الخميس، 19 يوليو 2012

إعجـاز الـمـعــاني في الـلـفـظ في الـقـرآني..2..(حـســنـة ، وأحسن)


إعجـاز الـمـعــاني في الـلـفـظ في الـقـرآني..2..(حـســنـة ، وأحسن)
بداية لابد ان نفرق بين الخالق العظيم الذي ليس كمثله شيء ، الذي لا يحتاج صاحبة ولا ولدا ، الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، وجعل لهذا الكون ميزانا دقيقا يقيس كل شيء وأي شيء كبيرا كان أو صغيرا ، حتى لو كان مثقال ذرة فبقدرته جل وعلا يعلمها ويأتي بها.
وسبحانه وتعالى حين يريد شيئا أو أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، هذا من ناحية القدرة على الخلق ، ومن ناحية الصفات والمواصفات فإن ما يخلقه ربنا جل وعلا دائما يكون في أحسن وأبهى صورة ، ويكفي أنه جل وعلا بديع في خلقه فيخلق أي شيء من العدم ، ودائما وأبدا لا يخلق إلا حسنا أو بمعنى أوضح إنه جل وعلا يخلق الأحسن والأفضل في كل شيء ، وحين يقول قوله الحق ، وقوله هو أحسن القول وأصدق القول وأحسن القصص وأحسن الحديث.
فهذا هو الميزان الإلهي في خلق هذا الكون بكل ما فيه من سموات وأراضين وبحار وأنهار وبشر وحيوانات وجنات (حدائق) ومتع ونعم سخرها للبشر وزين بها الأرض ، كل هذه المخلوقات جبلها ربنا جل وعلا بنفس الطريقة وبنفس الميزان الإلهي في الخلق ورغم كل ما فيها من حسن وجمال إلا انها حتما ستفنى وتذهب إلى العدم ، ومن المستحيل على جميع البشر أن يخلقوا مثل خلقه جل وعلا وقد تحداهم ربنا جل وعلا بأنهم لن يستطيعوا لو اجتمعوا أن يخلقوا ذبابة ، وفي نفس السياق لن يستطيع نفس البشر أن يأتوا بآية واحدة مثل كلام الله جل وعلا ، ورغم ذلك كثير من المسلمين يعتقدون ويؤمنون أن خاتم النبيين كان يُشـَرّع ويضيف للتشريع الإلهي على الرغم أن ربنا جل وعلا حسم الأمر وقال(قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)الإسراء:88، فهي آية حاكمة حاسمة تؤكد أن كل البشر لو اجتمعوا مع كل الجن لن يأتوا بآية واحدة مثل آيات القرآن.
ــ ولو بحثنا في القرآن الكريم نقرأ آياته ونتدبر مفرداته ومعاني كلماته سنجد أن استعمال مفردات (حسنة وحسن وحسنى وأحسن وإحسان) ترتبط ارتباطا وثيقا ببعضها وتعبر عن سياق قرآني يبين كيفية خلق الكون والإنسان وحيثيات الاختبار الدنيوي وترشدنا للطريق الأمثل للتعامل بيننا نحن البشر في حياتنا الدنيا و تعلمنا أن الوحي الإلهي هو أحسن الكلام وأحسن الحديث ، ومطلوب منا لكي ننجو بأنفسنا أن نؤمن بأحسن وأصدق الحديث وهو القرآن ، وأن نتبع الأحسن ونقول ونفعل الأحسن في كل شيء ، وفي المقابل سيكون الحساب بأحسن ما فعلنا وأحسن ما قلنا ، لأن الحسنات هي الوسيلة والطريقة الوحيدة للخلاص من السيئات ودخول أحسن الجنات .... إلخ.
ــ نبدأ بآيات تتحدث عن خلق الكون وخلق كل شيء وارتباط خلق السموات والأرض بخلق واختبار الإنسان
من الآيات المحكمة الواضحة التي تبين قانون الخلق العام وأن ربنا جل وعلا قد أحسن خلق كل شيء قوله تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ)السجدة:7 ، كما ارتبط خلق السموات والأرض بمسيرة البشر في الحياة الدنيا ودخولهم امتحانها الذي يفوز فيه من كان أحسن عملا (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)هود:7 ، ربنا جل وعلا زين الأرض للبشر ليختبرهم أيهم أحسن عملا (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)الكهف:7 ، إذن القاعدة الأساسية في الاختبار الدنيوي هي من سيكون أحسن عملا خلال عمره ، ويتساوى هنا كل البشر ولا أفضلية لسني على شيعي أو نصراني أو بهائي أو قرآني أو .... أو.... لأن مرجع كل هذا والحكم فيه لله جل وعلا ، نحن جميعا ندخل الاختبار الدنيوي نتسابق على فعل الأحسن أو العمل الأحسن أو لنكون ضمن من أحسنوا عملا والحساب للجميع عند الله ، لأن الخطاب القرآني موجه للبشر جميعا في كل زمان ومكان حتى تقوم الساعة لأن القرآن نزل للناس كافة.
ــ خـلـق الإنـســان في صـورة حـسـنـة و أحـسـن قــوام مـعـتـدل
يبين ربنا جل وعلا مراحل خلق الإنسان بأسلوب رائع ومعجز غاية في البساطة والسهولة والاختصار (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)المؤمنون:14 ، (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)التغابن:3 ، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)غافر:64 ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)التين:4.
ـــ بالنسبة لموضوع العقيدة والتشريع والوحي ما هو الأحـسـن.؟
إذا كان ربنا جل وعلا هو أحسن الخالقين فكيف بنا نعبد أو ندعو غيره إلها (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ)الصافات:25، لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)الشورى:11 ، وفي آية تربط موضوع العقيدة والعبادة لله واتباع منهج أو ملة إبراهيم بأن يكمل الإنسان هذا بأن يحسن العمل(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)النساء:125، إذن أحسن الناس هو من يسلم وجهه لله وهو محسن ، ومحسن هنا اسم فاعل وهي صيغة مبالغة لمن يفعل الإحسان.
ــ أحسن الحديث حديث الله(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)الزمر:23 ، إذن مهما قرأنا من كتب ومهما قال من قال وادعى من ادعى أن صحيح البخاري أو غيره من الكتب تكمل القرآن أو تفسر القرآن فهذا محض كذب وافتراء على الله ، لأن ربنا جل وعلا لا يمكن أن يصف كتابه وقرآنه بأنه أحسن الحديث وأصدق الحديث وأحسن القصص ، ثم بعد ذلك يحتاج القرآن للبشر لتفسيره وشرحه وتوضيحه وإكمال النقص فيه ، فهذا اتهام لرب العزة بالكذب تعالى الله علوا كبيرا عن ذلك ، وكما أن أحسن الحديث حديث الله فإن الله جل وعلا يقول أصدق الحديث أيضا(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً)النساء:87 ، القرآن هو أحسن القصص (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ)يوسف:3 ، هذا فيما يخص العقيدة والإيمان بالله ربا وبالإيمان بقرآنه لأنه أحسن وأصدق الحديث.
أحسن القول وأحسن الفعل بالنسبة للبشر في العبادة أو الدعوة إلى دين الله جل وعلا ، كما كان يفعل خاتم النبيين عليهم السلام ، كان يدعو لدين الله بالموعظة الحسنة ، ويجادل بالتي هي أحسن(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)النحل:125، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ، ربنا جل وعلا لم يحدد هذا الأسلوب في الدعوة عبثا ، ولكن لكي يصلح العلاقات الاجتماعية بين الناس داخل المجتمع الواحد وإنهاء أي عداوة تعكر صفو الحياة وكل هذا يزول بالكلمة الطيبة والقول الحسن والفعل الحسن في التعامل مع الناس حتى لو كانوا أعداء ، (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)فصلت: 33 ، 34 وهذه كانت أوامر الله جل وعلا للأنبياء والمرسلين وكانت عقيدتهم وطريقتهم في الدعوة لدين الله حتى مع الأعداء.
ولو افترضنا أن بعض تشريعات البشر صحيحة وبعض ما جاء في كتب التراث صحيح ، ولكن أمامنا القرآن الكريم لا خطأ ولا لبس ولا كذب فيه ، وقد أمرنا ربنا جل وعلا أن نتبع أحسن القول لأن هذا هو التطبيق العملي لإعمال العقل وهي فريضة التدبر في القرآن الكريم ، وهنا يجب على كل إنسان أن يفكر في كل كلمة يسمعها من خطيب أو شيخ أو داعية ويتبع أحسن ما يسمعه ولا يصدق كل الكلام ويتبع أي شيء بدون تفكير ، ولو فعل فهو بلا عقل ولا هدى (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)الزمر:18
لله جل وعلا أسماء حسنى واضحة محددة في القرآن(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)طه:8 ، وأمرنا أن ندعوه بها ، وألا نخترع أسماء أخرى غيرها فهذا إلحاد (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)الأعراف:180 ، وفي أي مكان أو زمان تريد أن تدعو الله فليس أمامك إلا الأسماء الحسنى ، إضافة إلى آداب الدعاء والصلاة أن يكونا بلا جهر أو تعد (قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)الإسراء:110، حتى حين نسبحه جل وعلا يكون بذكر الأسماء الحسنى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ْ)الحشر:24.
كان الكفار حين يسمعون الرسول يقرأ القرآن لا يهتمون ، وكانوا يشككون فيه ويتهمون الرسول بأنه ساحر ومجنون وكانوا يقولون للمؤمنين أنهم يتبعون رجلا مسحورا ، وشككوا في البعث (الإسراء:45 : 52 ) ، وفي نهاية الآيات جاء الأمر لعباد الله أن يقولوا التي هي أحسن وأن يحسنوا الظن بالله جل وعلا وأن يحذروا الشيطان لأنه عدوهم (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً)الإسراء:53
المنافقين بنوا مسجدا لكي يحاربوا الرسول عليه الصلاة والسلام ويكيدوا للإسلام والمسلمين لنشر الفرقة والفتنة بين المسلمين ، ورغم ذلك حلفوا أنهم يريدون الحسنى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)التوبة:107 ، وهذا نموذج عملي واضح يبين أن كثيرا من الدعاة وتجار الدين ــ في عصرنا الراهن ــ يحاربون الله وقرآنه ويكيدون للإسلام والمسلمين ويظنون أنهم يحسنون صنعا.
كيف نجادل أهل الكتاب.؟
هنا نهي عن جدال أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن مع الإيمان بما انزل إلينا وما انزل إليهم وأن إلهنا وإلههم واحد (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)العنكبوت:46
ـــ أحسن الحكم هو حكم الله ، ربنا جل وعلا أمر خاتم النبيين عليه السلام أن يحكم بين الناس بما أنزل الله أي بالقرآن وألا يتبع أهواءهم وحذره منهم أن يفتنوه عن بعض القرآن ، ولكنهم اعترضوا ولم يعجبهم (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)المائدة: 49 ، 50 وهذا هو النموذج والمثال العملي لتطبيق الشريعة أن يحاول كل إنسان تطبيق ما أنزل الله في كل أمور وشئون حياته ، ومن يريد فعلا أن يتخذ الرسول الخاتم قدوة وأسوة حسنة فعليه باتباع القرآن ليعرف كيف كان يتعامل مع الناس وكيف كان يطبق شرع الله الحقيقي الذي نزل عليه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)الأحزاب: 21 ، وحين يحدث خلافا في أمر ما فلابد ان نعود للقرآن أو الرسول لأن القرآن والرسول بمعنى واحد ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)البقرة:59 ، الإيمان والعمل الصالح والصبر من أسباب السعادة والفوز في الدنيا والآخرة (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)النحل:96 ، 97
