الجمعة، 16 مارس 2012

الـسلـفـيـة والـمــرأة المصرية وكـشـف الـعــذريـة

الـسلـفـيـة والـمــرأة المصرية وكـشـف الـعــذريـة

ـــ منذ عام أو أكثر وقبل أن تتضح المعوقات وتنكشف الصعوبات أمام الثورة المصرية ، وقبل أن تظهر حقيقة الثورة المضادة ، و حقيقة جميع الأطراف المشاركة والفعالة في محاربة الثورة المصرية لوقفها وإجهادها أو تعطيل مسيرتها أو إجهاضها قبل تحقيق مطالبها الأساسية في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ، بدأت الحرب المضادة بافتعال أحداث متكررة لإشعال فتنة طائفية بين الأقباط والمسلمين وبدأ هذا مبكرا جدا في أطفيح ، وامبابة ، وموضوع كاميليا وعبير ، وقد ناضل السلفيون بحشد مليونيات للمطالبة بحرية الأخت كاميليا التي اتضح أصلا أنها لم تشهر إسلامها وأن المسألة كانت فيلم هندي أمني له أهداف مرحلية وقتية مقصودة ومدروسة ومحددة ، وحين تلاشى تأثيره ظهر فيلم جديد ، وكان يقوم بدور البطولة في هذا الفيلم نجوم الدعوة السلفية والدليل القاطع أنه كان فيلما هنديا أن الموضوع انتهى من الأذهان وحلّ محله موضوع آخر هو موضوع عبير وتتوالى المواضيع تلو المواضيع من هذا النوع ودائما ما يقوم بدور البطولة قيادات الدعوة السلفية سواء في عقد جلسات الصلح لتحويل مصر لدولة اللاقانون ، أو لحشد مليونيات للمطالبة بالحرية لأخت ليست من الأخوات حسب فهمهم ، كما كان دورهم المتكرر في حشد ملايين الناس للمطالبة بالحرية لأختنا عبير أو أختنا كاميليا ، على الرغم أن أخواتنا عبير وكاميليا لم يمسسهما أحد بسوء ، ولم يجبرهم أحد على تعرية أجسادهما لفحص العضو التناسلي ، ورغم ذلك وقف السلفيون يطالبون بالحرية لكاميليا وعبير بدون وجه حق ضمن مؤامرة للضحك على المصريين وادعاء الخوف على الدين ، وفي المقابل لم يحرك فيهم ساكنا الحكم ببراءة من قام بكشف العذرية على بنات مصر بدون وجه حق ، وتقبلوا الحكم بصدر رحب وانعدمت فيهم النخوة والرجولة والشهامة والإنسانية على الرغم أنهم يقولون أن صوت و جسد المرأة عورة وليس من حقها بل يحرم عليها التحدث أو كشف وجهها أمام الأجانب (الأغراب) ، فهل السكوت وتغطية الوجه واجب شرعي على المرأة وكشف العذرية وفحص عضوها التناسلي واجب شرعي أيضا.؟. لعنة الله عليكم أيها السلفيون.

ـــ المرأة المصرية التي ناضلت وساهمت بشكل واضح ومؤثر في استمرار الثورة المصرية لم تحصد إلى الانكسار والظلم والذل والتعرية وكشف العذرية والإقصاء من البرلمان الذي يفترض أنه برلمان ما بعد الثورة ــ الثورة التي كان أكثر من نصف المشاركين فيها من النساء والبنات ، وخصوصا في جميع المليونيات التي اختفى فيها تماما التواجد السلفي والأخواني لأنهم تركوا نساء مصر وشبابها يقتلون في الشوارع والميادين وانشغلوا بحصد المكاسب وعقد الصفقات في الحجرات المغلقة والموائد المستديرة ، وكانت النتيجة تمثيل مخزي وغير منصف وظالم للمرأة في برلمان ما بعد الثورة ، ولا يعبر إطلاقا عن الدور الذي لعبته المرأة المصرية في هذه الثورة التي لم يتحقق أي مطلب من مطالبها على الرغم أنها أخرجت معظم المصريين من حالة الخوف وكسرت داخلهم حاجز الرهبة والاستكانة والخنوع والخضوع والانبطاح ، إلا قلة قليلة أدمنت الانبطاح أمام السلطة والانكفاء تحت أقدام الحاكم ومعظمهم من التيارات الدينية التي ساهمت بشكل كبير جدا في تعطيل الثورة ، حتى لو كان على حساب الاعتداء على شرف بنات مصر ونسائها.

أخيرا::

الفكر السلفي الوهابي يُحرم الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل والدراسة ويُحرم جلوس البنت بجوار الولد في مدرج الدراسة أو على سلم الكلية، ويُحرم أي نوع من العلاقات الإنسانية البريئة والشريفة بين الذكر والأنثى ، الوهابية تحرم النظر للمرأة وسفر المرأة بدون محرم ، الوهابية تحرم الخلوة بين رجل وامرأة لأن الشيطان سيكون ثالثهما ، لكن رغم كل هذا وافقوا وخضعـوا وركعوا وانبطحوا أمام جريمة كشف العذرية على حرائر مصر ، طالما الجريمة تخدم مصالحهم العليا فالسكوت واجب شرعي.

الاثنين، 12 مارس 2012

فـقـه الـمـصـالـح فـي إطــار مــدرسـة دمـشــق لـلـمـنـطــق الـحـيـــوي

فـقـه الـمـصـالـح فـي إطــار مــدرسـة دمـشــق لـلـمـنـطــق الـحـيـــوي

نظرا لحبي الشديد وعشقي الأكيد وارتباطي الوثيق بوطننا وأمنا الغالية مصر فدائما ما أبحث بإخلاص عن حلول لأي مشكلة تحدث على أرض هذا الوطن الحبيب ، يعاني منها معظم المصريين ، لكن هناك علماء ومفكرون أكثر مني حبا وعلما وحرصا على هذا الوطن ، ولذلك يتوقعون حدوث الثورات والتغييرات السياسية والاجتماعية قبل حدوثها بسنوات أو بعقود ، ويؤهلهم لهذا عقليتهم المستنيرة وفكرهم المضيء وقراءة التاريخ بحيادية دون تقديس الأشخاص لإظهار خطايا البشر ووضعها أمام الناس لكي لا يقعوا في أخطاء السابقين ولكي يأخذوا العظة ولكي لا يتكرر ما حدث على أرض الواقع بسبب سلوكيات وأفعال الناس.

وبعض هؤلاء العلماء يسبق فكره الزمن الذي يعيش فيه فقد يتنبأ أحدهم بما سيحدث في المستقبل إذا توافرت مجموعة من الظروف والأحداث والعوامل.

وبهذه الفطرة التي فطرنا الله عليها وهي حب الوطن والخوف عليه والتفكير والانشغال بحاضره ومستقبله ، وجدت من الضروري التذكير بهذا الموضوع الهام ، الذي تناول مشكلة هامة وخطيرة يعيش فيها المجتمع العربي كله منذ عقود ، ورغم مرور الزمن إلا أن المشكلة لا تزال قائمة ولا يزال العرب جميعا يدفعون الثمن بسبب انتشار وسيطرة ثقافة المصالح استنادا على مرجعية دينية هي فقه المصالح ، مما أدى إلى توزيع الثروات بصورة ظالمة وغير عادلة وتنتهك فيها حقوق معظم المواطنين في البلاد العربية.

اليوم أنشر موضوع تمت مناقشته في رواق ابن خلدون وبحضور كوكبة من المفكرين المصريين وبعض الأشقاء العرب.

الموضوع بعنوان:ــ

فـقـه الـمـصـالـح فـي إطــار مــدرسـة دمـشــق لـلـمـنـطــق الـحـيـــوي

بتاريخ 4/5/1999م العدد 91 السنة الثالثة يوليو 1999م

المتحدث المفـكر السوري / د. رائــق الـنــقـري

بدأ المفكر السوري حديثه عن مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ، فقال أنها مبادرة فكرية سياسية انطلقت في سوريا بعد هزيمة 1967م للبحث عن صيغة جديدة تواجه الهزيمة حضاريا وعسكريا ، ونشأت المدرسة سراً خوف الملاحقة الأمنية ، وانضم إليها الشباب من الجنسين مع التركيز على الطلائع العسكرية ، ولم يكن الهدف من المدرسة انقلابا عسكريا ، ولكن كان التعبير العقلي لتصبح الشعوب العربية أكثر قدرة على الصراع الحضاري مع اسرائيل ، إلا أن السلطات السورية ما لبثت أن اعتقلت أكثر من مائة من رواد جناح المدرسة عام 1976م ، وفي هذه الفترة تم الإفراج عن هم عام 1982م ، وهي مدة قياسية في الإفراج تنظيم سري له جناح عسكري ، وفي هذه الفترة تم نشر ستة كتب لقائد التنظيم د. رائق النقري عن المنطق الحيوي كانت نتاج تفاعل داخل التنظيم الذي أخذ فيما بعد اسم مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ، ومع أن الكتب لم تنشر داخل سوريا ، إلا أنه تم نشرها وتداولها خارج سوريا.

والمنطق الحيوي باختصار يتجاوز الثنائيات الموروثة وإشكالية المذاهب القومية والدينية والأفكار الأحادية ، ومع ذلك فليس المنطق الحيوي مذهبا فكريا جديدا ، وليس اجتهادا دينيا يتشابك مع المعتقدات ، ولكنه طرح عملي واقعي لمنظومات التفاعل الاجتماعي ، ولذلك فإن المنطق الحيوي يرى أن كل الأفكار والممارسات والنظريات والمذاهب والمجتمعات تختلف وتتفق فيما بينها ، ويدعوها المنطق الحيوي إلى أن ترى القانون الكوني العام المشترك الذي يجمع بينها ، سواء كانت ظواهر اجتماعية أو عقلية أو غير ذلك ، وتفسير اختلافها من خلال ردها إلى المنظومات المنطقية التي تستند إليها وتتحوى بدلالتها ، ومن هنا يقوم المنطق الحيوي على "الشكل" كمفهوم نظري وعملي يختلف عن أي جوهر مادي أو روحي ويتجاوز أية ثنائية كالذات والموضوع والوجود والعدم ، ومن الشكل نستمد الحركة ، وفي الحركة نستمد الصيرورة التي هي مصدر الحيوية بوصفها تحديات المعروف ، ولكن بمفهوم فلسفي يجعل من حق كل طائفة أن تبحث عن مصلحتها في ضوء احترام مصالح الآخرين ضمن منظومة كلية كونية ، تهتم بالإنسان في كل زمان ومكان.

وبــدأت تـعــلـيــقــات الــــرواق:ــ

قال الفنان: محمد نوح : نبدأ بتجديد المصالح بعيدا عن العواطف الشكلية ، وهذه هي البراجماتية الأوروبية حيث لا توجد علاقات دائمة بل توجد مصالح دائمة ، وهذا ما نفتقده في سياستنا ، وهناك خطورة أخرى تتمثل في اللغة العربية وهي لغة مطاطة تحتمل التأويل وفيها متسع للمجاز وتتجلى هنا خطورة فقه المصالح حين يفسره الفقهاء ، المتزمتون وفق مصالحهم ، وقد دفع د.أحمد صبحي منصور الثمن بسبب ذلك ، وقال محمد نوح للمتحدث لا أوافقك على ثلاثة أرباع ما قلت ولكن أوفقك على المنهج الذي اتبعته ، وبذلك فإن رواق ابن خلدون يتحول إلى بؤرة ثقافية تنويرية مؤثرة وسط هذا الجو المحيط.

وقال: د . حسن عيسى : فقه المصالح الذي استمعنا إليه ينتمي إلى علوم السياسة وليس علوم الشرع ، والواقع أن فقه المصلحة يمكن من خلاله تفسير التاريخ الإنساني وتاريخ المسلمين أيضا ، ونحن نحتاج إلى نظرة للمصلحة العامة لنا في عالم يبحث عن مصالحه ، وكلمة الشكل التي اختارها لمتحدث تقابل كلمة المضمون أو التضمين.

ورداً على ما تردد في الرواق من "وحدة الوجود" المذهب الصوفي والفلسفي ردّ : محمد رفعت بيومي : بأنها تناقض الإسلام لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وتساءل عن موقع الروح في المنطق الحيوي ، وقال أن العولمة ستنشر الثقافة البراجماتية النفعية وسيشكل خطرا على الهوية المحلية يستوجب حمايتها مع انفتاح رشيد على العالم.

وأشار المهندس : فتحي عبد السلام : إلى التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة بعنوان "جيران في عالم واحد" لإنقاذ البيئة العالمية من التلوث والاستنزاف ، وقد أكد التقرير ــ الذي وضعه عقلاء العالم ــ على أهمية الرقي بالفقراء بالعالم ونشر الديمقراطية والوعي والعدل الاجتماعي ومواجهة الفساد والظلم لأن الفساد الأخلاقي ينجم عنه تلوث بيئي ، طبقا لقوله تعالى " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيد الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا".

وأشار دكتور محمد عثمان الخُـشت: استاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ، إلى أن المتحدث قدم منهجا وأداة يتضمن تصورا للكون والحياة ، وقال ان كلمة "الشكل" التي قدمها بمعنى المضمون لا تشمل كل شيء والأفضل منها كلمة "شيء" واستنباط "الحركة" من مفهوم "الشكل" لا يستند إلى تلازم منطقي لأن الشكل يتلازم مع الثبات وليس الحركة.

وقال د. محمد أبو الإسعاد : أن المحاضر يقدم لنا دينا جديدا متأثرا بإقامته في أمريكا ورغبتها في السيطرة على العالم وفلسفتها المصلحية ، وتساءل عمّا وراء هذه الأفكار وصلتها بالهيمنة الأمريكية.

وقال عبد الفتاح عساكر: ان فقه المصالح بمفهوم (رائق) غير (لائق) لأن أصوله فلسفية قديمة تخالف القرآن ، وكان أولى به أن يتفهم القرآن ويستخلص منه منهجا يستفيد منه المسلمون.

وفي النهاية قال د. أحمد صبحي منصور: ان من أهداف التشريع الإسلامي تحقيق المصلحة ، من حيث التخفيف والتيسير ورفع الحرج ، ولكن الهدف الأقصى لكل الشرائع الإلهية هو "أن يقوم الناس بالقسط" كما جاء في سورة الحديد آية 25 (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ....)

والمعنى أن يتعاون الناس جميعا (بدون أغلبية صامتة أو أغلبية سلبية) على إقامة القسط فيما بينهم ، وبالتالي يتأكد لديهم الشعور الجماعي بأن المصلحة الفردية لكل شخص لابد أن تتسق مع المصالح العامة للوطن ولا تتعارض مع المصلحة الخاصة للفرد الآخر ، وهذا معنى أن يقوم الناس بالقسط ، فإذا فعلوا ذلك أقاموا شرع الله تعالى في التعامل فيما بينهم ، حتى لو لم يكونوا يعرفون شيئا عن الشريعة السماوية ، فإذا انفرد شخص واحد أو طائفة بتحقيق المصالح الخاصة لهم ، فإن الظلم يتأكد ويستقر مكان القسط والعدل وينتج عن ذلك تهميش المظلومين وازدياد الظلم مما يدفع إلى الثورة واللجوء إلى العنف والحديد ، وهذا ما تشير إليه بقية الآية ، في قوله تعالى (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ .....) وهكذا فإن عدم اقامة شرع الله تعالى القائم على القسط والعدل يدفع بالمجتمع إلى كارثة وحرب أهلية يحل فيها الحديد محل الدعوة السلمية للعدل والقسط .. ومن هنا ينبغي أن يراعي فقه المصالح جانب القسط ، والعدل حرصا على سلامة المجتمع وإلا تحول إلى غابة.

الـتــعــلــيــق :ـــ

أولا:ــ مع كامل احترامي لكل المعلقين على الموضوع أعلاه سواء كنت أتقف أو اختلف معهم .

