم يلجأون لتكفيرنا واتهامنا بأننا نرفض الدين وأننا من كارهي الدين وأننا أعداء الإسلام ، على الرغم أنهم أكثر الناس عداوة للدين الإلهي الموجود في القرآن الكريم ، باختراعهم فتاوى تتناقض مع تشريعات القرآن لتحقيق مكاسب سياسية دنيوية زائلة فهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ويستغلون اسم الاسلام أسوأ استغلال حين ينسبون كل ما يقولونه للإسلام.
ــ ((في الأيام الماضية أصدر أحد دعاة الوهابية فتوى يبيح فيها للمجاهدين في سوريا أن يتزوجوا ــ لساعات ــ من الأرامل والمطلقات والبنات اللاتي بلغن سن الرابعة عشرة ، وسبّبّ فتواه بأن المجاهدين منذ عامين لم يمارسوا الجنس ، وحدد وقنن فتواه بأن يكون الزواج لساعات محدودة لكي يعطي لمجاهدين آخرين فرصة الزواج من نفس المطلقات والأرامل والبنات)) بعد مرور هذه الساعات ،  وبكل أسف وأسى استقبل المجتمع العربي المسلم هذه الفتوى بلا أي رد فعل يتناسب مع تناقضها الصارخ والفاضح مع تشريعات القرآن الكريم التي تتحدث عن الزواج والطلاق وتحديدا تشريعات العـدّة  ، وعن مواعظ القرآن الكريم التي تبين قيمة الزواج كعلاقة مقدسة بين الذكر والأنثى يجب احترامها والالتزام بشروطها وواجباتها وتشريعاتها من الطرفين (الزوج والزوجة).
والرد العقلي على هذه الفتوى بسيط جدا : لأنه من المنطق أن من يتمتع بعقيدة الجهاد الخالصة و يؤمن إيمانا قطعيا أن أربعين أو أكثر من الحور العين في انتظاره حين يموت ، غير مقبول أن يكون بهذه الدناءة والضعف ، كيف يكون قويا لا يخاف الموت ولا يستطيع التحكم في غرائزه وشهواته ونزواته وينظر لأطفال و نساء سوريا الثكلى  وهـنّ من بني البشر ، أعتقد من يفكر في ممارسة الجنس ــ في هذه الظروف القتالية والحالة الجهادية ــ مع النساء الثكلى فهو مريض نفسيا وفي أمس الحاجة إلى علاج ، ومن يريد التأكد انصحه بأن يسأل من حاربوا في معركة أكتوبر 1973م هل خطر ببال أحدهم التفكير في ممارسة الجنس.؟
أما حين نعرض هذه الفتوى على حقائق وتشريعات الزواج والطلاق في القرآن الكريم نجد الآتي:
ـــ الأمر الخطيرفي الفتوى أنه حدد الزواج بساعات لمنح عدد أكبر من المجاهدين فرصة الزواج (وأطلق عليه زواج المناكحة) وأباح أن يتزوج المجاهد لساعات من مطلقة أو أرملة أو طفلة سورية في الرابعة عشرة من عمرها ، ثم يتركها ويتزوجها مجاهد غيره.
ربنا جل وعلا حين تحدث عن الزواج وعن وصف العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الزواج قال عليها بأنها (سكـن) لأنها علاقة مقدسة لها احترامها في تشريعات القرآن الكريم ، فالزواج ليس مجرد وسيلة لتفريغ نزوات الذكور ، الزواج علاقة أسمى وأعلى من هذه الغرائز التي يتساوى فيها الإنسان وقت ممارستها بالحيوان ، ولا يجوز إطلاقا تحويل المرأة إلى وسيلة لتفريغ هذه الغرائز الحيوانية بغطاء ديني كاذب
ــ ربنا جل وعلا وصف الزوجة بالسكن تعني الاستمرارية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ)الأعراف:189) وفي آية أخرى تبين أن الزواج سكن للزوجين وأن الزواج مودة ورحمة للطرفين (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)الروم:21