الإحسان في العلاقات الإنسانية والاجتماعية
في مثال يبين أمرا قرآنيا ربانيا لخاتم الأنبياء والمرسلين في كيفية التعامل مع بني اسرائيل ، بعد أن نقضوا عهدهم مع الله ، وكفروا وحرفوا كلام الله فأصبحت قلوبهم قاسية ونسوا ما ذكروا به المائدة(12 ، 13) وفي آخر الآية الثالثة عشر يقول المولى عزل وجل لخاتم النبيين (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، يبين ربنا جل وعلا أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، بينما أقرب الناس مودة هم النصارى لأن منهم قسيسين ورهبانا آمنوا بالقرآن وكانوا حين يسمعوه تفيض أعينهم من الدمع لأنهم يعرفون الحق ودعوا الله أن يجعلهم من الشاهدين على قومهم (المائدة:82 : 84 ) ، وكان جزاؤهم من الله (فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)المائدة:85
في أبسط العلاقات الإنسانية ربنا جل وعلا يأمرنا أن نرد التحية بأحسن منها أو بمثلها (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)النساء:86
ــ لقد جعل ربنا جل وعلا الإحسان للوالدين أهم الأشياء بعد عبادة الله بلا شريك (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)الإسراء:23 ،والإحسان للوالدين وللتأكيد على أهميته جعله ربنا جل وعلا مباشرة بعد النهي عن الشرك بالله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)النساء:36 ولمزيد من التأكيد في نفس الأمر بالإحسان للوالدين جعله ربنا جل وعلا إحدى الوصايا في القرآن (الأحقاف:15).
ــ في العلاقات الزوجية حين يشعر كلا الزوجين باستحالة الاستمرار في عيشة واحدة ، وبعد الطلاق مرتان يكون التصرف الإنساني الراقي العادل هو فعل أحد أمرين إما الحياة معا بالمعروف أو الفراق والطلاق بإحسان بلا ظلم ولا قضايا أو محاكم ، رغم أننا نعيش في مجتمع عربي مسلم إلا أن معظم القضايا التي تشغل المحاكم هي خلافات زوجية ودعاوى طلاق وخلع وحضانة ونفقات وطاعة يقول تعالى (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)البقرة:229 ، وكثرة هذه القضايا ليس له إلا تفسير واحد هو أننا أبعد ما يكون عن القرآن الكريم.
حتى حين يحدث الطلاق قبل الدخول بالزوجة فهناك نفقة متعة يدفعها الزوج بعد الطلاق حسب ظروفه المالية(لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ)البقرة236 ، وهنا نجد أن القرآن دائما يدعو للحفاظ على العلاقات الإنسانية في أحسن صورها حتى حين يحدث الانفصال بين الزوجين ، فأين نحن من هذا الرقي التشريعي.؟
وبصفة عامة يأمرنا ربنا جل وعلا أن نقيم العدل والإحسان في حياتنا الدنيا(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)النحل:90
ربنا جل وعلا يحب المحسنين الذين ينفقون في سبيل الله (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)البقرة:195 ، حب الله يكون بالإنفاق في كل الظروف والعفو و تحمل الغيظ والغضب(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)آل عمران:134.
وحين يكون الإنسان أمينا على أموال اليتامى فلابد ان يكون امينا عادلا ينفق بالعدل وبالتي هي أحسن حتى يكبر اليتيم ويرشد ويأخذ ماله (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)الأنعام:152 ، الوفاء بالعهد والقسط في الكيل والميزان (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)الإسراء:34 ، 35
ــ القصاص في القتلى
ربنا جل وعلا يبين أن القصاص في القتلى لا هزل فيه من قتل يقتل ، إلا إن يعفو أهل الدم باتباع المعروف وآداء وتسليم الدية بإحسان ، وإلا فالقصاص واجب التنفيذ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)البقرة:178،والكلمة المعزة هنا هي (عُفِيَ) وهي فعل مبني للمجهول يعود على القاتل ومن عنده القصاص أو الدية ومعناه أن العفو لا دخل للقاتل فيه فهو أمر يملكه كلية أهل الدم وهم أصحاب القرار فيه بكامل إرادتهم وحريتهم دون ضغط أو خداع من أحد ، ورغم ذلك من يدعون تطبيق الشريعة حاولوا إقناع أهالي شهداء الثورة أن يقبلوا الدية من القتلة.
ــ حين يرتكب الإنسان ذنبا وتكتب عليه سيئات فليس أمامه إلا التوبة وتجديد الإيمان والعمل الصالح لكي تكتب له حسنات أو يبدل الله هذه السيئات حسنات (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)الفرقان:70 ، وفي آية أكثر وضوحا تؤكد أن الحل الوحيد للتخلص من السيئات هو الإكثار من الصلاة والعبادة من الإنسان نفسه ، ولا مجال هنا للوساطة بأن يصلي أحد لأحد أو يحج أو يصوم عنه ، فكل إنسان اكتسب إثما فلابد أن يصلي هو ويتوب هو لكي يمحو بحسناته سيئاته ويبدو أن هذه المسألة فيها إعجاز معين في تسجيل السيئات والحسنات يخص بصمة كل إنسان فيما يقوم به من أعمال ، ولا يعلم هذا إلا الله (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)هود:114
ــ المحسنين صفة من صفات الرسل والأنبياء والمؤمنين وكل من يسلم وجهه لله ، وهي صفة تحمل مقاصد ومعان كثيرة وتعود على صاحبها بنعم وفضل كبير من الله في الدنيا والآخرة نذكر بعضها :ـ
الصفح والعفو (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)المائدة:13
ربنا جل وعلا يهب المحسنين ذرية صالحة(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)الأنعام:84
ربنا جل وعلا يحب المحسنين(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)المائدة:93
ربنا جل وعلا يكون قريبا من المحسنين وهذا فضل لا يدانيه فضل(وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)الأعراف:56 ، ربنا جل وعلا مع الذين يتقون ويحسنون (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)النحل:128 ، إن أظلم الناس من يفترى على الله الكذب أو يكذب بالحق القرآني ، بينما من يجاهد في سبيل الله كي يفهم كتاب الله فإن الله معه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)العنكبوت:69
القرآن الكريم كتاب الله يكون هدى ورحمة للمحسنين(الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) الذين وصفهم القرآن بـ (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)لقمان:1 : 4
بنا جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)هود:115، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)يوسف:56 ، وتكرر نفي المعنى في (يوسف:90 ،
وتكرر حسن الجزاء والثواب للمحسنين من الناس ، بعض الأنبياء في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها (الصافات :80 ، 105 ، 110 ، 121 ، 131 ، الزمر:34 ، الذاريات:16 ، المرسلات:44).
كل نفس بما كسبت رهينة ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فلها ، وحساب المحسن والمسيء في اليوم الآخر (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)الإسراء:7 ، لأن الله جل وعلا مالك كل شيء وسيحاسب كل إنسان بما عمل من سوء أو إحسان (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)النجم:31
ــ كيف يحاسبنا الله جل وعلا
في سورة الرعد يؤكد ربنا جل وعلا أن الحسنى هي جزاء الذين استجابوا لربهم والذين لم يستجيبوا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به وأن لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم ، كما وصف الذين يعلمون أن القرآن هو الحق كالمبصر بينما من يكذب به مثل الأعمى (الرعد ـ 18 : 20) ، ثم يبين ربنا جل وعلا ماذا فعل الذين آمنوا بالقرآن من صلة الرحم وخشية الله وخوف الحساب وصبروا ابتغاء وجه الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا سرا وعلنا وقابلوا السيئة بالحسنة (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)الرعد:21 ، 22
ربنا جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً)الكهف:30 ، ومن رحمة الله بهم سيكفر عنهم سيئاتهم ويحاسبهم على أحسن أعمالهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)العنكبوت:7 ، إذن حتى أهل الجنة سيكون عليهم سيئات وذنوب ولكن ربنا جل وعلا سيغفر لهم ، ويبين الله ويؤكد لخاتم النبيين أنه ميت مثل أعداءه من الكفار المكذبين ، أن أشد الناس ظلما من كذب على الله وكذب بالصدق لما جاءه(الزمر :30 : 32) ، ثم يبين ربنا جل وعلا جزاء من جاء بالصدق وصدق به وكان من المتقين في الآيات التالية (33 ، 34 ، إلى أن يصل إلى قوله تعال (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)الزمر:35 ، إذن بعض أصحاب الجنة قد يكون فعل ذنبا أو سيئة ولكن برحمة الله ومغفرته يعفو عنهم ويكفر عنهم حين يبادر بالتوبة مبكرا حين يبلغ أشده في سن الأربعين ويعترف بذنبه ويطلب الصلاح والهدى من الله له ولذريته من بعدها (الأحقاف : 15) ،وهذه التوبة المبكرة تمنح صاحبها أفضلية عند الله جل وعلا يقول تعالى (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)الأحقاف:16
الذين ظلموا وتم اضطهادهم وأجبروا على الهجرة يقول عنهم رب العزة(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)النحل:41
من يعمل سيئة تكتب له سيئة ، لكن من يعمل حسنة فله خير منها(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)القصص:84
ربنا لا يظلم بل يضاعف الحسنات(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)النساء:40
وقد يضاعف الحسنة لعشرة أضعاف(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)الأنعام:160
من جاء بالحسنة لا يأخذ خير منها فحسب بل هو آمن من فزع يوم القيامة(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)النمل:89
من رحمة الله التي وسعت كل شيء أنه يحاسب المسيء بما فعل فقط دون زيادة ، بينما يحاسب الذين أحسنوا بالحسنى(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)النجم:31
(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)الفرقان:24
وآخر الكلام يضع ربنا جل وعلا قاعدة قرآنية معجزة يؤكد فيها أن الجزاء من جنس العمل ، وأن الإحسان هو الجزاء الطبيعي لمن أحسن وأن النجاح في اختبار الدنيا ليس سهلا ، وأننا خلقنا جميعا لنتسابق أينا أحسن عملا ، ولم يخلقنا ربنا جل وعلا عبثا.
وخير الكلام (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)الرحمن:60