ثانيا :ــ أعيد نشر هذا المقال لسببين أساسيين :ـ

السبب الأول:ـ لأن النظام الحاكم في مصر في أواخر عام 1999م بدأ فعليا التجهيز لحملة ضد مركز ابن خلدون لأن الرواق الذي أشرف عليه أحمد صبحي منصور كان له صدى وتأثير محلي وقومي داخل الوطن العربي كله باستضافته مفكرين ومعارضين من جميع البلاد العربية لمناقشة وضع حلول أو آلية حقيقية للإصلاح الفكري والسياسي في الوطن العربي ، وحسب رؤيتي الشخصية الآن إن ما حدث من حملة تشويه للمركز والقبض على د. سعد الدين إبراهيم ، وبعض العاملين بالمركز بتهم التمويل الأجنبي (التهمة التي لم تتغير حتى بعد الثورة) ، وكان في الطريق سيتم القبض على أحمد صبحي منصور وبعض أقاربه لكنه بادر بالسفر ، وهذه القضية التي تم الاستعداد لها جيدا كان هدفها قتل أي محاولة لتوعية الناس وإصلاح المناخ الفكري (السياسي أو الديني) في المجتمعات العربية ، ولا أستبعد أن يكون الهجوم على مركز ابن خلدون في هذه الفترة كان بالتنسيق والاتفاق مع بعض الدول العربية مثل السعودية وسوريا.

وبكل همة يقوم جهاز الأمن المصري بالمهمة على أكمل وجه ، ووسائل الإعلام كذلك والأزهر يساهم في تشويه صورة العلماء والمفكرين الذي يحاولون فضح السياسات الفاسدة للأنظمة العربية ، وكذلك فضح وتعرية الفكر الوهابي الذي يتناقض مع القرآن على طول الخط ، فهي مؤامرة واضحة ضد ابن خلدون كمنبر لتعليم المواطنين وتثقيفهم وتنويرهم بحقوقهم السياسية ، وضد أحمد صبحي منصور كمفكر قرآني يجتهد في إظهار وتجلية حقائق القرآن وتخليص الإسلام من سيئات المسلمين.

السبب الثاني :ــ هذا الهجوم على ابن خلدون في هذه الفترة كان سببا رئيسيا في تأخير الربيع العربي حوالي عشر سنوات تقريبا خصوصا في مصر ، لأن موضوع التوريث في مصر كان لا يزال جنينا لم يولد من رحم النظام الفاسد ، لأن ابن خلدون من خلال فريق العمل صنع حالة من الوعي عند كثير من المصريين ، والرواق من جهة أخرى صنع حالة من الحراك الفكري والنشاط العقلي وصدمة فكرية عند كثيرين ، وهذا كله كان ضد مصالح النظام السياسي الفاسد في هذه الفترة التي كان لابد أن يسود فيها الهدوء والسكينة لتمرير موضوع التوريث دون أي معوقات ، وأكبر دليل على ما أقول أنه رغم القبض على د. سعد وبعض رفاقه ووضعهم في السجن ، ورغم حملة التشهير والتشويه التي قام بها الأزهر ووسائل الإعلام على أكمل وجه إلا أن المركز لم يغلق وعاد يمارس عمله من جديد ، ورغم أن الهجوم والتشويه طال شخص أحمد صبحي منصور إلا أن نجليه (الشريف ومحمد) ظلّا يعملان بالمركز حتى عام 2005م ، مما يؤكد أن هذه القصة مدبرة ومقصودة ولها هدف محدد وقتي ، وهدف بعيد المدى مثل إرهاب المفكرين وإسكات الجميع.

أخيرا ::ــ لا أجد هنا أفضل مما قاله الدكتور منصور في تعقيبه على الدكتور رائق النقري ، حين حذّر من العواقب الوخيمة للظلم والفساد والاستبداد والاستعباد وأنها قد تكون سببا في ثورة حقيقية يطالب فيها الشعب بإقامة العـدل والقسط في المجتمع ، وهذا ما حدث في ثورتي تونس ومصر ، ولا ننسى أن شعار الثورة المصرية هو (كرامة حرية عدالة اجتماعية).

متى يتعلم هؤلاء من التاريخ.؟ ومتى يقرأون نصائح العلماء والمفكرين ويتعاملون معها بعين الاعتبار.؟.

الاثنين، 5 مارس 2012

مصر المُحتَلّة وموازين العدل المُخْتَلّة

مصر المُحتَلّة وموازين العدل المُخْتَلّة



قبل عام تقريبا من الثورة نُـِشـَر في موقع أهل القرآن مقالا تفصيليا عن جرائم السلب والنهب وتوزيع أراضي الدولة على الأقارب والأصدقاء والمحاسيب وأفراد العصابة الإجرامية التي اشتركت في سلب ونهب حقوق المصريين لأجيال لم تولد بعد ، حيث تم فضح هذه الجرائم في مقال مفصل بالأسماء والمساحات المخصصة لكل حرامي ومن الذي ساعده في الحصول والاستيلاء عليها ، أقول هذه المقدمة حرصا على المصريين لأن معظم الوزراء الذين تم اختيارهم بعد الثورة متهمون بالاستيلاء على أراضي الدولة ، وأعضاء المجلس العسكري وقيادات الداخلية وبعض المرشحين للرئاسة جميعهم متورطون في سرقة أراضي الدولة أو يشرفون حتى الآن على عمليات بيع ثروات وممتلكات الشعب المصري حسب ما نشر في هذا المقال ، ولذلك أحذر من انتخاب أحدهم في أي منصب في المرحلة القادمة ، ولابد من رحيل هؤلاء جميعا من الحياة السياسية المصرية ومحاسبتهم لكي تبدأ مصر بناء دولة على أرضية ثابتة خالية من الفساد والاستبداد وسرقة أموال وحقوق العباد.

تفاصيل سرقة ونهب وسلب المال العام بالمساحات والأسماء على هذا الرابط :ــ
http://ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=10098

لم يكتفي هؤلاء المجرمون بتوزيع وسرقة أراضي مصر وأموالها على بعضهم داخل مصر ، ولكنهم ارتكبوا جريمة خيانة عظمي على الأقل من وجهة نظري ، وهي بيع ثروات مصر لبلاد أجنبية وبثمن بخث ولمدد طويلة جدا تحرم الأجيال القادمة من حقها في هذه الثروات ، وإليكم بعض الأمثلة:ـ
1ــ تصدير الغاز لإسرائيل بثمن بخث وبخسارة سنوية قيمتها 14 مليار دولار ، على الرغم أن المصريين حتى كتابة هذه السطور لا زالوا يقتتلون من أجل الحصول على أسطوانة غاز في معظم محافظات مصر ، وكذلك يتم تصدير نفس الغاز المصري لإسبانيا و إيطاليا وفرنسا وتركيا و إجمالي الخسائر تتجاوز نصف تريليون جنيه في ست سنوات مضت.
وكتبنا مقالا عن تصدير الغاز والحديد والأسمنت لإسرائيل في أكتوبر 2007م على الرابط
http://ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=2606

2ــ بيع مناجم الذهب لشركات استرالية وأجنبية أخرى بعقود ضعيفة جدا لمدة ربع قرن ، وبمساحات كبيرة جدا تصل لمئات الكيلو مترات ، وهذه جريمة في حق الشعب المصري كله لأن هذه الشركات من وجهة نظري أقوى من الاحتلال العسكري ، ولكنها لا تكلف هذه الدول مليما على التسليح العسكري فهي احتلت مصر وسرقت ثرواتها بواسطة معدات غير حربية بمساعدة الخونة من المسئولين المصريين ، والخاسر الوحيد هو الشعب المصري لأنه لا يعلم كمية الذهب التي تنتجها هذه المناجم ولا يعلم سعرها ، حتى مجلس الشعب نفسه لا يعلم أي معلومات عنها ، وكل معلوماته أن مصر فيها مناجم ذهب ، ومن الأمور المخزية في هذا أن راتب العامل المصري لا يقارن براتب العامل الاسترالي فبينما يحصل العامل المصري على راتب من 2000 : 3000 جنيه مصري شهريا ، فإن نظيره الاسترالي يحصل على 650 دولار في اليوم ، وحين يعترض المصري ويطالب بحقه يقول له الاسترالي (لو مش عاجبك امشي) مهزلة بكل المقاييس.

3ــ باعت الحكومات المصرية مليارات الأطنان من الرمال التي تمثل ثروة قومية والتي تستخدم في صناعة الزجاج والبلور وشاشات الكمبيوتر وباعوا الطن بــ 50 جنيه مصري ، ثم بعد ذلك نستورد الزجاج وشاشات الكمبيوتر بأسعار باهظة ، هذه هي سياسة الفساد والفشل في إدارة دولة وارتكاب جرائم حقيقية في حق الشعب.
4ــ بيع شركة المراجل البخارية بمبلغ 57 مليون جنيه على أنها خردة ، وعندما فكروا في إنشاء شركة مماثلة كانت التكلفة المبدئية حوالي 5 مليار جنيه.
5ــ بيع 194 شركة وبنك من القطاع العام بأسعار بخث لمستثمرين أجانب ومنحهم مزايا لا يحلمون بها مثل أسعار الطاقة التي لا يحظى بها المواطن المصري نفسه ، وتخفيض رواتب العمالة المصرية وتخفيض الضرائب وأحقية المستثمر في طرد العمالة المصرية في أي وقت لو لم يعملوا مثل العبيد ، وتم البيع بإجمالي خسارة 100مليار جنيه عن الثمن الحقيقي لهذه الشركات.
6ــ بيع حق إدارة ميناء العين السخنة لشركة موانئ دبي التي تراجعت عن تنفيذ التعهدات والاتفاقات التي تعهدت بها منذ ستة أشهر بخصوص حقوق العمال في الأرباح.
7ــ بيع 500مليون متر من أرض مصر لعدد 2000 شخص بتسهيلات وأثمان بخث بينما الفلاح المصري المسكين يحبس في سجون مبارك إذا تأخر عن دفع ملاليم من قرض اقترضه لينفق على زراعة أرضه ليعيش الكفاف هو وأسرته ، ومن المفزع أن يمتلك 2000 شخص حوالي 24% من ثروة مصر ويتحكمون فيها ويسيطرون عليها.
أقول هذا الكلام لأنني أرى وأؤكد أن مصر محتلة ، ولكن احتلال من نوع جديد بدون دبابات ولا جيش ولا طائرات ولا أي مخاسر للمحتل ، وكل هذا بفضل الخونة والعملاء الذين يقومون بإهداء ثروات مصر لأمريكا واسرائيل واسبانيا وإيطاليا وفرنسا واستراليا وغيرها من الدول العربية ، مصر محتلة ولا تزال ، الثورة المصرية لابد أن تكتمل لكي تخلص مصر من هذا الحصار والاحتلال الاقتصادي الذي يستنزف أموالنا وأموال أولادنا وأحفادنا في المستقبل ، الثورة المصرية لابد ان تكتمل لخلع العملاء والخونة الذين لا زالوا يشرفون حتى هذه اللحظة على تصدير الغاز لإسرائيل بنفس الأسعار التي يخسر فيها الشعب المصري 14 مليار دولار سنويا ، وكذلك لا تزال شركات القطاع العام في يد أصحابها من المحاسيب والأقارب والأجانب ، وإلى يومنا هذا لا تزال قيادات في الدولة تحصل على رواتب بدون حد أقصى بينما الفقراء في مصر جوعى ومرضى ويعانون الأمرين يوميا لإيجاد قوت يومهم ، وكذلك لازال الموظفون يعانون وينتظرون تطبيق الحد الأدنى للأجور.
ورغم كل هذه الثروات وهذه المليارات يُـصِرون على الاقتراض لتوريط مصر في ديون جديدة ، وبدلا من العمل بجد لاسترداد الأموال المنهوبة يقومون بتوريط الأجيال القادمة في ديون لا ذنب لهم فيها.
المال المنهوب من الشعب المصري لو تم توزيعه على المصريين سيكون نصيب كل مواطن حوالي 3مليون جنيه ، لكن بسبب الفساد والسلب والنهب والاحتلال الاقتصادي لمصر على يد الخونة والعملاء الذين تربوا في عهد مبارك فإن كل مصري مَـدِين بــ 15 ألف جنيه حتى الطفل المولود يولد ويجد نصيبه في الثروة المصرية ديون بــ 15 ألف جنيه ، هذه هي إنجازات مبارك خلال 30 سنة ويسير على خطاها من يديرون شئون البلاد منذ يوم 11 فبراير 2011م أقول هذا الكلام لأن هناك أصوات تريد التصالح مع هؤلاء القتلة والمجرمين والسفاحين الذين سرقوا حقوق المصريين وأموالهم وأراضيهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، وفوق كل هذا عاش المصريون في عذاب مقيم بسبب الفقر أو المرض أو الجهل أو الاعتقال.
إذن عملية استرداد المال المنهوب يحتاج لموقف قانوني قوي ، يتبعه موقف سياسي أقوى يصاحبه موقف شعبي منظم للضغط على هذه البلاد لإرجاع الأموال ، لكن حتى الآن لم نطالب أي دولة مطالبة رسمية واضحة لإرجاع الأموال والدول التي بها الأموال لسان حالها يقول (بركة يا جامع إنها جت منك) لأن هذه المليارات هي عبارة عن أسهم في شركات ولو تم سحبها فجأة ستؤثر سلبا على اقتصاد هذه الدول ، إذن هي مصالح مشتركة ، ولا فرق بين هذه المؤامرة وبين احتلال مصر في الماضي ، فلابد للشعب المصري أن يفهم جيدا أن المحاكمة الحقيقية لم تبدأ بعد لمبارك وأفراد عصابته الذين تتم محاكمتهم على قتل المتظاهرين أو سرقة فيلا أو قطعة أرض أو لوحات معدنية أو بيع أو شراء قطعة أرض واحدة ، فهذا اختزال واضح لجرائمهم التي لا تحصى ولا تعد لأنهم قاموا بنهب منظم لأموال المصريين وسرقوا ونهبوا أراضي الدولة ، وباعوا القطاع العام وسلموا ثروات المصريين للأجانب بثمن بخث ، وخربوا التعليم وخربوا الصحة والاقتصاد وخربوا الوعي المصري والثقافة المصرية وشوهوا الهوية المصرية وأسقطوا هيبة الدولة بعد سفر المتهمين الأمريكان على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار القاهرة دون أن يعترض طريقها أحد وغادروا في دقائق معدودة أمام أعين الجميع في حالة من الصمت أو الموت المؤقت لجميع من يدّعون أنهم يخافون على مصر وعلى هيبتها وكانوا يصرخون وينعقون من قبل لن تركع مصر لن تركع مصر ، وبعد كل هذا يريدون محاكمة بقية المتهمين المصريين في نفس القضية هل هناك ظلم وعار أكثر من هذا.؟
ارحمونا يرحمكم الله .