وتشريع الزواج لساعات يتناقض مع تشريعات القرآن الكريم التي تبين وتحفظ حقوق المرأة حين يتركها زوجها أو يطلقها ، فلا يجوز إطلاقا أن تتزوج إلا بعد مرور فترة العـدّة كما قال ربنا جل وعلا في سورة الطلاق(يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)الطلاق:1 ، وهنا تتجلى حقيقة وصف الزواج بأنه مودة ورحمة وسكن بين الزوجين ، حتى حين يطلق الرجل زوجته يجب أن تظل في بيت الزوجية حتى تنتهي فترة العـدة وهذه حكمة إلهية تمنح كلا الزوجين فرصة للتراجع والصلح ، وتأكيدا على أن الزواج علاقة متينة قوية طبيعتها الاستمرار إلا إذا كان هذا مستحيلا لأسباب ، كذلك لا يجوز إخراج الزوجة من بيتها إلا بشرط أن تأت بفاحشة مبينة ، ومن يفعل غير هذا فهو يتعد حدود الله جل وعلا في القرآن الكريم وتشريعاته ، ومن جهة أخرى قد يقولون أن الزوجة تنازلت بعد الطلاق عن جميع حقوقها في الصداق والمتعة بعد الطلاق وهذا شأنها لكن أين حق الله.؟ ، ربنا جل وعلا شرع العـدّة وجعل الالتزام بها حـد أي قانون وشرع من لم يلتزم به فهو من الظالمين المعتدين يقول تعالى يبين تشريعات الطلاق والعـدّة (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)الطلاق 7:1 ، من حق الزوجة أن تتنازل عن جميع حقوقها لكن ليس من حقها أن تخالف شرع الله ، وليس من حق أحد من البشر أن يخترع دينا يخالف شرع الله ويفرضه عليها لأي سبب من الأسباب ، لأن هذا حق الله جل وعلا ، وقد ثبت علميا أن بصمة الرجل الوراثية وصفاته تظل آثاراها  باقية في موضع الجماع عند المرأة مدة ثلاثة أشهر تقريبا ، وهي تقريبا مدة العدة التي حددها ربنا جل لحكمة يعلمها ، لأنه أعلم بنا من أنفسنا ، ولأنه سبحانه وتعالى جعل لكل شيء قدرا وخلق كل شيء بميزان.
إذن هذه الفتوى تتجاهل تماما العـدّة التي حددها ربنا جل وعلا لكي يكون للزوجة الحق في الزواج من شخص آخر ، وطبقا لهذه الفتوى فإن هذه العلاقة التي سماها الشيخ الوهابي زواج المناكحة لا علاقة لها بالزواج من قريب أو بعيد ولكنها تعتبر سفاحا وهو الزنا بلا تمييز كما جاء في سورة النساء يقول تعالى(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)
أخيرا:
يجب أن نميز ونفرق بين الدين الإسلامي الحنيف الذي نزل محفوظا في القرآن الكريم وبين ما يقوله هؤلاء ، ما يقوله وما يكتبه أي إنسان هو عمل وفكر واجتهاد بشرى يقبل الخطأ قبل الصواب ولا يجوز أبدا أن يفرضه على أحد وليس من حقه الادعاء بأن ما يقوله يعتبر جزء من الدين وتشريعاته ، لأن ما نقوله حتما يتأثر بالزمان والمكان والظروف والأحداث التي نعيشها ، تخيل لو لم تحدث ثورات في الوطن العربي هل كنّا سنقرأ أو نسمع مثل هذه الفتاوى..؟؟

الأربعاء، 20 مارس 2013

أحـوال العـبـاد حـيـن يـصـبـحُ الـخَـصْـمُ هـو الـقـاضـي والـجـلاد



أحـوال العـبـاد حـيـن يـصـبـحُ الـخَـصْـمُ هـو الـقـاضـي والـجـلاد
تمهيد:
ــ منذ أكثر من ثلاثين عاما والحاكم العسكري في مصر يقوم برعاية وحماية الفكر الوهابي ، ويسمح له ولدعاته وقياداته وأتباعه ببناء المساجد والزوايا وطبع الكتب والكتيبات وعقد الندوات والمؤتمرات ليس هذا فحسب ، بل كان الحاكم العسكري وأجهزته الأمنية يقومون باضطهاد وتشريد وتهديد واعتقال كل مفكر أو كاتب يحاول مناقشة هذا الفكر لإظهار تناقضه مع الفطرة السليمة والعقل والمنطق والذوق العام ، أو يحاول إثبات تناقض هذا الفكر الوهابي مع حقائق القرآن الكريم.
ــ فمن العبث أن نسمع لكل من يقول أن الأخوان والوهابيون ظُـلِمُوا في عهد مبارك وتم التنكيل بهم وحُـرِمُـوا من حقوقهم وحرياتهم ، لأنهم أكثر الفصائل والتيارات الفكرية (الدينية) تمتعوا بحرية نشر الفكر واعتلاء المنابر وطبع وتوزيع ملايين الكتب في كل مكان ، ويؤكد هذا الكلام انتشار أفكارهم كالسرطان في معظم جسد المجتمع المصري من خلال تلك المنابر المفتوحة أمامهم في كل أرجاء مصر وزيادة عدد المساجد الوهابية بصورة زائدة عن الحد وكتبنا عن هذا منذ خمس سنوات أو أكثر بعنوان (لمن تبنى هذه المساجد..؟؟)، ومن خلال الفضائيات التي تغزو البيوت ، والأهم من كل هذا عملية تكميم كل الأفواه التي تحاول فضحهم وإظهارهم على حقيقتهم أمام المجتمع المصري والعربي والعالمي.