الجمعة، 22 يونيو 2012

إعـجـاز الـمـعـانـي فـي الـلـفـظ الـقـرآنـي ...1 (صاحـب و أصحـاب)

إعـجـاز الـمـعـانـي فـي الـلـفـظ الـقـرآنـي ...1
(صاحـب و أصحـاب)
 إن الإعجاز اللفظي في القرآن الكريم لا حدود ولا نهاية له ، ومهما طالت أعمارنا فلن نحيط علما بهذا الإعجاز ، ولذلك أمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ القرآن بتدبر وتعقل لكي نفهم بعض هذا الإعجاز اللفظي في استخدام المفردات والكلمات ، لكي نهتدى ونؤمن بالله وحده بلا شريك وأن القرآن الكريم فعلا لا مثيل ولا شبيه له ، وأنه أصدق الحديث وأحسن القصص ، و لن نسطع نحن البشر أن نأت بآية من مثله ولو كان بعضنا لبعض ظهيرا.
وهذا المقال اجتهاد وتدبر بشري لبعض معـانى (صاحب وأصحاب) في القرآن الكريم ، وتوضيح الفارق في المعنى والمدلول عند استعمال هذه المفردات في آيات تعبر عن معنى أو حدث أو موقف في الدنيا ، واختلافه تماما حين تستعمل نفس المفردات للتعبير عن حدث أو موقف أو معنى في الآخرة.
أولا: الآيات التي تتحدث عن مواقف وأحداث في الحياة الدنيا
ــ يبين لنا ربنا جل وعلا أنه لا يمكن أن يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وهذا الأمر مستحيل الحدوث في الدنيا والآخرة ، وهذا هو الاستعمال الوحيد ــ لهذه الكلمة ــ الذي ورد في القرآن يفيد نفس المعنى في الدنيا والآخرة فربنا جل وعلا لن يتخذ صاحبة ولا ولدا في الدنيا ولا في الآخرة يقول تعالى(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)الجن:3 ، وتكرر نفس المعنى في قوله تعالى(بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)الأنعام:101 ، وذكرت هذه الكلمة بمعنى مختلف حين تحدث القرآن عن البشر ، فجاءت لوصف الزوجة شريكة الرجل في الحياة (وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ)المعارج:12 ، (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)عبس:36.
ــ  استعملت هذه المفردات (صاحب وأصحاب) للتعبير عن معاني مختلفة في الدنيا لوصف العلاقات الإنسانية بين البشر دون النظر للدين أو العقيدة ، أو لوصف أفعال ومواقف وأحداث بشرية بين البشر أو ارتباطهم وعلاقتهم بمكان أو حيوان ، وكلها علاقات ومواقف وأحداث مؤقتة لابد أن تنتهي وتزول مهما طالت لأنها في الدنيا فهي تكتسب نفس الصفات التي خُلقت بها هذه الدنيا بكل ما فيها من مخلوقات وهذه الصفات الدنيا هي الفناء والانتهاء (...كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ...)القصص:88 ، وهذه إحدى الفوارق الأساسية الهامة حين تستخدم نفس المفردات لوصف أحداث ومواقف خاصة باليوم الآخر ، فنجدها تعبر عن البقاء والخلود الأبدي وهذا ما سنوضحه لاحقا.
1ــ علاقات ومواقف بشرية بين البشر وبعضهم البعض
 ــ جاءت في آية جامعة تأمرنا بأن نعبد الله بلا شريك وأن نُحسن معاملة  الوالدين والأقارب والجيران والصاحب بالجنب وهو أي إنسان يصاحبنا في أي مكان ، (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)النساء:36 ، وأعتقد أن جوهر هذه الآية هو عبادة الله بلا شريك ، وهذا فيما يخص علاقتنا بخالقنا جل وعلا ، وفيما يخص علاقتنا ببعضنا كبشر فيها أمر بالإحسان لكل إنسان نعيش معه أو نتواجد معه أو نصاحبه ــ لوقت طويل أو قصير ــ في العيش أو السكن أو السفر أو يكون عابر سبيل علينا في بلدنا ، وهذه الآية حين نربط بينها وبين قوله تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)الحجرات:13 ، نجد الآيتين تمثلان دستورا إلهيا لا مثيل له قد سبق كل دساتير العالم في صياغة وتحديد العلاقات الإنسانية ــ بأنواعها ــ بين البشر باختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم وعقائدهم وأفكارهم وألوانهم.
ــ جاءت في آية خاصة تأمر كل إنسان أن يحسن معاملة والديه مهما فعلا ، وألا يسيء معاملتهما أبدا ، ولا يعصيهما إلا إذا طلبا منه الشرك بالله (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)لقمان:15.
ــ جاءت تعبر عن علاقة الأنبياء والرسل بأقوامهم ، ووصف كل قوم بأنهم أصحابا لرسولهم الذي بُعِثَ فيهم (سواء كانوا مؤمنين أو كانوا كفارا) ، يقول تعالى يصف أصحاب موسى من المؤمنين برسالته (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)الشعراء:61 ويقول جل شأنه عن الكفار السابقين الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الرسل (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)التوبة:70 ، وتكرر نفس المعنى عن كفار قريش ووصفهم لخاتم النبيين بالجنون(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)سبأ:46 ، وتكرر نفس المعنى في (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)النجم:2 ، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)الأعراف:184، (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)التكوير:22 ، الكفار كانوا يتهمون خاتم النبيين بالجنون ورغم ذلك وصف القرآن الرسول بأنه صاحبهم كما وصف صاحبه في الغار بنفس الوصف ، وهذا المفهوم عكس مفهوم الصحابة كما جاء في تراث المسلمين ، لأنهم يقدسون الصحابة دون تمييز ، ويرفعونهم فوق مستوى البشر ، و مؤخرا جعلوا احترام الصحابة الركن السادس من أركان الإسلام.
ــ جاءت للتعبير عن علاقة أو حدث جمع بين أحد الرسل وأحد الرجال المؤمنين وتواجدهم معا في مكان كما حدث في هجرة الرسول عليه السلام ومعه أحد المؤمنين (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)التوبة:40 ، وكما حدث في قصة موسى والعبد الصالح (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)الكهف:76 ، ورغم أن موسى والعبد الصالح افترقا إلا أن القرآن وصفهما بالأصحاب.
ــ جاءت للتعبير عن الجيران (الأصحاب) أحدهما مؤمن والآخر كافر يقول تعالى (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)الكهف:34 ، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)الكهف:37 ، إذن الكافر والمؤمن كانا جيرانا في جنتين لكل منهما ووصفهما القرآن بأن كلاهما صاحب الآخر.
ــ جاءت للتعبير عن الأصحاب المؤمنين في قصة نوح عليه السلام (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)العنكبوت:15
2ــ جاءت للتعبير عن أصحاب المكان من المؤمنين أو الكفار
ــ وتكرر هذا كثيرا في القرآن في قصة أصحاب الكهف(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)الكهف:9 ، وأصحاب الأخدود (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ)البروج:4 ، أصحاب الأيكة وهو اسم لقرية مشهورة بالنخيل والأشجار (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)الشعراء:176 ، وأصحاب الرس وهو اسم لبئر محاطة بالأحجار كانت لثمود (وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً)الفرقان:38 ، وتكرر هذا كثيرا في (الحجر: 78 : 80 ، الحج:44 ، ص:13 ، الممتحنة:13 ، يس:13).
وفي قصة يوسف عليه السلام جاءت تشير لاثنين من السجناء الذين دخلوا معه السجن (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)يوسف:39 ، 41).
ـــ وجاءت في معرض الحديث عن يونس عليه السلام حين ابتلعه الحوت ووصفه بأنه صاحب الحوت(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)القلم:48 ، وتكرر نفس الاستخدام مع الحيوانات في قصة أبرهة الحبشي حين حشد جيشا وتوجه للكعبة لهدمها(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)الفيل:1