الجمعة، 2 مارس 2012

رؤية في تحديث التعليم المصري .. المقال الثالث

عتبر نفسي ممن يخالط ويحاور ويجالس العلماء ، وهذا بالطبع من حسن حظي ، وبدأ ذلك مبكرا جدا بسبب قرابتي واتصالي الدائم بالدكتور احمد صبحي منصور ، في عام 1997م ، حين كنت أذهب معه لحضور رواق ابن خلدون ، ومن الشخصيات الهامة التي تعرفت عليها هناك المرحوم الأستاذ الدكتور/ محمد أبو الإسعاد ـ وفي الحقيقة هذا الرجل لا أنسى أبدا ملامح وجهه حينما كان يتحدث في أي موضوع يخص مصر ومستقبلها ، فكنت أراه مهموما بمصالح مصر ودائم الانشغال بإصلاح كل شيء فيها وخصوصا التعليم وهو صميم تخصصه كأستاذ جامعي ، ومن الكتب الرائعة التي قرأتها له ـ كتاب (رؤية في تحديث التعليم المصري) ، وبعد قراءة هذا الكتاب الذي تم تأليفه في عام 1991م ، وهو في الأساس يناقش ويلقي الضوء على فكر (أحمد لطفي السيد) في تطوير التعليم المصري في بدايات القرن العشرين ، وتحديدا في عام 1928م ، ومن أهم الأسباب التي دفعـتـني لنشر هذا الكتاب مرة أخرى وإحياء فكرة تطوير التعليم من جديد سببين أحدهما: أن التعليم المصري لم يتغير فيه أي شيء ، بل ازداد سوء وفسادا وخواء وتخريبا للعقول ، ثانيهما: تطابق أو تشابه الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها مصر وقت مشروع أحمد لطفي السيد (بعد ثورة 1919م ) مع نفس الظروف الحالية في مصر (بعد ثورة 25يناير 2011م) ، وفي هاتين الفترتين التاريخيتين نرى أن مصر تقوم بثورة شعبية ، ويعقبها ظهور تيار ديني يسيطر على العامة بفكر ديني وهابي صحراوي لم يتغير ، وهذا الفكر كان ولا زال مدفوعا من الدولة الوهابية ، يريد جر مصر إلى الوراء وإرجاعها قرونا طويلة وإحياء ثقافة التقليد الأعمى للنصوص وإجهاض العقول ودعوة صريحة للجمود الفكري وقتل الإبداع داخل شباب وأطفال هذا البلد ، بالإضافة أننا فعلا بعد الثورة في حاجة ماسة لإصلاح التعليم المصري لأن إصلاح التعليم معناه النهوض بالمجتمع كله ، فلو انصلح حال التعليم والمتعـلمين ، فمن المؤكد أنهم سينـتـشلون المجتمع لينهضوا به في كل شيء ، ويخلصونه من سيطرة أي فكر رجعي مهما كان ، وهذه مقارنة تاريخية كان يجب الإشارة إليها حتى نؤكد ونذكر الشعب المصري أن آل سعود لم ولن ينسوا ثأرهم من مصر ويصرون كل الإصرار أن تسقط مصر صريعة للفكر الوهابي انتقاما من مصر والمصريين لأن التاريخ أثبت أن مصر كانت سببا في إسقاط دولة آل سعود مرتين في عام 1818م ، وفي عام 1891م، وبكل أسف وأسى أرى مشهدا مظلما في مصر بعد الثورة وأخشى أن ينجح الوهابيون في سرقة ثورة مصر لثالث مرة ووقف عملية التحول الديمقراطي والإصلاح الحقيقي في مصر وبناء دولة مصرية حقيقية.

المقال الثالث

ــ التعليم والتوظف :ــ

تعرض لطفي السيد لمشكلة ارتباط التعليم المصري بالتوظف في الحكومة فقال ان التعليم الحاضر الذي قصر المقصود منه على أنه يعمل مستخدمين يدور بهم دولاب الحكومة ليس هو التعليم الموصل إلى الحكم الذاتي فالتعليم الحاضر على ما هو عليه لا يوصل إلى شيء من سعادة الأمة وإذا كان لابد من معدات لتلاشي الوحدة القومية وفقد الاستقلال كان التعليم الحاضر خير المعدات إلى تلك النتائج العمومية فموضوعات التعليم وبرامجه وطرائقه في مصر بعيدة عن أن تصل بنا إلى الرقي الاجتماعي المطلوب لأن الغرض من التعليم عندنا هو إنماء القوى الآلية أو القوى التي يقوم بها الإنسان آلة مضبوطة نوعا للدخول في تركيب الماكينة الكبرى ماكينة أعمال الحكومة.

وأضاف أنه لو كنا نقصد من التربية والتعليم إكثار عدد البؤساء وتنمية قوة الساخطين على النظام لما كان لدينا وسيلة أنجح في هذا الصدد من تحضير شبان كثيرين نـزج بهم في مقاعد البطالة الميئسة وتخرجهم من بيئاتهم ثم نقف بهم في طريق أطماعهم ونقول لهم عليكم أنفسكم.

فالمدارس الثانوية والمدارس العالية أضيق من أن تسعكم وليس في حول الحكومة أن تعلم التعليم الثانوي والعالي مجانا والخدم الصغيرة في الحكومة وغيرها مشغولة بما فوق الكفاية فماذا يصنع هؤلاء وهم أبناؤنا يعز علينا بؤسهم ويعجز حولنا عن مساعدتهم على النجاح في الحياة ومن ثم نرى أن الضرورة قاضية بتحويل مجرى التيار في التربية والتعليم.

ويرى لطفي السيد أن حل هذه الإشكالية يأتي عن طريقين الأول بالربط بين التربية والتعليم من ناحية وبالربط بين التعليم وحاجات المجتمع فيتم ربط التعليم والتربية بالربط بين المعاني التي تهذب النفس والمعاني التي تثقف العقل كما لا يجوز التضحية بالعناية باليد للعناية بتثقيف العقل ولا يجوز تضحية تثقيف العقل لتهذيب قوى النفس ولا يجوز أن تضحي بتنمية مشاعر الشخصية والاستقلال لتنمية فضيلة الطاعة فغرض التربية هو إعداد النشء بقدر المستطاع للحياة العملية المباشرة جعل المدرسة أمة مصغرة لكن المدرسة المصرية في الواقع ليس لها من الاختصاص إلا تلقين شيء من قواعد العلم تعطي عنه الشهادة اللازمة ولذلك فإنه من الواجب بجانب ربط التربية بالتعليم أن تحور برامج التعليم لتكون وافية بحاجات الأمة.

2ـــ الاستظهار:ــ

انتقد لطفي السيد بشدة طريقة التعليم العقيمة في الكتاتيب حيث يعلم الأستاذ التلميذ أو يلقنه ما في الكتاب وهذا لا ينمي من الملكات إلا ملكة الحافظة أو ملكة التقليد ولكن المكلة المُفكره ملكة الإبداع والاختراع ملكة الإدراك والتفكير ملكة الذوق السليم ملكة العالم والكاتب والسياسي والفيلسوف هذه المكلة تبقى دائما طفلة تتطفل في حركتها اليومية على المحفوظات وآراء الغير تستعير فيها ما تشاء من معلومات وتنشرها إلى الخارج واقفة عند وظيفة النقل أما الطريقة المفيدة فهي أن ينصرف الأستاذ عن الكتاب يقبل على التلميذ فيوحي إلى روحه ما يكملها ويعدها للقيام بالواجب عليها في الحياة.

3ـــ ديـمـقــراطـــيـة الـتـعــــلـيــم :ـــ

وكان رأي لطفي السيد أن التعليم حق للجميع فمنذ دعا المصلحون دعوتهم إلى التعليم وأخذوا يقنعون الأمة بفوائد التربية انبرى لهم المحافظون وروجوا في مصر شائعة مؤداها أن التعليم ينبغي أن يكون محصورا في أبناء الطبقة العليا والمتوسطة أما الطبقة الدنيا من أبناء الفلاحين والعمال فليس لها أن تتعلم كغيرها فإن تعليم هؤلاء يحرم الأمة من الأيدي النافعة القادرة على خدمة الأرض ويتصدى لطفي السيد للرد على المحافظين مؤكدا أن البطالة بين المتخرجين في الكتاتيب القديمة ليس سببها القراءة والكتابة ولكن سببها الحقيقي الامتياز الذي كسبه المتعلم على إخوته الذين لم يتعلموا مثله في الكتاتيب.

ورفض لطفي السيد أيضا المقولة التي هاجم بها المحافظون ديمقراطية التعليم بادعاء أن الجهل خير من التعليم الناقص لأن الجهل عدم ، والتعليم الناقص مرتبة من مراتب الوجود العلمي ولا يكون العدم خيرا من الوجود لكنه مع ذلك لا ينكر خطورة ما يترتب على التعليم الناقص من أضرار تلحق بالنسيج الاجتماعي للأمة.

ودعى لطفي السيد إلى جعل التعليم إجباريا وهاجم بشدة الداعين لتضييق نطاق التعليم تحت دعوى انه إذا تعلم أولاد الفلاحين فلن يكون هناك من يزرع الأرض فالذين استبدلوا الجلابية الزرقاء بالجلابية البيضاء واللبدة الحمراء بالعمة البيضاء الذين دخلوا الكتاب فأتموا فيه القرآن قد خرجوا منه يترفعون عن الشغل في الغيط ومن ثم أصبحوا عالة على أهلهم وفقد المجتمع بانتقال هذه الطبقة من الجهل إلى العلم أزرعا نافعة لخدمة الأرض.

ويقول لطفي السيد أن الأعيان يتوجسون خيفة من كل قارئ أو كاتب وجد في قريتهم ولا يريد القائمون بأمر التعليم أن ينقلوا صغار الفلاحين من شظف العيش إلى شيء من الترف ويكشف لطفي السيد عن التركيبة الطبقية التي امتاز بها المتعلمون على غيرهم مؤكدا أنه إذا ما أصبح التعليم إجباريا وتعلم الناس جميعا القراءة والكتابة فسوف تمحى بينهم الفروق السيئة التي جاءت من تعلم البعض دون البعض الآخر وتنمو بينهم المشابهات التي هي الركن السديد للتضامن القومي.

ثم يحذر لطفي السيد حضرات الذوات الذين يثبطون العزائم عن إنجاح الكتاتيب بأن يكفوا عن ذلك فهم قد كبر على نفوسهم أن يساويهم فلاحوهم في امتياز القراءة والكتابة لكن هذا الكبر لن يفيد شيئا فالرأي العام قوة كافية لإنجاح التعليم.

4ــ الامـتـحــانــات :ـــ

انتقد لطفي السيد بشدة نظام الامتحانات والشهادات الدراسية في نظام التعليم المصري وذهب إلى أن التعليم في مصر قد تفرد دون التربية بعناية الأمة والحكومة جميعا فإن كل ما يهتم به الآباء إنما هو نجاح أبنائهم في الامتحانات وكل ما يهم المعلمين هو النجاح في الامتحان وكل ما يهم التلاميذ بالضرورة هو النجاح في الامتحان وليس الامتحان إلا مقررا للعلوم وعلى ذلك سرنا في تيار الرغبة في تحصيل العلوم أي تثقيف العقول من غير التفات إلى تربية القلوب ولذلك ينبه لطفي السيد ولاة الأمور في التربية والتعليم إلى التفكير في أن يجعلوا للتربية محلا بجانب التعليم ولتقويم الشعور حظا بجانب تثقيف العقول فإن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يتوقف كثيرا على طريقة التربية والتعليم.

5ــ التربية والسلام العالمي :ـــ

تعرض لطفي السيد لدور التربية في تحقيق السلام العالمي والتعاون فأوضح أن غاية التربية في النظم الدكتاتورية تنشئة أجيال غايتها بسط سلطانها على الآخرين فتجردهم من حرية التفكير الشخصي وحرية الاجتماع لتبادل الآراء وتنمي في أنفسهم مبادئ القومية الحادة والاستهانة بحقوق الغير والطاعة العمياء وبالجملة تكون غاية التربية حربية صرفة أو بعبارة أدق غاية الاعتداء على الغير وما في أيديهم وليست الديمقراطية مع الأسف بأحسن حال من ذلك إلا قليلا فإن التربية فيها مع ما بها من الحريات الفردية موجهة إلى الحرب أيضا وفي مثلها العليا البطل يقتل أكبر عدد ممكن في ساحة الحرب ومن ثم فلا يمكن أن تكون غاية هذه التربية تحقيق التعاون العام أو السلام الدائم بل لابد للعالم وقد اعتزم التعاون العام أن يغير غاية التربية فيستن نوعا من التربية يؤدي إلى ترك العصبية إلى ما يقتضيه الإخاء الإنساني والتعاون العالمي من احترام لجميع الأجناس ورتب لطفي السيد على ذلك أنه لا يمكن أن يتحقق السلام العالمي إلا بتثقيف ملكات الفرد الطبيعية ملكات الجسم والعقل والنفس بالإضافة إلى أنه ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار تعلم الأفراد القيام بواجباتهم نحو الغير مثل حب الإنسانية على أن يتم ذلك على يد أساتذة أحرار في مدارس حرة ليست تابعة مباشرة لسياسة الحكم.

6ــ اللــغــة الــعــربـيـــة :ـــ

اهتم لطفي السيد باللغة العربية وقضى ثمانية عشر عاما فيما بين (1944/ 1962) رئيسا لمجمع اللغة العربية وكان لطفي السيد يرى أن اللغة كائن حي يخضع لقانون التطور ولابد من أن يشملها التجديد في الأنماط والتجديد في الأساليب والمرونة والطواعية بحيث تقبل وتوجه كل موقف وتسد كل حاجة وتتسع لكل شيء ولذلك راح يدعو في الجريدة إلى تجديد اللغة العربية وإلى التوفيق بين العربية الفصحى وبين العامية وشنّ حملة على جمود القدماء والمحافظين واللغويين ودعى إلى تقريب المسافة بين لغة التخاطب ولغة الكتابة وإلى أن تحل الألفاظ الجديدة محل الألفاظ القديمة واستند في ذلك إلى أن لغتنا العربية فيها ألفاظ أعجمية كثيرة ولم يخل وجودها بالفصاحة والبلاغة فان بعضها قد وجد في القرآن نفسه وكان لطفي السيد يرى أن اللغة العربية قد انقطع رقيها من قرون طويلة فوقفت عند الحد الذي وصلت إليه أيام النهضة العباسية ولا سبيل لإحيائها وجعلها مألوفة الاستعمال إلا أن تصير لغة العلم في بلادنا وكان لطفي السيد يسخر من الجمود ومن إصرار البعض على استخدام كلمة (الفتحة) بدلا من كلمة (كمبيالة) و (عذار الطريق) بدلا من (التلتوار) وعندما كان التعليم باللغة الانجليزية في مدارسنا أيام الاحتلال البريطاني كان لطفي السيد من أنصار تعريب التعليم أي جعله باللغة العربية لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لنقل العلم إلى وطننا حتى ينتج نتائجه الكبرى في ارتقائنا إلى ما نطمع فيه من المدنية والرقي.

وكتب لطفي السيد عدة مقالات دعى فيها إلى إصلاح الحروف العربية حتى يتمكن جميع الناس من قراءتها دون الحاجة إلى الصرف أو النحو فيسهل بذلك تعليم اللغة ونشر التعليم والقضاء على الأمية.

وعندما ولى لطفي السيد أمر المعارف في عام 1929م شكل لجنة كان من أعضائها الدكتور طه حسين والدكتور أحمد أمين والشاعر على الجارم وذلك لتعديل مناهج اللغة العربية وآدابها التي تدرس في المدارس الثانوية حتى تصبح أكثر مسايرة للعصر ولحاجات التلاميذ.

7ــ الجـــامـعــة الـمـــصـــريـــة :ـــ

كان لطفي السيد من الداعين إلى إنشاء الجامعة الأهلية المصرية كما اختير عضوا بمجلس إدارتها ثم حل بعد نشوب الحرب العالمية الأولى 1914 محل أحمد شفيق في وكالة مجلس إدارة الجامعة حتى إذا ما تحولت الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية في عام 1925 تولى لطفي السيد إدارتها لنحو أحد عشر عاما على أربع فترات الفترة الأولى فيما بين 1925/ 1928 والفترة الثانية فيما بين 1930/ 1932 والفترة الثالثة فيما بين 1935/1937 والفترة الرابعة والأخيرة فيما بين 1938/1941 وقد شهدت الجامعة خلال هذه الفترات تطورات هامة ونموا مضطردا وتقدما ملحوظا فتكونت عام 1925 من أربع كليات هي الآداب والعلوم والحقوق والطب وتزايدت أعداد طلابها باستمرار وتم إنشاء مبنى جديد لها في عام 1928، ثم ضمت إليها في عام 1935 كليات الهندسة والتجارة والزراعة والطب البيطري ووضعت لها اللوائح والأنظمة وفقا للتقاليد الجامعية السائدة في دول العالم المتحضر ، وقد حرص لطفي السيد في إدارته للجامعة على مبدأ استقلال الجامعة وإنشاء البيئة الجامعية التي تقوم على الإخلاص للعلم والتضحية في خدمته والاستقلال في الرأي والفكر والعمل لأن أساس التعليم الجامعي حرية التفكير والنقد على وجه الاستقلال ولأن التربية الجامعية قوامها حرية العمل والبعد عن التأثيرات الحكومية وتأثيرات البيئات العامية وعن تأثيرات البيئات السياسية المختلفة ولذلك فإنه عندما تدخلت وزارة المعارف في امور الجامعة بنقل الدكتور طه حسين من عمادة كلية الآداب إلى إحدى الوظائف بديوان المعارف في عام 1932 ولم يتردد لطفي السيد في تقديم استقالته من إدارة الجامعة احتجاجا على هذا التدخل وتمسكا بمبدأ استقلال الجامعة كما لم يتردد في عام 1937 عندما وصل تدخل الأحزاب بطلبة الجامعة لدرجة تضر بالإخاء الجامعي في ان يقدم استقالته مرة ثانية وقد عبر لطفي السيد في رسالة الجامعة عن رؤيته للتعليم الجامعي بأنه طريق العلم الصحيح فالأساتذة في الجامعة يختلفون عنهم في المدارس فغرض التعليم الجامعي تثقيف العقل لا ملء الحافظة وغرضه تنمية ملكة البحث العلمي ومعرفة مناهجه وأنماطه وتوسيع أفاق المدارك فالذي يعتمد الحفظ المجرد والذي يعتمد على الأستاذ يأخذ بنظرياته قضية مسلمة من غير تفكير شخصي وإقناع ذاتي كلاهما ليس طالب علم في حقيقة الأمر وإنما الخطأ في فهم أغراض الجامعة تصور ان أغراضها تنحصر في تحضير موظفين لإدارة الحكومة فلا يكون غرض الطالب إلا أن يقطع المدة المقررة للدراسة كيفما اتفق ليحصل على تلك الشهادة التي تؤهله للتوظيف وقد نشأت الجامعة لتؤدي رسالتها في تقديم العلوم والفنون في مدنيتنا الحاضرة ولتعارض التعليم العالي الحكومي الذي لم يكن له غاية سوى إيجاد موظفين للإدارة الحكومية.