ــ هذه الخدمة التي قام بها العسكر منذ حوالى أربعين عاما تقريبا حين بدأها السادات وأكمل المشوار فيها مبارك من أجل سواد عيون آل سعود وأموالهم الباهظة التي تنفق من أجل نشر هذا الفكر للقضاء على الهوية والحضارة المصرية نهائيا وهذا هو سبب ما نحن فيه الآن ، لا أتجنى أبدا حين أقول بكل ثقة أن مبارك خدم الأخوان ودافع عن فكرهم بكل قوة وشراسة ، والغريب أن يسير الأزهـر على نهج وخطى مبارك ، حين حاول شيخ الأزهر السابق شخصيا منعى من الكتابة بتهديدي واضطهادي ونقلي من عملي وتوقيع جزاءات بالخصم من راتبي الهزيل حين كتبت مقالا افضح فيه عمليات تصدير الغاز والحديد والإسمنت لإسرائيل ، بينما كانت المعارضة الكارتونية مشغولة بإدانة الشباب المصري الفقير الذي اضطرته الظروف للسفر لإسرائيل للبحث عن عمل ، كتبت عن الموضوع وربطت بينه وبين تصدير الغاز لإسرائيل في مقال بعنوان (تعليقا على سفر الشباب لاسرائيل) في شهر أكتوبر 2007م ،  فهددوني بالاعتقال لكي أتوقف عن الكتابة نهائيا فلم اتوقف عن الكتابة فتم اعتقالي بعد أيام من نشر مقالي بعنوان (معنى الإرهاب) في 22 أكتوبر 2008 ، كنت أدعو فيه وزير التعليم والأزهـر معا لمواجهة هذا الفكر بالفكر حتى لا يسيطر بهذا الشكل على قطاع كبير من المصريين البسطاء ويولد آلاف المتعصبين والمتطرفين بدرجات مختلفة قد يحرقون هذا البلد كما نرى اليوم.

ــ ما أدهشني في تجربة الاعتقال يرتبط ارتباطا وثيقا بعنوان المقال ، لأنه من المفترض أن تكون السلطات الثلاث في أي دولة مستقلة تماما عن النظام الحاكم ولا تأتمر بأوامره ولا تأخذ تعليمات منه بل يجب أن تكون رقيبة عليه وقادرة على محاسبته ومحاكمته إذا خالف القانون ، ولكن في العصر البائد المباركي المخلوعي كانت السلطة التنفيذية ليست محايدة في أداء عملها ، ولها عقيدة محددة واضحة راسخة تؤثر على نزاهة دورها حين تتعامل بمبدأ الخصومة معي ومع غيري من الذين يحاولون فضح الوهابية وإظهارها على حقيقتها ، وكأنها (أي السلطة التنفيذية) هي الخصم في القضية ، حدث هذا معي في مواقف عدة حدثت من رجال السلطة التنفيذية:ـ

أولا: حين وصفني ضابط شرطة بأنني أَكْـرَهُ (من الكُـرْهِ) القرآن ، وقال هذا صراحة لبعض السجناء الجنائيين تجار المخدرات ـ الذين يصاحبهم ـ حين سألوه عني في سجن مركز كفر صقر يوم الخميس الموافق 30 أكتوبر 2008م
ثانيا: الطريقة التي سلكها ضباط امن الدولة أثناء التحقيق معي ، كانوا يحققون معى وكأنني في مناظرة فكرية يستغربون من ردودي عليهم ودفاعي عن أفكاري وموقفي وعقيدتي ، لدرجة أن أحد الضباط استدعى زميله قائلا له (تعالى يا سيدي شوف الأخ بيقول أيه في موضوع الشفاعة) ، كان الاستجواب لا علاقة له بتحقيق في أمن الدولة مع معتقل يطلقون عليه اسم (معتقل سياسي) فكانوا يقومون بدور المدافع عن التدين السني الوهابي بكل ما فيه وكأنهم دعاة وليسوا ضباط أمن.