وفي جميع الاستعمالات السابقة كان معنى صاحب وأصحاب للتعبير عن التلازم أو الجوار أو العيش معا أو السفر أو التواجد في مكان مع شخص أو جماعة أو حيوان ، ولكن بصفة مؤقتة لابد أن تنتهي.
ثانيا: الآيات التي تتحدث عن أحداث الآخرة
وهنا معنى آخـر لكلمتي (صاحب وأصحاب) فإذا كانا يعبران في الدنيا عن موقف أو حدث أو وصف مؤقت وحتما سينتهي ، لكنهما في الآخرة يعبران عن موقف أو حدث أو وصف ووضع خالدا خلودا أبديا وهذه هي صفات خلق الحياة الآخرة ، نبدأ هذه الآيات باستلام كتاب الأعمال يقول تعالى(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ)الواقعة:8 ، 9 ، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ  فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)الواقعة:90 ، 91 ، وتكرر نفس المعنى في (المدثر:39 ، الواقعة:27 ، الواقعة:38 : 40 ، البلد:18 : 20) والمعنى هنا أن أصحاب اليمين هم أهل الجنة ، وأصحاب الشمال هم أهل النار ، وكلاهما سيكون مخلدا ، لأنه يستحيل أن يؤتى أحدا كتابه بيمينه ، ثم يفقده أو يتغير كتابه ليأخذه بشماله مثلا.
1ــ كيف ينجح ويفوز الإنسان في اختبار الدنيا فيكون من أصحاب اليمين فيصبح من الخالدين في الجنة أو(أصحاب الجنة) يقول تعالى(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)الأعراف:42 ، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)هود:23 ، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)النازعات:40 ، 41 ، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)الأحقاف:13 ، 14 ، وكل إنسان يراجع نفسه ويقف موقفا مع نفسه حين يبلغ أشده في سن الأربعين ويطلب العفو والمغفرة من الله بأن يتوب توبة يعترف فيها بأنه من المسلمين لله فهذه هي التوبة من قريب أو التوبة المبكرة التي يقبلها الله جل وعلا ويقول تعالى عن ذلك (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)الأحقاف:15 ، 16 ، فهذا النوع من الناس يستحق أن يكون ضمن أصحاب الجنة ، وتكرر في آيات كثيرة تبين من هم أصحاب الجنة منها (الزخرف:69 ،70 ــ العنكبوت:58 ، 59 ــ مريم:60 ، 63 ــ النحل:32 ــ التوبة:111).
2ــ أما إذا فشل وخسر الإنسان في اختبار الدنيا فسيكون من أصحاب الشمال فيصبح من الخالدين في النار أو (أصحاب النار) الكفر بالله جل وعلا والتكذيب بآيات الله يقول تعالى(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)البقرة:39 ، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)المائدة:10 ، 86 ، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)الحج:51 ، التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)الأعراف:36
الكفر بالبعث وإحياء الموتى في اليوم الآخر (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)الرعد:5 ، الشرك بالله والاستعانة بغير الله وجعل ند لله (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)الزمر:8
وهناك آيات جامعة تتحدث عن أوصاف أصحاب الجنة وأصحاب النار معا وماذا فعل كل فريق من أعمال في الدنيا لكي يستحق الخلود في الجنة أو الخلود في النار ، يقول تعالى(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)يونس:26 ، 27  ، وفي نفس السياق ولتوضيح كيف كان ينظر كل فريق للآخر في الحياة الدنيا (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ  وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ  أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ  وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)الأعراف:44 : 50 ، ويكفي أن ربنا جل وعلا هو ولي الذين أمنوا ينير طريقهم ، ولكن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يضلونهم فيجعلون مثواهم الخلود في النار (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)البقرة:257 ، ولذلك يحذرنا ربنا جل وعلا من الشيطان لأنه عدو لنا فهو يدعو أتباعه أو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)فاطر:6
العجيب أن أصحاب النار يعترفون بذنوبهم (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ  فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ)الملك"10 ، 11 ، ولذلك فإن خاتم النبيين عليهم جميعا السلام ليس مسئولا عن الكفار وأصحاب الجحيم(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)البقرة:119 ، وليس من حقه عليه السلام هو والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين حتى لو كانوا من الأهل والأقارب(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)التوبة:113، لأن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)آل عمران:116 ، وبسبب كفرهم وشركهم وتكذيبهم بآيات الله وسعيهم في الأرض فسادا وأكلهم الربا (البقرة:275) ، فقد حقت عليهم كلمة الله جل وعلا أنهم أصحاب النار (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)غافر:6 ، ولذلك يقول ربنا جل وعلا لخاتم النبيين (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)الزمر:19 ، ولذلك لا يستوى أصحاب الجنة وأصحاب النار(لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ)الحشر:20 ، إذن أصحاب النار هم الخاسرون ، ومعنى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أن كلاهما لا يصلح للدخول مكان الآخر ، أي لا يمكن أن يخرج أصحاب النار من النار ويدخلوا الجنة أو العكس لأنهما لا يستويان ، ولأنه جل وعلا مجرد أن يحكم على إنسان أنه من أصحاب النار فهذا الحكم لا رجعة فيه ومصيره الخلود في النار ، والعكس أيضا مع أصحاب الجنة لأن استعمال كلمة أصحاب في اليوم الآخر تعني التلازم الأبدي كما وضحت الآيات.
خلاصة القول ....
هي كلمات ومفردات سهلة و بسيطة لكن بالسير دبر الآيات نجد المعجزات ، ومن يعتقدون أنهم أصحاب الماضي والحاضر والمستقبل فهم واهمون لأن صحبة الدنيا مؤقتة ولابد أن تنتهي ، ولن يبقى منها إلا العقيدة و العمل ، وبهما سيخلد الإنسان في الجنة أو في النار ، لن تنفعك أن تكون صاحبا لرئيس أو وزير  أو أمير أو شيخ أو داعية لو كانت هذه الصُحبة هدفها مساندة الحاكم على الفساد في الأرض واستغلال الشعوب واستبدادهم وسرقة حقوقهم وظلمهم باسم الدين ، بدلا من دعوة الناس لتقديس الصحابة ساعدوهم كي يعرفوا ويفهموا من هم أصحاب الجنة في الآخرة ، وماذا فعلوا في حياتهم الدنيا.
أيها الإنسان ماذا تريد.؟ هل تريد أن تكون من أصحاب الجنة.؟ ، ما عليك إلا أن تؤمن بالله جل وعلا وحده بلا شريك ، وأن تؤمن بآياته وقرآنه وحده ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج إن استطعت لذلك سبيلا ، وأن تجعل هذه العبادات وسيلة حقيقية تنهاك عن الفحشاء والمنكر ، وتساعدك على تقويم ومجاهدة نفسك وتطهير أفعالك وأقوالك وإصلاح عيبوك لتكون تقيا تعمل الصالحات ، وأن تجعل الشيطان عدوك الأول ، وأن تحسن معاملة والديك وأهلك وجيرانك وأصحابك  والناس جميعا في كل زمان ومكان ما دمت حيا ، وأن تقول الحق مهما كان ، وأن تساهم في إصلاح المجتمع ومساعدة المحتاجين والضعفاء والفقراء بقدر ما تستطيع وحسب إمكاناتك دون أن تستغل ضعفهم وحاجتهم إليك ، وألا تفسد في الأرض وألا تظلم وألا تستغل دين الله أو تستغل قوتك وسلطتك في ظلم الناس ، وألا تستغل الدين لخدمة مصالحك وطموحاتك الشخصية بأن تجعل الدين مطية لركوب أظهر الناس كما يفعل الأخوة الذين يستخدمون الكلمات في غير موضعها ويجعلون أنفسهم اخوان ، وهم لا يعـقلون معاني كلمة اخوان كما جاءت في القرآن.
 