والجامعة لا تفرق بين الرجل والمرأة فهي تقبل الفتيات المصريات طالبات في الجامعة لهن ما لاخواتهن الطلبة من الحقوق وعليهن ما عليهم من الواجبات وقد تم قبول الطالبات في الأسرة الجامعية في غفلة من اللذين من شأنهم ان ينكروا علينا اختلاط الشابات بإخوانهن في الدرس.

ونحن حريصون على استقلال الجامعة حتى لا تقع المؤثرات السياسية ويتضائل أمرها حتى تتحول إلى مكاتب دعايات للقاهرين والمستبدين فالتعليم الجامعي أساس حرية التفكير والنقد على وجه الاستقلال لا الحفظ والتصديق لكل ما يقال كذلك التربية الجامعية قوامها عندنا حرية العمل.

ومن رسالة الجامعة أن تقوم البحوث العلمية في العلوم وفي الآداب التي تنتج عندنا كما أنتجت عند غيرنا الزيادة على النظريات العلمية التي هي في تطور الجامعات الأخرى مما له صبغة علمية بحتة ومما له تطبيقات علمية تنفع الناس في أن تسخر لهم قوى الطبيعة ومواردها وليس خافيا أن الجامعة إذ تقوم بهذه الرسالة تحمل عن مصر واجبها من المشاركة العامة في رقي العلوم والمعارف ، ومن رسالة الجامعة تربية شبيبة الأجيال المتعاقبة لتهيئ للبلاد قادتها في جميع مرافقها وقد رأيتم بالحس أن قوة الأمة ومنعتها واحتمالها صنوف المزاحمة على الحياة ليست آخر الأمر إلا نتيجة لتربيتها الجامعية.

ومن رسالة الجامعة نشر الثقافة العلمية والأدبية في جميع طبقات الأمة سواء كان ذلك بإباحة الانتساب إلى المعاهد المختلفة من غير قيد ولا شرط أم بإلقاء المحاضرات العامة في العلوم والآداب والفنون أم بنشر المؤلفات في كل فرع من الفروع.

ومن رسالة الجامعة مساعدة التطور الاجتماعي بكل ما وسعها من ضروب التجديد في الآداب والفنون الجميلة وفي الموسيقى والغناء وكل ما من شأنه ترقية الأمة ، وأخيرا فإن الجامعة هي مصدر إشعاع يشع منه التضامن من النفوس ففي العائلة يولد التضامن وفي المدرسة ينشأ وفي الجامعة يشب ويؤتي كل ثمراته ويضرب المثل الأعلى على التضامن في جميع طبقات الشعب.

ولذلك فإن حركة الجامعة ونهضتها من أشرف ما وجد في هذ1 البلد من النهضات بل هي أكبر فائدة وأعظمها ضمانا للتقدم الحيوي المطلوب ولذلك وجب أن ينظر إليها دائما بعين الرعاية والارتياح وأن تلقى من علماء الأمة كل إقبال ومساعدة.

8ــ تــربــيــة الــبــنــــات :ـــ

كان لطفي السيد من أنصار تحرير المرأة والدفاع عن حقها في التعليم وكان موقفه في تأييد دعوة قاسم امين إلى تحرير المرأة موقفا مميزا وكان لطفي السيد دائم الدعوة لتعليم البنات لأن المرأة الفاضلة أنفع للأمة من الرجل الفاضل أضعافا والتعليم هو الطريق إلى سعادة البيت والأسرة المصرية ولا يمكن للمرأة أن تربي لنا رجالا أحرار وناشئة مستقلة طالما ظلت في عبوديتها فالعبد لا يربي حرا وإنما يربي عبدا مثله ثم إن التعليم يؤدي إلى سعادة العائلة لأن التعليم أوجد شبها عظيما خصوصا إذا كانت طريقة التعليم واحدة فتعالوا بنا إلى المدارس.

وخلوا بين البنات وبين سعادتهن ولا تضيقوا عليهن متع الحياة ولا تكسروا بأيديكم مستقبلهن ولا تعبثوا بسعادتهن اتباعا لهوى الغيرة وخوفا لما لا خوف منه.

ويذكر لطفي السيد في قصة حياته أنه كان من أنصار قبول الفتيات المصريات طالبات بالجامعة لهن ما للطلبة من حقوق وعليهن ما عليهم من واجبات وقد تم قبول الطالبات أعضاء في الأسرة الجامعية في غفلة من المنكرين لاختلاط الشابات باخواتهن في الدرس فقد حدث أن طلب إلى بعض عمداء الكليات في أول سنة لافتتاح جامعة فؤاد أن تقبل البنات الحائزات للبكالوريا فأسررت لهم في ذلك الحين أن هذه المسألة شائكة وأني أشك في رضا الحكومة عنها وعلى ذلك قررنا فيما بيننا أن نقبل البنات الحائزات على البكالوريا من غير أن تثار هذه المسألة في الصحف والخطب حتى نضع الرأي العام والحكومة معا أمام الأمر الواقع وقد نجحنا في ذلك وبعد أن سرنا في هذا النهج عشر سنوات حدث ما كنا نتوقعه فقد قامت ضجة تنكر علينا هذا الاختلاط فلم نأبه لها لأننا على يقين أن التطور الاجتماعي معنا وأن التطور لا غالب له ومعنا العدل الذي يسوى بين الأخ وأخته في أن يحصل كلاهما على أسباب كماله الخاص على السواء ومعنا فوق ذلك منفعة الأمة من تمهيد الأسباب لتكوين العائلة المصرية على وجه يأتلف مع أطماعنا في الارتقاء القومي كل أولئك جعلنا لا نحفل بهذه الضجة التي ما لبثت أن ذهب بها الزمان وهكذا يرجع الفضل في فتح آفاق التعليم الجامعي أمام الفتاه المصرية إلى لطفي السيد فبفضله قبلت البنات في الكليات الجامعية وتخرج أول فوج من الفتيات في عام 1933م ، عندما تخرجت ثلاث فتيات من كلية الآداب وفتاه واحدة من كلية الحقوق.

الـتـعــلـيـق عـلــى الـمــقـال الـثــالـث

1ــالتعليم والتوظف :ــ

إضافة لما قاله لطفي السيد عن تسخير الدولة للتعليم واعتباره مصدرا لصناعة مستخدمين يدور بهم دولاب الحكومة أقول حسب وجهة نظري أن التعليم ــ منذ ثلاثة عقود على الأقل ــ تم تسخيره فقط لصناعة موظفين للدولة المستبدة ، وهؤلاء الموظفون ينفذون برامج محددة لخدمة الحاكم وحاشيته ، ولا مجال هنا لديهم للتفكير في البحث العلمي أو تنمية القدرات الخاصة عند الطلاب ، أو توفير مناخ علمي وتعليمي صحي يُخرج كوادر علمية تقود الأمة للتطور والنهضة العلمية والاقتصادية والثقافية والحداثة بكل صورها ، وأكاد أجزم أن هذا لم يخطر ببال الحاكم المصري منذ عقود ثلاثة مضت على الأقل ، ولكن انصب تركيزه على تخريب الوعي المصري عن طريق مؤسسات التعليم والإعلام ، ولذلك لم تنجح مؤسسات التعليم خلال هذه الفترة إلا في صناعة ملايين من الموظفين أو العاطلين الراغبين في وظائف وأنصاف المتعلمين ، باستثناء فئة قليلة جدا نجحت في تحصيل العلم والثقافة ، وتحول هدف معظم المتعلمين البحث عن وظيفة لدرجة مَرَضِّية أصابت الجميع ، فتحول الطبيب والمدرس والمهندس والعَالِم والقاضي كلهم موظفون كل ما يشغلهم تنفيذ لوائح وقواعد العمل الجامدة العقيمة التي لا تبعث على الابداع أو التفكير أو الاجتهاد للإتيان بجديد ، وتجبرهم على الالتزام بقوانين العمل الجامدة ، فتحول المجتمع إلى مجتمع البحث عن وظائف بصرف النظر عن أهلية كل موظف لمهام وظيفته حتى لو حصل على شهادة بدرجة مقبول جدا وبالواسطة والمحسوبية والفساد الإداري والظلم يمكن تعيينه وكيل نيابة ويطلب منه أن يحكم بين الناس بالعدل ، فهذه هي سياسة النظام الفاسد المستبد حيث حـوّل المسار الطبيعي للحياة في المجتمع حسب شهواته ونزواته وأطماعه الخاصة فتحولت مؤسسات التعليم من خدمة الوطن وتخريج علماء وباحثين في كل المجالات إلى مؤسسات لصناعة (مستخدمين) لخدمة السلطان المستبد في كل مؤسسات الدولة بلا استثناء.

ولا يمكن إطلاقا أن ننتظر من حاكم مستبد يفكر بهذا الأسلوب الإجرامي أن ينظر بعين الرأفة لتنمية الحس والوجدان والمشاعر وتهذيب النفس والارتقاء بها في مؤسسات التعليم لأن هدفه المنشود خلق أجيال نصفها مشوه فكريا والنصف الآخر يحظى بأقل درجات التعليم ليحصل على وظيفة حكومية ، وينغمس في دولاب العمل الحكومي ، وهذه السياسة الفاسدة أفسدت الذوق العام عند معظم المصريين وظهر ذلك جليا في الذوق الفني وتذوق الموسيقى والغناء.

2ــالاستظهار :ــ

في الحقيقة لدي استفسار أريد له إجابة رغم موافقتي أن أسلوب الكتاتيب في التعليم أسلوب خاطئ لأنه كان يعتمد على التلقين من طرف والحفظ والسمع والطاعة من طرف ثان وكان يعتمد على الضرب والشدة والعنف مع المتعلمين الأطفال ، لكن رغم ذلك فقد نجحت الكتاتيب في تعليم رموز مصرية منهم أحمد لطفي السيد نفسه ، وطه حسين ومحمد عبده ورفاعه الطهطاوي وعشرات آخرون تعلموا وتربوا في طفولتهم في الكتاتيب المصرية قبيل الالتحاق بالمدراس الإلزامية أو الأزهر ، لكنهم برعوا ولم يتأثروا بأسلوب الحفظ والتلقين ولم يتأثروا بالشدة والعنف في التعليم وهذه مسألة تحتاج لدراسة مستقلة ، وفيما يبدو أن سبب هذا النجاح لهذه القلة يعتمد على ظاهرة الفروق الفردية بين المتعلمين وأن هؤلاء كانوا يرغبون ويحبون العلم بدرجة كبيرة ، وهذا بالطبع لا يعني أنني أؤيد الضرب أو الشدة أو أسلوب التلقين والحفظ في التعليم ، لكنه مجرد استفسار مطروح للنقاش.

3ــ التعليم للجميع :ــ

في عهد لطفي السيد كان أبناء الطبقة العليا يحظون بالتعليم دون غيرهم من أبناء الفلاحين أو الطبقة الفقيرة التي تعمل وتكد وتتعب لتصنع الأمن الغذائي لهذا البلد (مصر) باعتبارها بلدا زراعيا ، وكان أبناء الطبقات العليا يغضبون ويرفضون انخراط الفقراء وأبناء الفلاحين في التعليم حتى لا تتساوى الرؤوس ، وساهم في هذا الفقر الشديد والإقطاع والاستبداد فخوف الأثرياء من تعليم الفقراء لأنهم سيفقدون الأيدي العاملة التي تزرع لهم أراضيهم وتقوم بخدمتهم ، وهو نفس المبدأ الذي سار عليه المستبد العسكري فيما بعد حين فتح مؤسسات للتعليم لصناعة مستخدمين لكن الفارق الوحيد أنهم أصحاب شهادات ورقية ليس أكثر ، والتحول الغريب في العقود الثلاثة الماضية أن أبناء الطبقة الفقيرة تفوقوا وتخطوا بمراحل أبناء طبقة الأثرياء فتخرج القضاة والأطباء والمهندسون والمحامون والضباط والوزراء ، وأصبح التنافس شديدا بينهما لدرجة رجحت كفة أبناء الفقراء في التفوق العلمي ، وفي عصرنا التعيس ظهرت مؤسسات تعليمية خاصة تبيع الشهادات ، وهذه إحدى مصائب التعليم في مصر حين يشتري كل فاشل وكل راسب شهادة لأنه يملك المال ، ليس هذا فحسب فرغم فشله علميا ومعرفيا ودراسيا إلا أن المال منحه الفرصة لشراء شهادة جامعية يسرق بها وظيفة يحلم بها مواطن فقير مجتهد أحق منه وأكفأ.

ولا أجد اختلافا كبيرا بين خوف الأثرياء في عهد لطفي السيد من انتشار العلم والثقافة بين الفلاحين والفقراء والبسطاء ، وبين سياسة مبارك الفاسدة التي كان كل همه تخريب الوعي المصري وتجريف العقول وتخريب مؤسسات التعليم لتغييب الشعب كله ، وبعد كل هذا يناقش الاخوان مسألة العفو عنه في برلمان ما بعد الثورة.

4ـــ الامتحانات :ــ

اقتصر نقد لطفي السيد لنظام الامتحانات في أنها أصبحت وسيلة للحصول على شهادات ، ويتم تحصيل العلوم لنفس الغرض دون أي اهتمام يذكر بتربية الشعور وتثقيف العقول ، ورغم اتفاقي معه في هذا إلا أن المشكلة في عصرنا ازدادت سوء ، ففي السابق وفي عهد لطفي السيد كانت الامتحانات وسيلة للنجاح والحصول على شهادات دون تربية وتثقيف للمتعلمين ، لكن اليوم أخذت الامتحانات الصبغة الفاسدة للنظام السياسي الحاكم بحيث يحاول معظم المتعلمين أن يجتاز أي امتحان مهما خالف القوانين والأعراف والمبادئ والقيم والأخلاق ، لدرجة أن طلاب الأزهر يمزقون صفحات المصحف لكي يجتازوا امتحان القرآن الكريم في الجامعة ، وهذا ما شاهدته بأم عيني في كلية التربية بالأزهر ، ومن وجهة نظري أرى أن هذا الأمر لا ينفصل عن العقيدة الراسخة عند معظم المسلمين التي تجعلهم واثقون أنهم سيدخلون الجنة في الآخرة مهما ارتكبوا من سيئات وكبائر بفضل الشفاعة ، فإذا كانت نظرتهم لأصعب امتحان سيدخلونه بهذا المستوى فهل يمكن أن ننتظر منهم أن يحترموا امتحانات دنيوية في مؤسسات التعليم.؟ ، فلابد من تغيير هذه العقيدة وتحل محلها عقيدة من يعمل سوء يجز به وكل نفس بما كسبت رهينة ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وهذه هي بداية الإصلاح الحقيقي في مؤسسات التعليم وباقي مؤسسات الدولة.