ثالثا: الطريقة المتناقضة التي كانوا يتعاملون بها معي بحبسي في زنزانة انفرادي ومنع أهلي من زيارتي لمدة ثلاثة أشهر متواصلة ، ومنعي من الخروج للشمس للتريض ، بينما كانت تأت العربات محملة باللحوم والأسماك والأرز وجميع السلع الغذائية من فواكه وخضروات للأخوان وغيرهم من الوهابيين ، وكانوا يطبخون بأنفسهم ما يأكلون داخل السجن ، وكانوا يخرجون للتريض واللعب يوميا ، وكان بعضهم يترجل في كل أنحاء السجن بلا قيود ويجلسون مع ضابط الأمن المسئول الأول والأخير عن السجن بدعوى المساعدة في تنظيم وتوزيع المعتقلين.
رابعا: وهي الصدمة الكبرى لأنها تتعلق بالسلطة القضائية : ــ لكنه الحوار الوحيد الذي حضره شهود ، وذلك حين ذهبت للتحقيق في نيابة أمن الدولة العليا ، وجدت وكيل النيابة يسألني ويناقشني في كل تفاصيل عقيدتي وحريتي الدينية وتناسى تماما أنه يقوم بعمل وكيل نيابة مهمته الأولى هي تحقيق العدالة بين الناس ويجب ان يكون حياديا لا يتبنى عقيدة معينة أو فكرا معيينا حين يمارس عمله ، ولكنني صعقته حين سألني قائلا: ما هي مصادر التشريع في الإسلام.؟ فأجبته بكل ثقة يشهد عليها المحامون هل الدولة ستجلس أمام المساجد وتسأل كل مواطن ما هي مصادر التشريع في الإسلام ومن لم يجيب سيتم اعتقاله مثلي.؟ ..فسكت...!!
ــ لذلك ولكل ما سبق لابد أن تكون الدولة كسلطة حاكمة تتمثل في السلطات الثلاث (التشريعية ـ القضائية ـ التنفيذية) محايدة تتعامل مع جميع المواطنين بشفافية وحيادية تامة دون التحيز أو التمييز بين فئة و أخرى ، حتى يتحقق العدل بين الناس في هذه الدولة ، ولذلك أيضا لا يجوز أن نسأل الناس على عقائدهم ودينهم ، بوضوح أكثر ليس من حق الدولة ولا من حق أي مسئول في الدولة مهما علا شأنه ومهما كان منصبه أن يسأل المواطن عن عقيدته وتدينه ومذهبه وفكره طالما هذا المواطن يعيش في سلم وسلام وأمن وأمان وتأمن الناس شروره ولا يؤذي أحدا ، طالما لا يمارس إرهابا ولا يعتدى على الناس ، طالما لا يضر فردا أو جماعة ، طالما لا يتسبب في نشر أي فتنة حقيقة تضر المجتمع ، فليس من حق أي مؤسسة في الدولة أن تحاسب أو تسأل المواطن عن عقيدته أو تتدخل فيها إطلاقا وخصوصا النيابة والقضاء لأن كلاهما لابد له من عقيدة وتدين ومذهب راسخ يؤمن به ويدافع عنه لأنه بشر ، فكيف إذا حدث وطلب من وكيل النيابة أو القاضي التحقيق أو الحكم (مع  أو على) مواطن يختلف معهم في الفكر والعقيدة والمذهب ، مستحيل أن يكون الحكم نزيها لأن كلاهما سيقنع نفسه أنه يدافع عن الدين فيظلم المواطن لأنه يختلف معه في الفكر أو المعتقد أو المذهب ، وهنا تتجلى أهمية تطبيق وتنفيذ الحرية المطلقة في الفكر و العقيدة (الحرية الدينية) التي أقرها وأكدها القرآن الكريم وأن المواطنون جميعا امام القانون سواسية لا فرق ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو المعتقد أو المذهب أو اللون ولا يجوز أن نسأل إنسان عن دينه أو نتدخل في حريته الدينية أو نحاسبه عليها أو نحاكمه بسببها طالما عاش مسالما ، حتى لا يُظـْلم إنسان ويتم اضطهاده وتشريده و محاكمته ظلما وعدوانا لمجرد أن السلطة الحاكمة في الدولة تميل لاتجاه ديني بعينه.
ــ ولذلك نحذر من خطورة سيطرة فكر ديني واتجاه ديني معين علي مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث لأن هذه السلطات ستتعامل مع المعارضين المخالفين لهذا الفكر وتلك العقيدة على أنهم أعداء الإسلام وكارهي الدين ، ولن يكون التعامل معهم نزيها ولا شريفا على الاطلاق لأنه سيتحول إلى خصومة واضحة يمتلك فيها الخصم سطلة القبض على مخالفيه ومعارضيه ومحاكمتهم وتنفيذ الحكم عليهم بنفسه.