الأربعاء، 13 يونيو 2012

هل ما يحدث هو بداية الإهلاك الكامل للمسلمين.؟

بداية لابد ان يعترف معظم المسلمين بأنهم وقعوا فريسة للمكذبين الذين افتروا على الله الكذب وضحكوا على مئات الملايين من المسلمين على مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام ، والعجيب أن كل يوم يزداد المسلمون بعدا عن الإسلام ويتمادون في غيهم وفي حربهم ضد القرآن ، وهذه الحرب ليست حربا مباشرة ضد القرآن الكريم كصحف ورقية ، وإنما هي حرب ضد تشريعات وتعليمات وأوامر الله جل وعلا للمسلمين ، هي حرب ضد حرية العقيدة وضد العدل وحقوق الإنسان والمساواة والتسامح والعفو والصفح ، هي حرب ضد المبادئ والقيم والأخلاق والمُثل العليا ، هي حرب ضد دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، نجح معظم المسلمين بامتياز في محاربة دين الله ونشر الباطل على حساب الحق ومساعدة الظلم على حساب العدل وتقوية الظالم على حساب المظلوم ، ومساندة الأغنياء والأثرياء ضد الفقراء والبسطاء والمساكين والمحتاجين والمعدومين ، وما أقوله ليس خيالا ، وإنما هو واقعنا الآن حيث يعاني منه معظم سكان البلاد العربية التي تنتمي للإسلام اسما فقط ، وتتناقض معه وتخالفه في كل شيء.