وانعكس الفساد السياسي المتفشي في المجتمع في مؤسسات التعليم وتحول التعليم إلى تجارة بفضل غياب الرقابة المقصود والمتعمد من الدولة ، مثل حالة الفارغ الأمني الحالية ، وانتشار مافيا الدروس الخصوصية ، وأصبح التعليم اليوم في قاعات الدروس الخصوصية لدرجة أن معظم الدارسين ينظرون نظرة سخرية لمؤسسات التعليم الحكومية ولا يهتمون بالحضور طوال العام ، رغم أن المدرسين هنا وهناك لم يتغيروا ، ولكن المتغير الوحيد هو الضمير الإنساني للمدرس ، فقد أصيب معظم المدرسين بانفصام في الشخصية ، وسبب أصيل في هذا فساد النظم السياسية الحاكمة ، الذي صاحبه اهتمام المجتمع بالتدين الظاهري الشكلي.

فلا مجال هنا للحديث عن تثقيف العقول أو تربية القلوب فلغة المادة تسيطر على العلاقة بين الجميع ويعلو صوتها وقد ساهم ذلك في انهيار صورة المعلم منذ بدأ يمد يده لأخذ أجرة عمله من تلميذه ، وأقدم رأيي الشخصي في هذه المسألة لو اضطر مدرس لإعطاء دروس خصوصية فلابد أن يؤدي واجبه في عمله أولا ، يجعل تعامله المادي مع اولياء الأمور ولا شأن ولا تدخل للطالب في هذا مطلقا ولا يقبل أن يمد يده ليأخذ منه أجرة الدرس.

5ـــ الـتـعـلـيـم والـســلام العـالـمـي :ــ

رغم اتفاقي الجزئي مع لطفي السيد أن النظم الديكتاتورية هي سبب ما نحن فيه الآن من سلبيات في الشخصية المصرية ، فقد خلقت مواطن أناني يبحث عن تحقيق مصالحه الشخصية مهما كان الثمن حتى لو ظلم غيره وسرق حقوقه واعتدى عليه ، فقدساهم هذا النظام السياسي الفاسد في خلق جو من العداء والخوف والتخوين بين أبناء الوطن الواحد ، لكن هنا لا يجب أن ننكر أن التدين الذي سيطر منذ ثمانية عقود كان له تأثير كبير جدا لا يقل أهمية عن تأثير النظام السياسي الفاسد في صناعة هذا المواطن بهذه الصفات السيئة والأخلاق المتواضعة ، ولا يمكن أبدا أن يكون هناك علاقة بين التدين الوهابي المسيطر في مصر وبين السلام العالمي فقد تربى قطاع كبير من المصريين على أن كل من يخالفهم في الرأي الديني أو الدين والعقيدة كافر ومرتد ويجب قتله إذن السلام الوطني لن يتحقق في وجود هذا البلاء المسمى التدين السني الوهابي الذي يدعو لقتل الآخر لمجرد الاختلاف في وجهة النظر في إحدى قضايا الدين والعقيدة ، ولا يستطيع مصري أن ينكر أن الوهابية اخترقت جميع مؤسسات التعليم وسيطرت عليها وجيشت ملايين الأطفال والشباب والموظفين وتم القضاء على مبادئ حرية الرأي والفكر والمعتقد وحلّ محلها مبدأ واحد هو (السمع والطاعة في المنشط والمكره) ، وهنا مكمن الخطورة على مصر وعلى أمنها القومي وأمنها العالمي ، ولذلك كتبنا هذا الكلام حرصا على مستقبل مصر ، وفي ظل هذه الثقافة ليس من المنطق أبدا أن تطلب من إنسان يُكفر كل من يخالفه الرأي أن يقوم بواجبات تجاه إنسان آخر ، لكن الأهم أولا أن نصلح فكره وفهمه للدين ونبين له حقوقه وواجباته وحدود هذه الحقوق والواجبات.

6ــ الـلـغـــــة الــعــــربـيــــة :ــــ

اتفق مع لطفي السيد في مطالبته بتجديد أنماط وأساليب أنمااللغة العربية ، واعتبرها هي المشكلة ، و من وجهة نظري التي تقبل الخطأ أن السبب في استخدام بعض الألفاظ القديمة قد يرجع لسببين:ـ الأول:ـ الاحتلال وما تركه من ثقافة في المجتمع مثل بعض الألفاظ التركية التي لازال يستخدمها المصريون إلى الآن مثل(أجزخانة وعربجي وبلطجي وغيرها من الألفاظ) السبب الثاني:ـ المناهج التعليمية الأزهرية التي كانت تستخدم بعض المفردات الغريبة ولا زالت موجودة في كتب الفقه والحديث والتفسير مثل (قُـلّة أو قلتين وهي خمسمائة رطل بغدادي تقريبا) وهي كلمات تعرب عن حجم معين من الماء وأعتقد أن معظم الدارسين لا يعرفون معنى قلة ولا رطل ولا بغدادي.

والأمر الذي يدعو للشفقة والحزن والأسى والحسرة على الثقافة المصرية الحالية مقارنة بسيطة جدا بين عصر لطفي السيد وبين عصرنا البائس بعد أن سيطر الفكر الوهابي على العقول والقلوب ، عندما فكّر لطفي السيد في تجديد وتعديل مناهج اللغة العربية بعد تعيينه وزيرا للمعارف استعان بــ (طه حسين ، علي امين ، الشاعر علي الجارم) ، لكن في عصرنا التعيس أصبح طه حسين متهما بالكفر ولا أجد سببا آخر في هذه الردة الفكرية والثقافية إلا انتشار الوهابية ، ولذلك لابد أن يستيقظ الشعب المصري سريعا ويتخلص من هذا الوباء والمرض اللعين.

7ــ الجـامـعـــة الـمـصـــريـة:ــ

اتفق تماما في وجهة نظر لطفي السيد في كل ما تفضل به وكل ما قاله عن الجامعة المصرية ، لأن الجامعة هي الوسيلة التي تساهم في تنمية الفكر والعقل والوجدان وتساعد الشباب على الإبداع والانطلاق في كل المجالات ، والحرية الفكرية والعلمية وتوفير المناخ المناسب هو السبيل لخلق أجيال تقود الأمة بفكرها وإبداعها الغير محدود بدلا من الانبطاح أمام فكر رجعي يجعل الأستاذ الجامعي إلاها ، مثله مثل مدرس الاعدادي والثانوي ، وهنا تكتمل عملية قتل إبداع الشباب ، وكل هذا لا ينفصل أبدا عن الفكر الديني المسيطر والمنتشر في مصر الذي يُحرم النقاش والخلاف والاختلاف مع المعلم وإمام المسجد وعامة المجتمع ، ويحرم الخروج على الحاكم والإمام أو ولي الأمر كما نادى السلفيون والاخوان في أيام الثورة الأولى ، وكذلك يُحرم التعبير عن أي وجهة نظر مخالفه للجماعة ويؤكد هذا أحاديث مزيفة نسبوها زورا لخاتم النبيين تتهم كل من يخرج عن فكر الجماعة (الأمة) بأنه كافر ويحل قتله ، وبمرور الوقت أصبحت توابع ومؤثرات هذه الثقافة هي السائدة والحاكمة لكل قضايا الحياة اليومية في العلم والدين والسياسة وحتى كرة القدم ، فعندما يتفق مجموعة على رأي معين ويبدي أحدهم رأيا مغايرا يغضبون منه ويثورون عليه رافضين رأيه بشدة ورافضين اختلافه معهم ، وتوارثت هذه الثقافة وأثرت في جميع مؤسسات الدولة وفي جميع مناحي الحياة ، وقتلت لغة الحوار وتعدد الآراء واحترام وجهات نظر الآخرين حتى لو كانت صحيحة.

8ــ تـربـيـــة الـبـنـــات :ــ

لا يمكن أن يختلف إنسان عاقل مع لطفي السيد في وجهة نظره وموقفه واهتمامه بتعليم البنات ، ومطالبته بحقوقهن مثل الأولاد على السواء ، اتفق معه تماما لأن المرأة نصف المجتمع ، بل أكثر من هذا فعلا إن تعليم البنات أنفع للأمة كما تفضل لأن المرأة تصبح أُمّا ومسئولة عن تربية أسرة كاملة ، وحسب تربيتها وثقافتها ومجالها المعرفي سينشأ الأبناء الذين سيساهمون في تشكيل ملامح الثقافة العامة في الدولة ، ولذلك تعاون المستبد العربي العسكري مع المستبد الديني ضد المرأة وحولوها إلى وسيلة للمتعة والإنجاب وحرموها من معظم حقوقها التي منحها ربنا جل وعلا للذكر والأنثى ، وتم تعليب معظم البنات داخل النقاب ووضعهم في مستوى علمي محدود جدا بسبب انتشار مدارس التعليم الفني التي لا يزيد مستواها كثيرا عن شهادات محو الأمية للمتخرجين منها ، ومعظم خريجي هذه المدارس الفنية من البنات اللاتي سرعان ما يتزوجن وينجبن أبناء وبنات ، وبكل أسف وأسى يسهل مع هذه العقلية التي لم تحظى بأقل قدر من العلم والثقافة والمعرفة أن تفرق بين الصواب والخطأ ويسهل تحويلها لأمِ مثالية لتربية أطفالها على الوهابية ، ويرجع الفضل في هذا لعشرات الفضائيات التي تدعو للوهابية ليل نهار ، وهذه الفضائيات تمثل الدين من وجهة نظر شريحة كبيرة من المصريين ، ومعظمهم من الأميين وأنصاف المتعلمين ، وبمجرد أن ينشأ الطفل ويجد هذه القنوات مفتوحة ليلا ونهارا في البيت يتلقى منها دروس الكُـرْه (من الكراهية) والبغض والحقد وتكفير الآخرين وتقديس رجال الدين ، كما يتلقى الجمود والجهل والانبطاح والسمع والطاعة فيتحول هذا الطفل في المستقبل إلى حمار ، وهذه ليست سبة ، لأن ربنا جل وعلا يصف من يحمل القرآن أو يحمل كتب العلم النافع ولا يقدره ولا يقدر ما فيها بأنه مثل الحمار الذي يحمل الأسفار.

وإلى اللقاء في المقال الرابع ...

الخميس، 16 فبراير 2012

ضحايا بورسعيد بين الوهابية والكرة الأوروبية

ضحايا بورسعيد بين الوهابية والكرة الأوروبية

كمواطن مصري يرى ويشاهد بعين ثاقبة كل ما يدور في مصر منذ اندلاع ثورة يناير العظيمة أستطيع القول أن فاجعة أو موقعة بورسعيد قد حققت أهدافها التي يبحث عنها من خططوا وأنفقوا على هذه الجريمة الغير إنسانية والتي لا تمت للشرف بأي صلة ، فكلما دخلت البلاد في مرحلة من الهدوء النسبي وحالة يمكن وصفها بالاستقرار ، وكلما اشتدت الثورة وعادت من جديد وأظهرت الثورة المصرية أنها حية ولا زالت تنبض في عروق شباب مصر وشعبها ، وكلما توافقت القوى السياسية واجتمعت على رأي واحد وهدف واحد ومطلب واحد هو القصاص من القتلة ونقل المخلوع لطره والمطالبة بصورة رسمية جادة باسترداد الأموال المهربة ومحاسبة من تواطئوا في إخفاء أموال مبارك داخل مصر ، والمطالبة بالقبض على سوزان مبارك ، والمطالبة بمحاكمة مبارك وعصابته محاكمة استثنائية ، وبعدما بدأ البرلمان يعبر عن نفسه وبدأ بعض أعضاءه يستدعون رئيس الوزراء ووزير الداخلية ، وكلها خطوات مؤثرة وإجراءات قد تحقق العدالة النسبية وترجع الحقوق لأصحابها وتعاقب المجرمين والقتلة والسارقين ، فيكون رد الفعل من الثورة المضادة أكثر إجراما وبشاعة ، وتكرر هذا الرد في جرائم متتالية بداية من موقعة الجمل ومرورا بأحداث مسرح البالون والعباسية وكنيسة امبابة ومسابيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء ، وفاجعة بورسعيد التي تحولت لأحداث انتقامية واضحة في شوارع محمد محمود مرة أخرى وشارع الفلكي وشارع منصور وبعض الشوارع المؤدية لوزارة الداخلية وميدان التحرير ، وكل ما يحدث مقصود ومخطط وليس صدفة ، والغرض منه الانتقام من الشعب المصري وتأديبه وتلقينه درسا لأنه نجح في تنظيم مثل هذه الثورة العظيمة ، إذن هناك عملية انتقام واضحة من الشعب المصري وتأديبه ومعاقبته على الثورة التي أطاحت بالمخلوع ولم تسقط النظام الفاسد الذي كان يرأسه بما فيه المجلس العسكري ووزارة الداخلية وأمن الدولة فكلهم رجال مبارك ولابد أن نعلم جميعا يستحيل وأكرر يستحيل أن يوافق هؤلاء أن يُحَاكَمْ رئيسهم وربهم الأعلى مبارك فهم شركاء في كل شيء هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وهي الأهم إذا كان مبارك والعادلي بسبب موقعة الجمل وحدها تم القبض عليهما ومحاكمتهما ، فما هو الإجراء القانوني مع من يقوم مقام رئيس الدولة حين يحدث في فترة إدارته للبلاد كل هذه الأحداث.؟ إذن محاكمة مبارك والعادلي على موقعة الجمل وما حدث من قتل وجرائم خلال ثمانية عشر يوما فقط ، وصدور حكم قضائي عادل ضدهم بالإعدام أو السجن المؤبد بحكم المسئولية السياسية الكاملة عن كل ما حدث ، فهذا معناه أن المجلس العسكري خلال عام مسئول عن أضعاف أضعاف ما حدث في ثمانية عشر يوما بحكم المسئولية السياسية أيضا.

أقول هذا الكلام ومعي دليل يثبت النية الانتقامية لدي أجهزة الأمن (يوم الخميس الموافق 2/2/2012م حاول المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق ومعه مجموعة من الشخصيات الوطنية أن يذهبوا للمسئولين في وزارة الداخلية للاتفاق على هدنة ووقف المواجهات وبالفعل ذهبوا عن طريق شارع محمد محمود ، وفي منتصف الطريق وقبل أن يصلوا لمبنى وزارة الداخلية انهالت عليهم القنابل المسيلة للدموع فسقط المستشار مغشيا عليه ودخل في حالة إغماء هو والدكتور محمد حشمت ، ولولا إسراع الشباب ونقلهم من المكان لفارقا الحياة ، هذا الموقف حدث بعد أن قام أحد القيادات في وزارة الداخلية بالاتصال بهم وعرض عليهم مسألة الهدنة ، واتفقوا على الجلوس معا للوصول إلى هدنة ووقف الاشتباكات ، وتكرر هذا عدة مرات مع شخصيات أخرى منها الشيخ مظهر شاهين خطيب مسجد عمر مكرم وتكرر نفس رد الفعل من أفراد الداخلية.

الدليل على هذا الرابط

!http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=bPfMICPuioU#!

إذن أحداث بورسعيد حققت أهدافها المنشودة التي يرديها أعداء الثورة ، لأن هذه الأحداث صنعت مادة جديدة للنقاش والحوار والجدال بين جميع القوى السياسية وجميع فئات الشعب المصري ، كذلك صنعت خلافات لا حصر لها وتباين في تقييم ونظرة كل فرد وكل جهة وكل فصيل للجريمة ولكيفية التعامل معها وإيجاد حلول لها ، كذلك حولت عقل وفكر الجميع إلى اتجاه واحد هو البحث عن القتلة والجناة الجدد ومحاكمتهم ــ تماما كما حدث في الجرائم السابقة ، والهدف بالطبع نسيان وترك المحاكمات الأساسية وسقوطها من الذاكرة.

ملحوظة: من باب العلم بالشيء يقال بعد شهرين أن مبارك سيكمل 85 سنة ويقال أيضا أن المتهم في هذا السن لا يجوز قانونا أن يحكم عليه بالإعدام ، فإذا كان هذا الكلام صحيحا حسب القانون؟ ، إذن مسرحية المحاكمات خلال العام الماضي كان هدفها أن يكمل مبارك سن الهروب من الإعدام.؟.

رغم كل هذا لا أجد في كل ردود الأفعال هذه أغرب من رد الفعل الذي أعلنه الأستاذ /خالد عبد الله /الداعية الوهابي بقناة الناس ، وكذلك ما قالته الدكتورة /عبلة الكحلاوي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ، فكلاهما انشغل بأمر غاية في الخطورة والحساسية والغرابة ، فقد صرحا معا بأن من ماتوا في أحداث بورسعيد ليسوا شهداء ، وقد أضاف خالد عبد الله على هذه الكلمات قائلا لشهداء أحداث بورسعيد لما ربنا يسألكم كنتوا فين هاتقولوله كنا في ماتش كورة.

وهنا لابد أن نسأل الدكتورة عبلة والشيخ خالد هل هذا الكلام يليق أن يقال في مثل هذا الموقف.؟ دون أي تقدير لمشاعر أسر الضحايا ، وهل المطلوب الآن هو تحديد مصير الضحايا وهل هم شهداء أو غير شهداء.؟ ، وبدلا من إدانة الحادث والبحث عن الجناة والقتلة والمطالبة بمحاكمتهم والقصاص للضحايا فورا تحقيقا للعدل القرآني ، لا ـ فقد تجاهلوا كل هذا وانشغلوا بمصير هؤلاء الشهداء في الآخرة وهل هم شهداء.؟ أو غير شهداء ، لأنهم كانوا يشاهدون مباراة كرة قدم ، وهذه الأمور ليس من حق الإنسان أن يتحدث فيها أو يتقول على الله فيها فهو وحده يعلم الغيب ويحكم بالعدل ولا يظلم أحدا ويحكم ولا معقب لحكمه.

السؤال هنا : هل هذه الفتوى من الدكتورة عبلة والشيخ خالد هدفها سياسي أو ديني.؟ بمعنى: هل يريدون تقليل عدد الشهداء حتى لا تدفع لهم الدولة تعويضات.؟ أو يقولون هذا عن قناعة دينية وعقيدة راسخة.؟.

رغم رد الفعل الغريب جدا من أستاذة بالأزهر ، وشيخ سلفي وهابي إلا أن لاعبي الكرة في أوروبا أظهروا أنهم أرقى بكثير من الفكر الوهابي وأنصاره وذلك حين وقف فريق برشلونة الاسباني دقيقة حداد احتراما لضحايا بورسعيد ، وكان أحد المشجعين يرفع علم مصر ، هذا هو الفارق بين الفكر الوهابي الذي يحاول أن يضع نفسه مكان الله جل وعلا وبين السلوك الإنساني الحضاري الأخلاقي الذي يمكن أن يصدر عن أي إنسان بفطرته السليمة الغير ملوثة ـ حتى لو كان لا يعرف أي شيء عن تعاليم الإسلام الحقيقي في القرآن الكريم الذي يدعو إلى الحب والتسامح والمودة والعدل وحقوق الإنسان وقول الحق والدفاع عن الضعفاء والمظلومين في كل مكان بدلا من التدخل في مصائرهم والتقول على الله ما ليس لنا به علم.

الفيديو على هذا الرابط

http://www.youtube.com/watch?v=Eapn73jVWuw&feature=related

الاثنين، 13 فبراير 2012

رؤية في تحـديث التعـليم المصري ... المقال الثاني


المقال الثاني :

الفصل الأول

أحمد لطفي السيد

فكره التربوي ــ دوره في التعليم

"إن طريقة التعليم التي تقوم على التلقين لا تنمي من الملكات إلا ملكة الحافظة أو ملكة التقليد أما الملكة المفكرة ملكة الإبداع والاختراع ملكة الإدراك والتفكير ملكة الذوق السليم ملكة العالم والكاتب والسياسي والفيلسوف فلا مجال لها في التعليم الذي يقف عند حد قل المعلومات والاعتماد على المحفوظات"

أحمد لطفي السيد

**********


1ــ ولد أحمد لطفي السيد في قرية برقين من أعمال مركز السنبلاوين بمدرية الدقهلية في 15 يناير 1872م وكان والده السيد(باشا) أبوعلي من كبار ملاك الأراضي الزراعية وعمدة للبلدة ، والتحق أحمد لطفي بكُتّـاب القرية حيث حفظ القرآن ثم التحق في عام 1882م بمدرسة المنصورة الابتدائية وكان التعليم فيها آنذاك ذا صبغة عسكرية قاسية وكان الضرب والحبس في الزنزانة من أنواع العقاب الشائعة في المدارس آنذاك كما كانت روح الجندية هي السائدة على نظام المدارس ثم التحق في عام 1885م بالمدرسة الخديوية التجهيزية (الثانوية) بالقاهرة وحصل على شهادة البكالوريا (إتمام الدراسة الثانوي) في عام 1889م.

ثم التحق بمدرسة الحقوق وأخذ اهتمامه بالسياسة يظهر في مدرسة الحقوق حتى حصل على ليسانس الحقوق عام 1894م حيث عُيّـن في سلك النيابة وزاد اهتمامه بالسياسة واتصل بمصطفى كامل والخديوي عباس حلمي الثاني الذي دفعه إلى السفر إلى سويسرا وقضاء سنة فيها لاكتساب جنسيتها ليتمتع بالامتيازات الاجنبية فتساعده في مقاومة الاحتلال البريطاني والاشتغال بالحركة الوطنية وقضى في جنيف عاما درس فيه بعض العلوم الفلسفية.

ولما عاد قدّم تقريرا إلى الخديوي عباس في عام 1897م بخطته السياسية التي توصل إليها والتي مؤداها أن مصر لا يمكن أن تستقل إلا بجهود ابنائها وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بأن يرأس الخديوي حركة شاملة للتعليم.

وعاد لطفي السيد إلى ممارسة عمله في النيابة حتى استقال في عام 1905م حيث اشتغل لفترة قصيرة بالمحاماة ثم انصرف في عام 1907م إلى الاشتغال بالصحافة والسياسة فاشترك في تأسيس حزب الأمة ورأس تحرير صحيفة الجريدة واستمر على ذلك لثمان سنوات حتى اعتزل الصحافة والسياسة وعاد للاشتغال بالوظائف العامة فعُـيّـن في عام 1915م رئيسا لنيابة بني سويف ثم مديرا لدار الكتب المصرية حيث ترجم عددا من المؤلفات الفلسفية لأرسطو ثم استقال من الوظائف العمومية في نوفمبر 1918م ليشترك في تأليف الوفد المصري ويسهم بدور سياسي في احداث الثورة المصرية(1919 / 1922) ثم عاد في عام 1922م إلى وظيفة كمدير لدار الكتب المصرية كما تولى وكالة مجلس إدارة الجامعة المصرية الأهلية حتى إذا ما تحولت الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية عام 1925م ، ترك لطفي السيد دار الكتب وتفرغ مديرا للجامعة المصرية.

2ــ وفي يونيه 1928م تولى أحمد لطفي السيد وزارة المعارف في وزارة محمد محمود فشغل المنصب لمدة 15 شهرا عندما استقالت وزارة في أكتوبر 1929م وعاد بعدها لطفي السيد مديرا للجامعة فيما بين (1930/ 1932) ثم استقال ليعود إليها مرة أخرى فيما بين (1935 / 1937) ثم شغل عـدة مناصب وزارية إلى أن عاد مديرا للجامعة فيما بين (1938/ 1941) عندما تركها لينضم إلى عضوية مجلس الشيوخ ثم تولى رياسة مجمع اللغة العربية فيما بين 1944 وحتى وفاته في عام 1962م.

فِـكْـــرُه الـسـيـاســي:

كان لطفي السيد ينتمي إلى ذلك الفريق من المصريين الذين رأوا في الحضارة الأوربية الحديثة طريق الخلاص لمصر من إسار تخلفها وتأخرها ولذلك دعى هذا الفريق إلى تحديث مصر وفقا لنموذج الحضارة الأوروبية الحديثة ، وكان لطفي السيد يدعو إلى إحلال العقلية الأوروبية محل العقلية الغيبية التي تميزت بها الحضارة العربية الإسلامية وتبنى لطفي السيد النموذج الحضاري الغربي في تحديث وتمدين المجتمع المصري.

ــ وكان لطفي السيد ينظر للحضارة الغربية بشقيها المادي والثقافي كـكـل واحد مـتكـامل ومن ثم اعتبر أن التقدم العلمي الصناعي الذي أحرزته أوروبا لا يمكن فصله عن القيم الثقافية والفكرية التي كانت بمثابة قاعدته وأساسه ومن ثَـمّ فإنه من غير الممكن اقتباس الانجازات المادية دون أن تأخذ معها الأسس الثقافية والفكرية التي تصاحبها والقيم التي تقوم عليها وتنطلق منها ، ولذلك دعى لطفي السيد إلى نقل المؤسسات والأفكار الغربية إلى مصر وإحداث عملية تحول شاملة تصل إلى جذور المجتمع وأعماقه وتمس كل جوانبه وأبنيته الاجتماعية لكن دون أن يعني ذلك رفض الدين بالضرورة فليس هناك ما يمنع من أن يظل الدين أساسا للعلاقة بين الإنسان وربه وأن يظل أحد مصادر الثقافة الوطنية للمجتمع.

ودعى لطفي السيد إلى تطبيق العلم والثقافة الأوروبية الحديثة على المجتمع المصري واعتنق المفهوم الأوروبي العلماني الخاص بالدولة القومية فدعى إلى القومية المصرية لتحل محل الخلافة الإسلامية ونادى بفصل الدين عن السياسة ونظام الحكم واعتنق لطفي السيد المبادئ الليبرالية ونادى بالديمقراطية النيابية كتعبير عن سيادة الإرادة العامة للأمة كما دعى إلى تنظيم الصناعة الحديثة واقتباس الروح العلمي الكامن وراءها واستهوته الثقافة الغربية وأخذ بالمنهج النقدي السائد في الفكر الأوروبي وأعجب لطفي السيد بأوروبا وليبراليتها ونظمها الديمقراطية وروحها الإنسانية وتساوى الناس فيها ورأى أن الحضارة الغربية تستـند إلى قيم روحية عميقة وآمن بضرورة اتخاذ المجـتمع الأوروبي مثلا يحتذى.

فِــكْــرُه الـتــربـــوي:

3ــ التعليم والاستقلال الوطني :ــ أدرك لطفي السيد أهمية التربية والتعليم للنهوض بالأمة وتحقيق استقلالها ولذلك دعى مواطنيه إلى أن يصرفوا أفكارهم وهمهم كلية لأقرب وسائل التربية والتعليم وأوفرها نتيجة وأكثرها ملاءمة للغرض المقصود وهاجم الذين يشككون في فوائد التربية والتعليم واتهمهم بأنهم يحاربون الحق الواضح والعلم الصحيح ويحاربون وطنهم واستقلالهم المنشود وما كانت حجة هؤلاء في القول بأن نتيجة التربية بعيدة الأثر إلا حجة واهية فعليهم أن يقربوها بنشر التربية وأحكامها فإن الطريق الطويل هو أقرب الطرق متى كان هو الموصل الوحيد ، وأكد لطفي السيد باستمرار على أن التعليم هو السبيل إلى الحكم الذاتي وناشد المصرين قائلا إن أردتم الاستقلال فحولوا ألسنتكم وأقلامكم وشيئا من قوامكم وقليلا من أمواكم إلى التربية والتعليم فإنها السبب الوحيد للاستقلال ولا شيء غيرها.

فلسلفته التربوية :ــ حدد لطفي السيد فلسفته التربوية في عدد من المقالات يمكن أن تستخلص منها المعالم الرئيسية لفلسفته التربوية في المبادئ التالية:ــ

المبدأ الأول:ــ هو أن الطفل نتاج بيئته فالطفل في ملكاته واستعداده هو نتيجة لمقدمات وقواعد من الوراثة الجنسية لا يستهان بأثرها في تكوين ميوله وملكاته كما أنه في نفس الوقت خاضع في حاضره ومستقبله لقوانين الارتقاء العام تطور وتغير من ماهيته المعنوية كما تغير من صورته الحياتية وتطبع في نفسه مشاعر خاصة من العائلة التي ينشأ منها والبيئة التي تحيط به.

المبدأ الثاني :ــ هو اختلاف مذاهب التربية ونظرياتها فوسائلنا لإدراك الحقائق والتعليم ليست إلا حواسنا غير الكاملة والمتغيرة في كل لحظة ومن ثم فالتربية علم متغير ليس له قوانين جامدة بل تختلف فيه النظريات وتتنوع الآراء فهناك من يغلب العقل والعلوم المادية وهناك من يغلب الروح والعلوم اللـدنية ومن العسف أن نضع قاعدة واحدة بشكل قطعي لأمزجة مختلفة ولابد أن نختار من المذاهب المختلفة أكثرها موافقة لحالنا وأدناها إلى تحقيق المثل الأعلى للرجل في خيالنا المصري.

المبدأ الثالث:ــ هو اختلاف البيئة التي ينشأ فيها الطفل فكما يختلف علماء التربية في نظرياتهم يختلف الآباء أيضا في طريقة تربية أطفالهم فكل أب يربي ابنه على ما يعتقد من الآراء والمذاهب ولذلك فلابد من التوفيق دائما بين المذاهب التعليمية وبين ما يجري للأطفال في بيوت آبائهم.

المبدأ الرابع:ــ هو اختلاف المثل الأعلى الذي نتوخاه من التربية فهناك من يرى أن الناس ولدوا متساويين في الملكات العقلية وفي الحالة الأخلاقية لكن الظروف التي تحيط بهم في المهد وفي الطفولة وفي التربية بمعناها الأوسع هي التي تفسر ما بينهم من الفروق في العمل وهناك من يرى أن قانون الوراثة وقانون النشوء والارتقاء هو الأكثر شيوعا وتأثيرا ويترتب على ذلك اختلاف في التربية فهل تكون مقاصد التربية توسيع دائرة المشابهات بين أفراد الأمة وتضييق دائرة الفروق حتى يسهل بينهم الاتفاق على أمهات المسائل وتتأكد بذلك روابط التضامن من بينهم أم الأولى اعتبار هذه الطريقة معيبة بجمعها بين المستعد للنبوغ وغير المستعد وليس لأمة أن تستغني بمعتليها العاديين عن علمائها النابغين.

المبدأ الخامس:ــ أن نَمَـط التربية يتغير من جيل لآخر بتغير المذاهب الفلسفية ولذلك يجوز لنا القول بأن التربية قد مرّت بالأطوار الثلاثة التي مرّت بها المعلومات الإنسانية فالمعلومات الإنسانية كانت لا صوتية في أول أمرها ثم تطورت فصارت ميتافيزيقية ثم تطورت فصارت علمية وهو ذاته ما حدث في التربية فكان المثل الأعلى في بادئ الأمر هو الزهاد المفسرين لكل الظواهر الطبيعية والعقائد اللاهوتية ثم انتقلت إلى تحكم الأقيسة العقلية ثم انتقلت إلى تحكيم العلم ونحن في مصر بحكم أننا تلاميذ أوروبا في كل شيء يجب علينا أن نتفهم كليات هذه المذاهب للتربية حتى نستطيع الأخذ بأيها يلائم عقائدنا والمثل الأعلى الذي نبغـيه ، لذلك يلخص الباحثون إلى أن الفلسفة التربوية للطفي السيد يمكن تلخيصها في ثلاث قواعد رئيسية :ــ

القاعدة الأولى: ان الإنسان خيّر بطبعه كما قال جان جاك رسو وأنه قابل للتربية والتهذيب ، وأن في استطاعة الأمة أن تقوم بإعداد أبنائها على أساس هذا الرأي.

القاعدة الثانية: هي ان الغرض للتربية والتعليم هو الحصول على صفة التوازن الخلقي والنفسي في الأمة وفي الفرد فعليهما معا أن يهتما بتنمية العقل وتمنية الجسم بقدر واحد فيهما تقريبا ،، فالأمة التي تعني بالعلوم العقلية وحدها مهملة الأمة التي تعني بالعلوم الرياضية وحدها مهملة والأمة التي تعني بالفنون الجميلة وحدها مهملة كذلك.