ومن هنا أقولها لكل مسلم (خدعوك فقالوا : لا تجتمع امتي على ضلالة) ..!! ولابد أن أسأل معظم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها هل ما يحدث في بلاد المسلمين هذه الأيام ليس ضلالا.؟ ، إن كل ما نراه ونشاهده ونسمعه كل يوم أكبر دليل على أن معظم المسلمين ضلوا الطريق وفقدوا البوصلة الصحيحة التي توجههم الوجهة الصحيحة تجاه خالقهم جل وعلا ، معظم المسلمين يعيشون بعيدا عن الإسلام الحقيقي الموجود في القرآن الكريم ، معظم المسلمين بدلوا نعمة الله كفرا وبدلوا دين الله بأكاذيب ما انزل الله بها من سلطان والنتيجة واضحة تماما ولا تحتاج لكلام لو نظرنا لجميع البلاد العربية اليوم سنجد تفجيرات فى العراق وحربا أهلية فى سوريا ، وقتالا فى تونس وفى ليبيا ، وزلزالا فى افغانستان ، ومصر على سطح بركان قابل للتفجّر بما سيزيد من تفجير المنطقة كلها ليصل الى دول الخليج ، وهذه هي بلاد المسلمين الذين يظنون في أنفسهم أنهم على الحق وقد خدعهم الشيطان وأقنعهم أنهم لا يجتمعوا على ضلالة ، فبما نسمي كل ما يحدث من سفك للدماء واستغلال الدين في السياسة والكذب على الله لدرجة استغلال اسم الله جل وعلا للضحك على الناس ظلما وعدوانا من أجل مكاسب وطموحات شخصية زائلة.
يعنى العالم كله يعيش في هدوء وينعم أهله ويتمتعون بحرية العقيدة والعدل وحقوق الإنسان والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية ، وهي تعاليم أساسية وجوهرية في ديننا الإسلامي ، بينما المسلمون يسفكون دماءهم بأيديهم ويخرجون أنفسهم من ديارهم بحثا عن السلطة واستبداد واستبعاد بعضهم بعضا..
أي إن الاهلاك الجزئي قائم فعلا عقابا للمسلمين على تزويرهم الإسلام فحقّ عليهم عقوبة الله جل وعلا في قوله تعالى( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) ( الأنعام )
هل هناك تفسير آخر لما يجرى ولما يستمر حدوثه فى الحاضر و لا يوجد حل له.؟

ربنا جل وعلا لا يظلم أحدا وقال في قرآنه أنه لن يحدث إهلاك لأي بلد إذا أهلها مصلحون يريدون الإصلاح الحقيقي (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)هود:117 ، ويقول جل وعلا يؤكد أن أي مجتمع أو بلد لابد له من رسول أو نذير يتلو عليهم آيات الله ويحذرهم ولن تنفذ فيهم عقوبة الإهلاك إلا إذا ظلموا(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ )هود:59 ، وبعد انتهاء عصر الرسل والأنبياء يؤكد ربنا جل وعلا أنه في أي وقت حتى تقوم الساعة لابد من وجود مصلحين ودعاة للحق في كل زمان ومكان ووصفهم القرآن بـ (النذير) ، ولأن ربنا جل وعلا هو العدل ولأنه لا يظلم أحدا يؤكد أنه لن يهلك أي قرية إلا بعد أن يرسل فيها نذيرا ، ويكذبوه (إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ)فاطر ، أعتقد أن ما كتبه أحمد صبحي منصور منذ أكثر من ربع قرن تقريبا يحذر فيه المسلمين من اتباع الشيطان وما افتراه على الرحمن من أكاذيب لفقها للرسول عليه الصلاة والسلام ، وصدقها معظم المسلمين ودافعوا عنها باستماته لدرجة أنهم ظلموا واضطهدوا كل من يحاول تذكيرهم بآيات الله ، وكل من يحاول نصحهم وإرشادهم كي يعودوا لرشدهم ويعيدوا قراءة القرآن الكريم من جديد ، ولا يزال أحمد صبحي منصور يكتب ومعظم المسلمين يصرون على تصديق الشيطان وأعوانه من البشر ، والنتيجة الطبيعية هي ما يعانيه معظم المسلمين في البلاد العربية اليوم ، وأفضل ما كتب في هذا الشأن سلسلة مقالات تحذر المسلمين من إهلاك قادم إذا استمروا في غيهم وصراعاتهم وسفكهم للدماء (تحذير من إهلاك قائم وإهلاك قادم).
(ونحن أهل القرآن نصرخ بالحل وهو الاحتكام الى القرآن وتقرير حرية الدين وحرية الفكر فلا يلتفت إلينا أحد ، والمسلمون ماضون فى طريقهم الى التهلكة بإصرار كأنما قام الشيطان بتنويمهم مغناطيسيا .