القاعدة الثالثة: هي ان الغرض من التعليم والتربية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من التشابه بين أفراد الأمة الواحدة ذلك أن التشابه هو المصدر الحقيقي للألفة والألفة هي السبب الحقيقي في التضامن والوحدة والتضامن هو الطريقة للتقدم الذي ينشده المجتمع ولذلك من الضروري توحيد برامج التعليم حتى ينتج هذه النتيجة ويقرب بين طبقات المجتمع في الأخلاق والعادات والمشارب فتتقارب وجهات النظر في الأمة ، وحدد لطفي السيد أهداف التربية في غايتين ــ الأولى هي إنماء الشخصية أولا أو الاستقلال الذاتي في نفس الفرد والغاية الثانية هي إنماء المشابهات أو الخواص الاجتماعية في نفوس الأفراد وبعبارة أخرى يجب ان تكون التربية موجه لتمرين الفرد على الحياة الشخصية في أعلى مراتبها وتمرينه على الحياة الاجتماعية في اوسع معانيها فيستطيع المتعلم أن يوفق دائما بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة.

كما اكد لطفي السيد على اهمية أن يوكل وضع قوانين التربية لعلمائها الإخصائيين والذين لهم مرانة بالتطبيقات السيكولوجية والنظريات الاجتماعية لا أن تكون برامج التعليم والتربية نقلا بحتا من برامج الأمة التي لا اشتراك بيننا وبينها في شيء كثير من الحالات النفسية ثم يوكل تطبيقها إلى معلمين دون المستوى لأن مسألة التربية خطرة خطرا عظيما على البلاد في حالها وفي مستقبلها وكل خطأ في امرها تحصد نتائجه مصر بالأرباح المركبة في الأجيال المستقبلة وكل سنة تمضي بنا على تربية مضرة تعـيـقـنا في تقدمنا المنشود عشرات من السنين ومن الخطأ أن نترك امر التربية يسير على مجرى الصدفة.

حـــريــة الـتــعــلــيـم :ــ

4 ــ أكد لطفي السيد على أهمية أن يكون التعليم حرا وألا يكون للحكومة سلطان على التعليم وإنما يجب أن تتمتع الأمة بالحرية الكاملة في مختلف جوانب حياتنا من تعليم واجتماع وصحة واقتصاد وغيره من جوانب الحياة وكان لطفي السيد يرفض بشدة الحكومة الأبوية لأن معناها الخمول فهي تسهل للفرد أن ينام على فراش الكسل ويتركها تعمل ما تريد.

وكان لطفي السيد يرى أن التعليم يتبع سياسة الدولة فالأستاذ التركي مثلا يضع همه في تكوين إنسان يألف الظلم الذي يقع منه على غيره ويرضاه إذا وقع من غيره عليه ، أما الأستاذ الفرنسي فهمه أن يصور تلميذه على صورته ينفر من الملوكية ويرى الجمهورية واسطة السعادة القومية ولذلك كان لطفي السيد يرى أهمية أن تنزل الحكومة عن التعليم الى الأمة لأن التعليم الحر هو انفع من التعليم الحكومي

وكان لطفى السيد يرى أن التعليم في مصر فابريقات لإعداد التلاميذ لكى يفكروا بعقل الحكومة ويقدروا الحوادث بنظرها هي لا بأنظارهم المستقلة ورتب على ذلك ان تعليم الحكومة عقيم خطر لان الحكومة لم تأخذ على عاتقها تعليم الامة وتربيتها إلا لتصورها بالصورة التي ترضاها وتؤدبها بالأخلاق التي تتمشى مع مآربها من الحكم ، ورأى لطفى السيد ان التربية والتعليم من اختصاص رب العائلة وان الحكومة ليست أبا أحد منا ومن ثم فليس للحكومة أن تحتكر التعليم وتأخذه كرها على الآباء لكن الواقع أن الحكومة هي التي تضع برامج التعليم وأنماطه وهي التي تعطي وحدها شهادات التعليم المختلفة فهي بذلك تغل إيدي الأساتذة الأحرار عن أن يعلموا التلاميذ حُـسـن التفكير ويعودوهم على الاستقلال في الرأي وتعقل ألسنتهم عن أن يلقوا على الطلبة إلا ما كان في برامج الحكومة واقترح لطفي السيد تنازل الحكومة عن التعليم إلى الأمة فتضم المدارس العليا إلى الجامعة الأهلية وتنزل عن التعليم الأولى والابتدائي والثانوي والصناعي والزراعي إلى مجلس المديريات وتبقى نظارة المعارف مشرفة عامة على كل تعليم في البلاد تقرر الإعانة وتوزيعها على الطريقة المستعملة في انجلترا.

تـنــوع الـتــعــلــيــم وتـجـــزئــة الـعـقــل الـمــصــري:ــ

تعرض لطفي السيد لخطورة التجزئة الثقافية التي يعاني منها نظام التعليم المصري بانقسامه بين ثلاث أنواع من التعليم : هي التعليم الديني في الأزهر ، واالتعليم المدني الحديث ، ثم التعليم الأجنبي ، وطرح موقف المدرسة التربوية المصرية من الفلسفات الثلاثة للتربية اللاهوتية والعقلية والعلمية على أساس أن لكل أمة استعداد خاص بنوع خاص من انواع التربية تبعا للمسافة التي قطعتها في التطور والعادات والأخلاق لكن التربية الحالية في مصر ليس لها طابع خاص بها ولا اسم معين بين أسماء الأنواع المختلفة للتربية ، بل التربية عندنا هي أيضا في حال انتقال واختلاط هي أظهر ما لها من الصفات المميزة.

فالمثال الأعلى للرجل المتعلم المربي في نفوس العلماء المدرسين في الجامع الأزهر ليس هو المثل الأعلى في نفوس المعلمين في مدارس الحكومة ومن هم على شاكلتهم من المدرسين في مدارس التعليم الحر ولا هو بعينه المثل الأعلى في نفوس متعلمي البعثات الدينية المسيحية كالفرير والجزويت والبروتستانت أو مدارس التعليم الأوروبي اللّاديني كل ذلك إذا أعجبنا قد نفترض في هؤلاء المعلمين جميعا إدارة للتربية وخيالا ثابتا للمثل الأعلى الذي يراد إبلاغ النشيء إليه فرار من التصريح بأن من المتعلمين في هذه المعاهد من لا يفكرون كثيرا في المثل الأعلى وفي أنماط التربية بل يقصر همهم على كسب عيشهم الخاص.

وأوضح لطفي السيد أنه بين هذه العناصر المتنوعة والبرامج المتعاكسة والعقائد المختلفة والطرائق المشوشة المتناقضة نلقى بأبنائنا إلى تربية ليست موجهة إلى مثل أعلى موحد ومن ثم تعيش مدارسنا فيما يمكن أن تسميه فوضى تربوية فنسلم للصدفة أبنائنا ومستقبل بلادنا.

ورأى لطفي السيد أننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الفوضى المخيفة لأن اهتمام الأمة بتسيير تربية النشيء على وفق إرادتها أمر أولي في نظر العقل وضروري لنجاحها وفي بلادنا نظارة المعارف العمومية النموذج للنظامات التعليمية بحكم أنها الأوفر خبرة والأكثر نفوذا والأكثر قدرة على التحكم في أمور التعليم ، ومن ثم فهي المطالبة بأن تكون تعاليمها موجهة نحو المثل الأعلى الذي نبغـيه من التربية والتعليم لكي يظهر في حالة التعليم في بلادنا لكن نظارة المعارف لا تريد أن ننتفع بتجارب الأمم السابقة لنا ولعلها أيضا لا تريد أن ننتفع بتجاربها الخاصة وليس لها مثل أعلى تتوخاه من وراء التعليم بل هي تضع البرامج ملفقة من البرامج الاوروبية مختزلة لتملأ بعض زوايا العقول النامية بقصاقيص من أطراف العلوم المختلفة وكأنها لا تنظر إلى أن لهؤلاء النشيء نفوسا يجب على المتعلم محاولة تهذيبها وقلوبا محتاجة إلى إنماء المشاعر الإنسانية والأطماع الوطنية في خباياها وكأن الصدفة هي كل ما لنا من قاعدة في التربية والتعليم.

ثم انتقد لطفي السيد التعليم الأهلي على النحو الذي كان عليه الكتاتيب فوصف فقهاء الكتاتيب بأنهم لا يحسمون شيئا وأن الصبيان يحشرون في غرفة ضيقة كسجون القرون الوسطى يفترشون أرجلهم ويحركون جذوعهم الصغيرة ويصيحون بأعلى صوتهم مكرهين ولا يدري الواقف عليهم عـلام يصيحون ولماذا هم خائفون ولم يلحظ العصا الطويلة التي في يد الفقيه ينزل بها على من يشاء فترى الغلمان بين باكٍ قد أوجعه الضرب وضاحك ساخر يصيح على نغمة من غير أن يلوك لسانه شيئا مما يحفظ ، فذلك المربي الأول لا يعرف من واجبات التربية والتعليم ألا شيئا واحدا هو إماتة عواطف التلاميذ بالضرب والسب والتخويف وبما فوق ذلك هو القتل الأول لشعور الحرية والمعطل الأكبر لنمو أبدان المتعلمين وملكاتهم إلا جزء مشوشا من ملكة الحافظة وهو نفسه لا يمكن أن يقدر أبسط الأمور تقديرا صحيحا لأن مقياس التقدير في نظره هو مجموع ما سمعه من معلمه الأول من القواعد العامة كورقة الحمى أو حجاب التحويطة أو المندل أو غير ذلك من الخرافات كما انتقد لطفي السيد التعليم الأجنبي على النحو الذي كان عليه في المدارس الأجنبية فلم يكن القسيس في مدارس الإرساليات التبشيرية الدينية الأجنبية يختلف كثيرا فقد كانت طريقة تأديبهم مثلا تكليف الصبي بأن يقبل الأرض أو يركع يجثو على ركبتيه أو يكتب الواجب الثقيل وأكبر الذنوب أن يتكلم الصبي حتى أنك لتراه يكف عن الكلام ولو صوابا.

وانتقل لطفي السيد أيضا إلى المدرسة المدنية على النحو الذي كانت عليه في المدارس الابتدائية فوصف معلم المدرسة الابتدائية بأن معلوماته لا تزيد كثيرا على معلومات طلابه وأنه لا يعرف شيئا من البيداجوجيا (التربية).

وخلص لطفي السيد إلى أنه إذا كان الولد يخلق على صورة أبيه وينشأ المتكلم على صورة أستاذه وقد رأيتم صورة أساتذة أبنائكم الفقيه والقسيس والمعلم فمن ذا الذي يريد لأبنائنا وهم مناط الرجاء في إسعاد هذه الأمة أن يكونوا على صورة ذلك الفقيه أو القسيس أو المعلم ولذلك فإن التعليم بطرقه الثلاث الحاضرة غير منتج الغرض الخاص الذي هو إنماء قوي الناشيء وملكاته حتى تبلغ كمالها الممكن ، وانتهى لطفي السيد من ذلك إلى أن ترك التعليم منقسما بين الأزهر والمدارس الحديثة والبعثات الأجنبية يؤدي إلى تفتيت الوحدة القومية ولذلك يجب أن يقوم التعليم العام على قاعدة واحدة تقلل من الفروق وتكثر من المشابهات بين أفراد المجتمع فإذا ضاقت بينهم الفروق سهل عليهم أن يكونوا مجموعا متشابه الأجزاء يكاد يرى بعين واحدة.

ويسمع بأذن واحدة ويحس بقلب واحد ذلك معنى الوحدة القومية التي ينشرها كل من يريد أن يحمل الأمة على الأخذ بأسباب سعادتها لأنه متى سهل الاجماع حصلت الوحدة القومية وكل تعليم لا يؤدي إلى هذه النتيجة إنما هو تعليم لا أصل له ولا فائدة.

اسـتــيـراد الـفــكــر الـتــربـوي:ــ

تصدى لطفي السيد لقضية على أعلى درجة من الخطورة وهي استيرادنا لنظريات الفكر التربوي من الخارج دون نظر للظروف والخصائص المميزة للمجتمع المصري.. ومع ان لطفي السيد كان من تلك المدرسة من المصريين التي رأت في الحضارة الأوروبية طريق التقدم والنهضة ودعت إلى النقل عنها والأخذ من مناهلها بقصد الانتفاع بها والاستزادة منها إلا أن لطفي السيد انتقد اقتباسنا لتنظيم التعليم عن الغرب حتى أنه وصف مدارس حكومتنا بأنه ليس فيها من المصرية إلا نسب التلاميذ والأرض القائمة عليها المدرسة إلى حد أنه يمكن القول بأن نظارة المعارف أصبحت عندنا مجرد شركة تعليم أجنبية كجماعة الفرير أو الجزويت ونحوهم.

وهاجم لطفي السيد القصور في وجود فلسفة تربوية مصرية توجه التعليم في مصر واعتماد المدارس المصرية على الاقتباس والنقل عن الغرب ووصف طرق التعليم في مدارسنا بأنها عقيمة وأن الحكومة أعدت المدارس لا لتعليم العلم ونشره وانتفاع الأمة به بل لتعد لها رجالا يقومون بوظائفها التي يكفي في القيام بها معارف محدودة بل حسب الموظف في تأدية وظيفته سهولة انقياده فاقتبست كل نظمها ومناهجها وأساليبها التعليمية من الخارج حتى أصبحت مدارس كل نظمها أجنبية في كل شيء ، ودعى لطفي السيد إلى أن تكون طريقة التعليم طريقة التمدين ذات طابع وطني تمتزج بنفس المتعلم وعاداته الأصلية في نفسه وحتى يبقى المتعلم بعد التعليم جزءا من أمته وفردا من قومه حافظا لجميع المشابهات التي تربطهم.

وأكد لطفي السيد أن دواء الأمة المريضة هو بالتربية والتعليم وإنه لا خلاف بين الناس في ضرورة التربية وإنها الوسيلة لكل ارتقاء غير أن الصعوبة هي في تحديد أنماط التربية والتعليم عندنا وطريقة تحضيرها أي جعلها تنتج في مصرنا جميع النتائج التي تنتجها في الأوطان التي استعرناها منها لأن نظرية التربية والتعليم وتحديد أنماطها لم تأخذ بعد مركزا ثابتا في حياتنا المصرية إنما التربية المدرسية عندنا أو التعليم بكافة أنواعه خليطين من التعليم الفرنساوي والتعليم الانجليزي تقوده الصدفة إلى أي نتيجة غير منتظرة ولذلك يجب علينا أن نحدد أولا الأغراض التي نبغي الحصول عليها من التربية.

وعندي أن التربية في مصر يجب ان ترمي إلى غرضين أحدهما: أن يسترد المصري فضائله الاجتماعية التي جنى عليها الاستبداد الطويل بشرط أن تبقى مع ذلك مصريا ، والثاني: أن تسلح ملكاته بالعلوم والمعارف ليكون قادرا على مزاحمة غيره في بلاده مزاحمة للقرين في المسائل العلمية والفنية والاقتصادية نقول ذلك ونترك لعلمائنا والمشتغلين بالتربية في بلادنا أن يقروا الطرائق التي تجعل التربية المدرسية تنتج هذين الغرضين.

وانتهى لطفي السيد من ذلك إلى أن التربية والتعليم طريق طويل جدا لأنه يستتبع الوقوف بالضبط على خير الأنماط المفيدة لنا ثم القدرة على تطبيقها على الوجه النافع ثم الانتظار بها حتى تتأقلم في مصرنا وتصير مصرية بالزمان ثم تنتج نتائجها البطيئة التدريجية في كفاءتنا المختلفة ومن ثم فطريق التربية والتعليم طريق بعيد ولكنه مع ذلك أقرب الطرق لأنه الطريق الوحيد.


الـتـعـــلـــيـــق عــلـى الــمـقــال الــثـانـي

سيكون أيضا على كل فقرة حسب رقمها 1 ، 2 ، 3 ، .... إلخ)

1ــ لمحة هامة جدا لابد من الإشارة إليها : وهي أن معظم من يحملون هموم الوطن وينشغلون بإصلاحه ويسهرون ويفارق النوم جفونهم ، دائما ما يخرجون من الريف المصري حيث أنهم يعيشون الحياة الريفية ويشاهدون إلى أي مدى معاناة الفلاح المصري و احتياج المصريين لكل شيء ، وهذا ما ينطبق على كثير من العلماء والأدباء والمفكرين والمصلحين المصريين على مر التاريخ من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ، وطه حسين ، وأحمد لطفي السيد وغيرهم مع كامل احترامنا لهم جميعا ولغيرهم من المصلحين المصريين.

ــ وأضيف لمسألة العقاب السائدة في التعليم ، التي كانت أيام لطفي السيد ، التي تعتمد على الحبس والضرب بسبب الصبغة العسكرية للمدارس ، وتحولت في أيامنا إلى الضرب أحيانا والسب والشتم والتوبيخ والفصل أحيانا أخرى ، أقول إن من أفضل أساليب العقاب في التعليم من وجهة نظري هي الفصل المؤقت أو الحرمان من الذهاب إلى المدرسة لمدة أسبوع أو أكثر ، لكن هذا العقاب لن ينجح إلا بشروط ، وهي أن تكون المدرسة مؤسسة متكاملة يجد فيها المُتَعَـلّـم جميع سبل الراحة والترفيه والترويح والأنشطة العلمية والرياضية والفنية والأدبية من ملاعب ومكتبة وحجرة الموسيقى ، بحيث تصبح المدرسة المكان المحبب لقلوب المتعلمين مهما اختلفت توجهاتهم وهواياتهم وصفاتهم ورغباتهم ، وهنا يصبح الحرمان من المدرسة شيء مؤثر جدا ومكروه جدا للمتعلمين ، وسيخاف كل طالب أو تلميذ من هذا العقاب ، وسيحاول كل منهم أن يبذل قصارى جهده ليتمتع بما في المدرسة من متع دنيوية في مختلف الأنشطة لن يجدها في بيته ، لكن التعليم ومؤسساته في صورتهما الحالية تحولا لجحيم مقيم ، لا يطاق بالنسبة للمتعلمين جميعا ، وأسعد لحظات يعيشها المتعلم هذه الأيام حين يدق جرس الانصراف للبيت أو حين ينتهي العام الدراسي وينتهي آخر أيام الإمتحانات ، وهذا إن دل فإنما يدل على فشل العملية التعليمية برمتها.

2ــ أهم ما لفت نظري في هذه الفقرة هي المدة التي تولى فيها لطفي السيد مسئولية وزارة المعارف وهي 15 شهر فقط ورغم ذلك فـَكـّر بسرعة في وضع خطة لتحديث التعليم المصري ، وفي حقيقة الأمر ان هذه المدة غير كافية إطلاقا لتحديث التعليم لأن تحديث مؤسسات التعليم عملية معقدة ومتشابكة جدا وتحتاج مزيدا من الوقت ، لكن رغم ذلك لم يضيع وقتا وبدأ في العمل سريعا ، وهنا يظهر الفشل والعطب الفكري والسياسي لكل من تولوا مناصب سياسية بعد الثورة وصنعـوا حُجة واهية تعبر عن فشلهم وجهلهم وإفلاسهم الواضح وهي (اعطونا فرصة كي نعمل) ورغم مرور عام كامل على الثورة لم ينجح المجلس العسكري ولا أي وزارة معه في حل أي مشكلة مهما كانت صغيرة مثل مشاكل البنزين 80 أو أنابيب الغاز أو الحد الأدنى والأقصى للأجور أو تعديل قانون الضرائب أو تعديل قانون الدعم لكي يصل لمستحقيه بالعدل وعلى رأس هذه المشاكل ظاهرة البلطجة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالفراغ الأمني ، وحين يضغط عليهم الشارع يقولون اعطونا فرصة كي نعمل.

ــ ولأن التعليم هو الآلية التي يمكن أن تنهض بأي مجتمع وترتقي به وبشعبه لذلك أصـرّ لطفي السيد على تحديثه وإصلاحه والنهوض به ، ولنفس السبب نجد أن أي حاكم مستبد سواء كان الاستبداد دينيا أو سياسيا يحاول بقدر الإمكان تجهيل الشعوب عبر مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام المختلفة ومنابر الدولة لكي يصنع شعبا مُغـَيـّبا وهذا المنهج السياسي يستخدمه المستبد العربي العسكري ، والمستبد العربي الديني مع الفارق ليتم السيطرة على المجتمع بسهولة.

ويظهر هذا جليا في دولة مثل مصر ، برغم أنها صاحبة أقدم وأعرق حضارة إنسانية في العالم ، وكذلك رغم أن الإسلام الموجود في القرآن سبق أوروبا وأمريكا بقرون في وضع أسس وقواعد المجتمع المدني المتحضر التي ذكرها القرآن العظيم الذي سبق الغرب ، إلا أن لطفي السيد يسير على خطى دعاة العلمانية الذين يُحَمِّلون الإسلام أوزار المسلمين حين يخلط بين الإسلام والحضارة والثقافة الإسلامية ، وهذه المعضلة لا حل لها إلا بالتخلص من تقديس الثقافة والتراث والتاريخ الإسلامي والتعامل معه بمنهج النقد والتحليل والأخذ والرد ، لأن هذا التراث هو سبب وعامل أساس في تشكيل الثقافة العامة للمسلم وعامل مؤثر في العملية التعليمية برمتها ، والحل ليس في استيراد الفكر من أوروبا وإنما في الرجوع للقرآن وجعله منهج حياة ومرجعية وحيدة للمسلمين ، لأن في القرآن وحده العلاج الأمثل لكل قضايا العصر لأنه فوق الزمان والمكان ، وهنا الخروج من معضلة النداء بفصل الدين عن الدولة التي لا يقبلها معظم المسلمين الذين ينظرون لاستيراد الفكر الغربي على أنه كفر وخروج عن الدين ، لكن لن يرفضوا جميعا فكرة الرجوع للقرآن واتخاذه مرجعية ومنهاجا في الحياة.


3ــ اتفق تماما مع هذه الفقرة التي تبين فكـره التربوي ، والتي يؤكد فيها لطفي السيد أن التربية والتعليم هما السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمع واستقلاله ، وهذا يبين فكره التنويري الرائع الذي يعتبر أن العـلم والثقافة وتنمية العقل وصناعة الوعي عند المواطنين هي مقومات أساسية لاستقلال الوطن والنهوض به ، ويجب التعاون بالمال والفكر والمشورة وتبادل الآراء من أجل تحقيق هذا الغرض القومي العام ، وهنا لابد أن نذكر أكبر جرائم الحكم العسكري في مصر الذي يُنفق على بناء السجون والمعتقلات وتدريب الكلاب في انجلترا وأمريكا لتعذيب المصريين مبالغ طائلة تقدر بأضعاف مضاعفة لما ينفق على التعليم والبحث العلمي.

تعليقا على المبادئ الخمسة:ــ

الأول ــ كذلك ننوه أن الطفل المصري يعتبر من أذكى عشرة أطفال على مستوى العالم حتى سن السابعة ، وبفضل البيئة السيئة والفقر والقهر والجهل والاستبداد والتخلف يتحول إلى شبه إنسان.

الثاني ــ الجمود في التفكير ورفض النقد والآراء الجديدة والأفكار الجديدة لإصلاح الفساد الثقافي والفكري والتشبث بالقديم هو ضمن أسباب تخلفنا.

الثالث ــ إن الأحوال الاقتصادية والمعيشية والمستوى العلمي والثقافي لا يمنح الآباء إمكانيات وقدرات ووقتا كافيا للقيام بالدور المفروض عليهم نحو أبنائهم مما يؤدي للتفكك الأسري أو التسرب من التعليم لأن البيئة غير صالحة لإعداد جيل سليم ، ومن جهة أخرى يُـصر بعض الآباء أن يكون الأبناء نسخة مكررة منهم ، فيحاول الطبيب أن يكون ابنه طبيبا ، وكذلك المهندس والقاضي والضابط ووكيل النيابة ، ورغم الآثار السلبية لهذا على شخصية الأبناء إلا أنها تحولت في بعض المواقع لاستغلال النفوذ وتوريث الوظائف من الآباء للأبناء.

الرابع ــ لابد من تفعيل نظريات الفروق الفردية في التعليم وفي الحياة عموما هذا فيما يخص الفروق بين المتعلمين ، لكن مع الأسف حين حاول المجتمع أن يجعل قدوة ومثل أعلى للمتعلمين اختزلها في مظاهر شكلية مثل اللحية والجلباب والنقاب ، ولم يتم تناول القدوة والمثل الأعلى بصورة أوسع وأعمق تعتمد على العمل الحقيقي الواقعي الفعلي والضمير والتقوى في كل سلوك يقوم به الإنسان ، وأصيبت مؤسسات التعليم بوباء قاتل وهو اتخاذ أصحاب اللحية والجلباب قدوة ومثل أعلى مهما كانت صفاتهم.

الخامس ــ ورغم اتفاقي معه تماما في أن التربية لابد أن تتطور وتتغير باستمرار للتناسب مع تغيرات الحياة ، وهذا ما لم يتوفر أبدا في مصر منذ عقود ، لأن الإنسان فعلا قابل للتربية وهو كائن يتأثر بما حوله من مناخ فكري وعلمي وثقافي ، ويساهم في هذا مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام والبيئة التي يعيش فيها بداية من الأسرة والعائلة والشارع والقرية والمدينة والدولة بكل ما فيها من مؤسسات فكل هذه مؤثرات لابد من وضعها في الاعتبار وتقنين دورها ومراقبته لأنها عوامل أساسية في تنشئة وبناء الإنسان في المجتمع.

ــ ولذلك لابد أن يقوم بوضع قوانين التربية كما قال لطفي السيد أساتذة متخصصون في هذا ، ولابد لكل من يعمل في مهنة التدريس أن يكون مؤهلا لهذا العمل ، لكن بكل أسف أكثر من نصف العاملين في مهنة التدريس في مصر لا يصلحون لهذه المهنة إطلاقا ، وأخص بالذكر هنا التعليم الابتدائي ، وهذا ليس قدحا فيهم ، ولكنهم قد يصلحوا للعمل في أي مجال آخر غير التعليم.

4 ــ كما اتفق أيضا معه في مطالبته بحرية التعليم ، لكن أضيف إلى ما قاله لطفي السيد أن المدرس المصري على الأقل حاليا لا يفكر في التلميذ أصلا ، فكل ما يشغله هو المال متى يحصل على راتبه.؟ ، متى يحصل على المكافآت والعلاوات والدرجات.؟ ، وكَـمْ عدد الطلاب المحتاجين للدروس الخصوصية.؟ ، وكَـمْ من المال سيدفعون.؟ ، وهذا التحول في شخصية المعلم المصري سببه الرئيسي حسب وجهة نظري الفساد السياسي في الدولة الذي طال جميع مؤسسات الدولة وخصوصا مؤسسات التعليم ومعظم العاملين فيها بحيث تحول المعلم إلى موظف يهتم بالحضور والانصراف فقط ويهتم بدفتر التحضير ، وانصرف اهتمام معظم المدرسين عن تطوير وتثقيف أنفسهم أو المساهمة في وضع رؤية لتطوير التعليم وإبراز سلبياته وعيوبه باستمرار ، وذلك لأن مصر تحولت لدولة بيروقراطية من جهة ، فكل هم العاملين فيها هو تنفيذ التعليمات والنشرات الشهرية أو الأسبوعية بسبب مركزية الإدارة ، ومن جهة أخرى أصبحت مصر دولة بوليسية قمعية فاسدة لا صوت ولا مكان فيها لأي صاحب رأي أو فكر جديد أو دعاة التنوير و الإصلاح والنهوض بالمجتمع ، بينما كان يفتح النظام الحاكم أحضانه للفاسدين والجهلاء والعملاء في كل المجالات وعلى رأسهم دعاة التطرف والعنف والإرهاب الوهابي.

الفصيل الوحيد الذي استفاد من هذا الفساد هم طبقة من الحرامية الذين اشتركوا مع النظام الفاسد في سرقة مصر ، أرباب التيارات الدينية من أخوان وسلفية ، فقد نجحوا في النصف قرن الأخير في نشر أفكارهم بين معظم طلاب المدارس والجامعات ومعظم البسطاء من الناس عن طريق المساجد والزوايا التي انتشرت في كل شبر من أرض مصر ، وصنعـوا أجيالا من المغيبين والمغفلين والمشوهين فكريا وأشباه المتعلمين ، وكان النظام الفاسد البوليسي القمعي يفتح الباب للفريقين ويتركهم يفعلون ما يشاؤون فريقا يسرق الدولة ، والآخر يلعب بعقول الناس والشباب لأن هذا التخريب الاقتصادي والتجريف للعقل والوعي المصري يصب في مصلحة الحاكم العسكري المستبد ، وهذا واضح جدا في حالات الثراء الفاحش لثلة من الحرامية في السنوات الأخيرة ، يوازيها نجاح وانتشار التيارات الوهابية وسيطرتهم على الشارع مما أدى لفوزهم وحصدهم معظم المقاعد في برلمان ما بعد الثورة ، وهذا ليس تجنيا عليهم ، ويكفي أن الدولة تركت لهم مؤسسات التعليم والمساجد يفعلون بها وبشباب الأمة ما يشاؤون من ندوات ومؤتمرات وأُسر واتحادات وطبع وتوزيع منشورات وكتب وكتيبات ، وفي المقابل لم يُسمح لأي فصيل آخر أو أي اتجاه آخر أن ينعم بهذا طوال ثلاثة عقود مضت خصوصا في الجامعات المصرية.

5ــ أوافق تماما على رفض لطفي السيد أن يتم استيراد فكر تربوي أوروبي لإصلاح التعليم المصري ، وهذا منطقي وعقلاني جدا لأن البيئة المصرية والإنسان المصري لهما طبائع وسمات مختلفة تماما عن أي مجتمع آخر ولابد من الأخذ في الاعتبار الظروف المختلفة قبل تطبيق النظم التربوية المستوردة في بلاد أخرى ، ولقد لفت نظري هذا الموضوع حين درسته في كلية التربية في مادة (التربية المقارنة) التي كانت تقارن بين خبرات التربية والتعليم في اليابان وأمريكا وانجلترا وويلـز ، وهنا لابد أن نؤكد أن مناهج وطرق التدريس والتربية في مصر لابد أن تنبع من علماء مصريين مخلصين هدفهم الإصلاح والتنوير وتحديث التعليم المصري والنهوض به ، وما أكثرهم ، واستبعاد كل من يبحث عن مصالح شخصية وأهداف حزبية مذهبية ، أقول هذا الكلام الآن لأن هناك خطة لتسليم وزارتي التربية والتعليم والداخلية للإخوان ، ولو حدث هذا سوف تنتقل مصر بامتياز للعصور الوسطى من الناحية الثقافية والفكرية بسبب سيطرة الاخوان على التعليم ، وإلى محاكم التفتيش بسبب سيطرتها على وزارة الداخلية ، ولذلك لابد لجميع التيارات الفكرية والفصائل السياسية أن تشترك في وضع الدستور وفي وضع القواعد والقوانين واللوائح التي ستدار بها مؤسسات الدولة في السنوات القادمة ، هذا لو كنا فعلا نريد مستقبلا مشرقا لمصر ، لكن لو سيطر الإخوان على التعليم والشرطة فانتظروا حمامات الدم في الشوارع ومنصات الإعدام في جميع ميادين مصر ، ولذلك أكرر وأؤكد على خطورة استيراد فكر تربوي يريد السيطرة على مؤسسات التعليم ويصبغها بصبغة دينية لا علاقة لها بالبيئة المصرية ولا صلة بينها وبين الثقافة والحضارة المصرية العريقة والعتيقة ، وأقصد هنا استيراد الفكر السلفي الوهابي والتعامل معه على أنه المنقذ والمخلص الوحيد لمصر ومؤسساتها وشعبها.

وإلى اللقاء في المقال الثالث....