السبت، 2 يونيو 2012

تـدبـر بـعــض مـعــانـي الـظــلـم في الـقـرآن الكـريـم



تـدبـر بـعــض مـعــانـي الـظــلـم في الـقـرآن الكـريـم

عصيان أمر الله جل وعلا ظلم يستحق فاعله العقاب لو لم يسارع بالتوبة بعد الاعتراف بالذنب ، وضرب الله جل وعلا مثلا منذ بدأ خلق آدم عليه السلام لكي يُعلمنا ويحذرنا خطورة عصيان أوامره جل وعلا ويحذرنا من عواقب اتباع الشيطان ، ولأن الأمر ليس هينا فقد جاء التحذير من الوقوع في الظلم في أول اختبار لآدم وزوجه عليهما السلام قبيل هبوطهما إلى الأرض حيث كانا يعيشان في (جنة المأوى) حسب أحمد صبحي منصور  اقتباس "فى أحد الأرضين الست البرزخية كانت الجنة التى عاش فيها آدم وحواء . كانا فى ( جنة أرضية ) ربما هى ( جنة المأوى ) أو الجنة التى تعيش أنفس المقتولين فى سبيل الله جلّ وعلا .  فى الجنة أو هذه الأرض البرزخية فى مستواها البرزخى الأعلى من عالمنا المادي كان بإمكان آدم وحواء  رؤية سكانها من العالم البرزخى ، ومنه ابليس ( الشيطان  ." انتهى الاقتباس   (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ)البقرة:35 ،  (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ)الأعراف:19، وكان هذا هو أول اختبار لآدم وزوجه عليهما السلام وكان سببا في خروجهما من الجنة وهبوطهما
عصيان أوامر الله في التشريع وعدم الالتزام بحدود الله
بعد هبوط بني آدم إلى الأرض دخلوا في مرحلة اختبار واختيار دنيوي يتطلب على كل إنسان أن يختار ما يشاء لنفسه في هذه الدنيا ، وبناء على هذا الاختيار سيتحمل كل مخلوق مسئولية اختياره الحر يوم القيامة ، ولذلك فربنا جل وعلا بعد أن هبط آدم وزوجه إلى الأرض قال جل شأنه يبين طبيعة الحياة والاختبار وإرسال الرسل في الدنيا (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)البقرة:38 ، فمن يتبع هدى الله ولا يعصى أوامره ورسله فمصيره الجنة ، ومن يكفر ويكذب بآيات الله فمصيره إلى النار (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)البقرة:39 ، وهؤلاء هم الذين ظلموا انفسهم.
ونضرب أمثلة قرآنية نبين فيها بعض ملامح العصيان لأوامر الله ورسله وتشريعاته أو الوقوع في ظلم النفس في قصة موسى عليه السلام(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)البقرة:51 ،(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)البقرة:92
في تشريعات الطلاق بعد سردها وتوضيحها يؤكد ربنا جل وعلا أن من يخالف هذه التشريعات فهو من الظالمين(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)البقرة:229
وضمن طاعة الله الحكم بما أنزل الله في القصاص ومن يفعل غير ذلك فهو من الظالمين إلا أن يعفو أو يتصدق أهل الحق(أصحابه)(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)المائدة:45 ، وهنا لابد أن نسأل عن محاكمات مبارك وعصابته والقضاة الذين يحكمون والنيابة التي باشرت التحقيقات هل هم فعلا يحكمون بما أنزل الله.؟ ، وأين اخواننا الوهابيون الذين يريدون تطبيق الشرعة من كل هذا ، ولماذا لم يتقدم مرسي بأي طعن في العلمية الانتخابية.؟ هل لأنه فائز.؟.
ــ ولابد أن نشير إلى الحكم التاريخي الذي نطقت به المحكمة اليوم السبت الموافق 2/6/2012م ببراءة مبارك ونجليه ورجاله من الفساد المالي وبراءة الجميع من قتل المتظاهرين على أساس أن حيثيات الحكم تُمكن أي محامي مبتدئ أن يحصل لهما على البراءة ، وحسب ما جاء في القرآن الكريم إن هذا الحكم يضيع حقوق الشعب المصري كله وعلى رأسهم الشهداء ويجعل الثورة المصرية ظالمة لهؤلاء المتهمين الأبرياء ، حفظ الله قضاء مصر النزيه.
 ــ مخالفة أوامر الله يستوى فيها جميع البشر حتى لوكان نبيا وخالف أمر من أوامر الله فهو من الظالمين(وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ)الأنعام:52
 رغم أن المولى جل وعلا خلق السموات والأرض وبين للناس الظلمات والنور إلا أن الذين كفروا يصرون ويتركون طريق الهدى ويسيرون في طريق الضلال(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الأنعام:1
إن الإيمان الحقيقي مرتبط بعدم الظلم لكي يأمن الإنسان على نفسه في الآخرة (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )الأنعام:82
تشبيه رائع بين من أنعم الله عليه بالهداية بمن يخرج من الظلمات إلى النور وبمن كان ميتا فأحياه الله وهو تشبيه رائع لأن الميت يدفن في الظلمات وتحت التراب ، والهدى ينير القلب والعقل وينير طريق الإنسان (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)الأنعام:122، وكما بين القرآن التشابه بين الهدى والنور والحياة ، وبين الضلال والظلام  والموت ، فهناك تشبيه آخر يربط بين الضلال والعمى ، والهدى والإبصار (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)الرعد:16، (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)إبراهيم:1،(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)إبراهيم:5
الخسران في الآخرة سيكون من نصيب كل من استغل آيات الله في الظلم أي استغل آيات القرآن الكريم في غير موضعها ليفوز ببعض المكاسب الدنيوية حيث يقتطع الآيات من سياقها العام ليثبت ويؤيد ما يريده هو افتراء على الله (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)الأعراف:9
إذا ظلم الإنسان نفسه أو غيره بأن فعل ذنبا أو عصى أمرا من أوامر الله جل وعلا فلا نجاة له ولا منقذ إلا بمغفرة ورحمة من الله (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)الأعراف:23، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ)الرعد:6 ، وفي آية عظيمة تخلى مسئولية خاتم النبيين وعدم معرفته أو علمه بأحوال الظالمين وأن المولى جل وعلا هو أعلم بهم(قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ)الأنعام:58 ، والأكثر من هذا ليس من حق أي نبي أن يطلب الإمامة أو الخلافة لغيره أقاربه أو أهله أو أصحابه أو من يولد بعده يقول تعالى (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)البقرة:124 ، وهذه الآية تبين كذب وادعاء الحديث القائل أن خاتم النبيين قال: (أن خير القرون قرني ثم الذي يليه).

الأنبياء أنفسهم لو ظلموا ينتظرهم عذابا كبيرا هذا ما أكده القرآن الكريم ، ولذلك ينطبق عليهم ما ينطبق على جميع البشر في مسألة التوبة فلو ظلم أحدهم ثم بدّل حُسنا أي تاب بعد الوقوع في السيئات فإن الله جل وعلا سيغفر له (إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)النمل:11، وخير مثال هنا ما حدث من موسى عليه السلام حين دخل المدينة وهو خائف على حين غفلة من أهلها فوجد رجلين يقتتلان فوكز أحدهم فقتله وبعدها اعترف بأنه ظلم نفسه وطلب الغفران من الله جلا وعلا (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)القصص:16، ولذلك فإن الذين ظلموا من البشر ولم يتوبوا في الدنيا وهم أحياء لن تقبل منهم الشفاعات ، حين يرون العذاب في الآخرة يطلبون فرصة لتصحيح أوضاعهم (وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ)إبراهيم:44
ــ من صفات الظالم الكافر
السخرية من آيات الله وقرآنه وعدم الاهتمام عند سماع آياته تتلى وسب الرسل والأنبياء واتهامهم بالكذب والسحر(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً)الإسراء:47 ، عدم الاكتفاء بالقرآن ويطالبون بمواصفات محددة للرسول ويُصِـرّون على اتهامه بالسحر(أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً)الفرقان:8
 الظالم يجادل بغير علم ولا هدى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)البقرة:258 ، يكذبون آيات الله في حالة من الجحود (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ)العنكبوت:49 ، النبي عليه السلام كان يحزن من موقف الكفار من القرآن فنزلت هذه الآية العظيمة تبين إحدى صفات الظالم وإظهار (موقفه من النبي) و (موقفه من القرآن ) ــ (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)الأنعام:33 ، إن الظالمين في كل عصر وعهد موقفهم واحد هو التكذيب بما لم يحيطوا به علما ، ولذلك ينتظرهم  جميعا سوء العاقبة (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)يونس:39
ويبالغ الظالمون في الجدال حين يدخلون في تحـدٍ واضح مع رب العالمين في مسألة الخلق ، ويدعي كل ظالم أن الآلهة التي يعبدها شركا مع الله قادرة على الخلق مثل الله (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)لقمان: 11 ، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً)فاطر:40 ، ولذلك (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)الحج:73 ،
الكافر الظالم يعلن صراحة أنه لن يؤمن بالقرآن ، ولكنهم يوم القيامة وقت الحساب أمام الله جل وعلا يتناقشون ويرمون التهم على بعضهم بعضا(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)سبأ:31

الإنسان الظالم يكره الموت وتجده أحرص الناس على الحياة ويتمنى أن يعيش ألف عام(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)البقرة:95
الظالمون يعلمون ويؤمنون أن الله جل وعلا خلق السموات والأرض (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)لقمان:25 ، ولكنهم يصرون على الكفر(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً)الإسراء:99
ـــ يبين ربنا جل وعلا أن أشد أنواع الظلم هو الافتراء على الله ، أو التقول على الله ، وهو أن يفتري الإنسان أكاذيب وينسبها للمولى جل وعلا ويقنع نفسه والناس بأن ما يقوله وحي من عند الله ، وهذا النوع من البشر حين تأت لحظة الاحتضار ويسأله ملك الموت يعترف ويشهد على نفسه أنه كان من الكافرين (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ)الأعراف:37 ، وتكرر هذا في القرآن الكريم كثيرا في (النمل: 14 ، 85 ـ الكهف: 15، 57 ــ هود :18 ـ الفرقان:4 ـ العنكبوت:68 ، السجدة:22 ، الزمر:30) ، ولذلك يأمرنا ربنا جل وعلا أن نُعـْرِض عن الظالمين ولا نقعد معهم حتى يخوضوا في حديث آخر (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)الأنعام:68 ، ويرتبط الأمر هنا بتوضيح كيفية التعامل مع أي بشر يسيء التعامل مع القرآن أو يخوض في آيات الله يسخر منها ويستهزئ ويكذب بها التصرف المثالي هو عدم الجلوس معه والإعراض عنه دون الصدام معه أو محاولة تغيير المنكر كما يدعي الوهابيون ، وأعتقد لا يوجد ظلم أكبر من الاستهزاء والتكذيب بآيات الله ، ربنا جل وعلا يعلم ما نخفي وما نعلن ويعلم كل ما يفعله الإنسان ولكن يؤخره ليوم الحساب(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)إبراهيم:42 ، وهذه الآية أكثر ووضوحا وأكبر  دليلا على أن الحساب يوم الحساب وليس من حق أي مخلوق حتى لو كان نبيا مرسلا أن يعاقب الناس على أعمالهم وأفعالهم وعصيانهم في الدنيا.
 الفتوى بغير علم ولا هدى (وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)الأنعام:144.
النهي عن الظلم في الأشهر الحُـرم (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين)التوبة:36
إن المولى جل وعلا لا يظلم أحدا من البشر ولكن البشر دائما ما يظلمون أنفسهم ويظلمون غيرهم (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)يونس:44 ، (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)التوبة:70، وقد يطغى بعض البشر في ظلمهم وتكون نهايتهم بالإهلاك بسبب هذا الظلم (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)يونس:13، وعندما يطغى الإنسان ويبالغ في الظلم والفساد والإفساد في الأرض يكون عقابه الإهلاك كما حدث مع فرعون وقارون وغيرهم (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)العنكبوت:40 ، وما حدث من إهلاك لفرعون وقارون تكرر لكل قوم ظلموا وكذبوا وآذوا نبيا أو رسول (وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)هود: 37 ، (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)هود:67 ، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)هود:94 ، ورغم هذا الجزاء والعقاب الشديد إلا أن الله جل وعلا  لم يظلمهم مثقال ذرة (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)هود:101 ، 102
هناك ملامح لأهل النار تبين سواد الوجوه (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)يونس:27
إن المولى جل وعلا يعطي الإنسان فرصا كثيرة ويمهله لكي يصحح أوضاعه ويتوب وينـيـب إلى الله ، لأن الله جل وعلا لو يؤاخذ الناس ويحاسبهم بمجرد أن يخطئ الواحد منهم فلن يترك على هذه الأرض مخلوق واحد ، وإنما جعل يوما للحساب ، وهنا تنبيه هام جدا لكل من يدعي أنه مسئول عن هداية الآخرين بالقوة أو يدعى حقه في محاسبتهم وعقابهم في الدنيا (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)النحل:61، (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)الكهف:58 ، وهذا هو التجسيد الحقيقي لحرية العقيدة وحرية كل إنسان في هذه الدنيا ، ومدى الخصوصية بين كل إنسان وربه جل وعلا إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه وغفر له بعد إعطاء كل إنسان فرصة للتوبة والرجوع ، ولا يظلم ربك أحدا.
وهنا تتجلى حقيقة قرآنية أخرى عن المسئولية الشخصية يوم الحساب حين تأت كل نفس تجادل عن نفسها وتدافع عن نفسها في حالة انشغال وانهماك شخصي لا مثيل له ، ومن أهم الحقائق  القرآنية التي تتحقق في هذا اليوم (العدل المطلق) وعدم الظلم (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)النحل:111 ، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)الكهف:49، مريم:60) ، ومن أبرز ملامح هذا العدل الإلهي في يوم الحساب وضع موازين دقيقة عادلة تقيس وتحسب أصغر الأعمال التي قام بها الإنسان ولا تظلم أحدا بل تحسب أعمالنا مهما كانت صغيرة (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)الأنبياء:47

الأنفس التي تَظـْلِمُ وتموت دون توبة حقيقية مصيرها إلى النار ويوم القيامة لا ينفعها الفداء بأي شيء مهما كان ، حتى لو كان لكل نفس ظلمت ما في الأرض جميعا ورغم ذلك سيقضي بينهم ربهم بالعدل دون ظلم (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ  وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)يونس:52 : 54.
ــ السخرية من الآخرين والتنابز بالألقاب فسوق وظلم يحتاج إلى التوبة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)الحجرات:11
ربنا جل وعلا أباح لكل مظلوم ومقهور ومضطهد في بلده أن يهاجر بعيدا عن الظلم الواقع عليه ، ومقابل تحمله وصبره وهجرته في سبيل الله له في الدنيا حسنة وينتظره في الآخرة الأجر الأكبر (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)النحل:41.
ربنا جل وعلا يبيح للمظلوم وحده أن يجهر بالسوء (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً )النساء:148 ، وكذلك يبيح له ربنا جل وعلا أن يدفع الظلم عن نفسه ويدافع عن نفسه إذا تم الاعتداء عليه ، وإجباره على ترك داره وبلده ، ومن حقه هنا أن يدافع عن نفسه ويقاتل من أجل بقائه ومن أجل رد الظلم أو وقف الظلم ورد الاعتداء والله تعالى قادر على أن ينصره (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)الحج:39، وهؤلاء  الذين آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا بعد ما ظلموا يحفظهم الله من الشياطين وهو وحده الذي يعلم مصير الذين ظـَلـَمـُوا(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)الشعراء:227، وهنا الأمر بالقتال ومواجهة كل معتد ظالم لتأكيد مبدأ حرية العقيدة ، فإن انتهوا وأوقفوا الظلم والعدوان فلا عدوان إلا على من يظلم منهم (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)البقرة:193
تقسيم الناس يوم الحشر وقت الحساب إلى قسمين : قسم ظلم نفسه أو وقع في الظلم وهم الذين خاب سعيهم في الدنيا ، وقسم آمن وعمل الصالحات ولم يقع في الظلم وهؤلاء لا يخافون ظلما ولا هضما لأعمالهم (وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً  وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً )طــه:111، 112.
ـــ وبعد كل هذا العرض فإن المولى جل وعلا يجعل الحساب يوم الحساب على أي ظلم يقع فيه الإنسان حتى لو كان في العقيدة أو الإلحاد في البيت الحرام (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)الحج:25
ولأن الظلم ذنب خطير قد يدخل الإنسان جهنم فقد جعل الله تعالى لنا عبرة في القرى التي ظلمت بأن ترك لنا بصمات وآيات ومعجزات في الأماكن التي كانوا يعيشون ويظلمون فيها تُبين وتثبت لنا مدى قوتهم وأنهم كانوا أكثر تأثيرا وأثرا في الأرض ، لكي نعتبر ونأخذ العظة حين نـَمـُرُّ عليها وننظر إليها (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)النمل:52 ، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)الروم:9
كل أنواع الظلم قد يقع ضررها على الإنسان (الفاعل) نفسه لكن أسوأ انواع الظلم أن يقع الضرر على الناس والمجتمع والآخرين بلا ذنب ، كما يحدث في بلاد المسلمين من ظلم سياسي وقهر ديني وسرقة حقوق الشعوب وتزوير إرادتهم واستغلالهم في العمل السياسي من أجل مصالح شخصية ، سرقة حقهم العيش بحرية وكرامة وعدالة ، تحويل حياتهم إلى جحيم نتيجة التصارع والتكالب على السلطة والحكم ، تجاهل الفقراء والمساكين والمرضى والمحتاجين وعدم تذكرهم إلا وقت الحاجة إليهم ، وهذا ما يفعله الظالمون من المستبدين العسكر وتجار الدين.
ولكي تتحقق المغفرة من الله لكل ظالم لنفسه لابد من الاستغفار ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا )  النساء 110 ، ومهم جدا عدم الإصرار على المعصية حتى تتحول إلى إدمان وعادة طبيعية يومية ، وجود الاستغفار حتى مع عدم الاقلاع معناه اعتراف الشخص بأنه يرتكب ذنبا لا يجوز الوقوع فيه وتتحول من إدمان للمعصية إلى ضعف في الإرادة ووهن العزيمة مع وجود الرغبة في الإقلاع عن الادمان وهنا أهمية طلب العون من الرحمن والمداومة على الاستغفار ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)آل عمران: 135 ، هذا هو الطريق أمام كل إنسان يقع في الظلم بالمعصية وارتكاب الذنوب ، ولو لم يستغفر وهو حيا ويقلع عن الذنوب أو يتوب فجزاءه كما جاء في القرآن
                                      ــ جزاء الظالم في الآخرة البقاء في جهنم
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)الأعراف:40
تحل عليهم لعنة الله (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)الأعراف:44
(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)مريم:72