الاثنين، 13 فبراير 2012

رؤية في تحـديث التعـليم المصري ... المقال الثاني


المقال الثاني :

الفصل الأول

أحمد لطفي السيد

فكره التربوي ــ دوره في التعليم

"إن طريقة التعليم التي تقوم على التلقين لا تنمي من الملكات إلا ملكة الحافظة أو ملكة التقليد أما الملكة المفكرة ملكة الإبداع والاختراع ملكة الإدراك والتفكير ملكة الذوق السليم ملكة العالم والكاتب والسياسي والفيلسوف فلا مجال لها في التعليم الذي يقف عند حد قل المعلومات والاعتماد على المحفوظات"

أحمد لطفي السيد

**********


1ــ ولد أحمد لطفي السيد في قرية برقين من أعمال مركز السنبلاوين بمدرية الدقهلية في 15 يناير 1872م وكان والده السيد(باشا) أبوعلي من كبار ملاك الأراضي الزراعية وعمدة للبلدة ، والتحق أحمد لطفي بكُتّـاب القرية حيث حفظ القرآن ثم التحق في عام 1882م بمدرسة المنصورة الابتدائية وكان التعليم فيها آنذاك ذا صبغة عسكرية قاسية وكان الضرب والحبس في الزنزانة من أنواع العقاب الشائعة في المدارس آنذاك كما كانت روح الجندية هي السائدة على نظام المدارس ثم التحق في عام 1885م بالمدرسة الخديوية التجهيزية (الثانوية) بالقاهرة وحصل على شهادة البكالوريا (إتمام الدراسة الثانوي) في عام 1889م.

ثم التحق بمدرسة الحقوق وأخذ اهتمامه بالسياسة يظهر في مدرسة الحقوق حتى حصل على ليسانس الحقوق عام 1894م حيث عُيّـن في سلك النيابة وزاد اهتمامه بالسياسة واتصل بمصطفى كامل والخديوي عباس حلمي الثاني الذي دفعه إلى السفر إلى سويسرا وقضاء سنة فيها لاكتساب جنسيتها ليتمتع بالامتيازات الاجنبية فتساعده في مقاومة الاحتلال البريطاني والاشتغال بالحركة الوطنية وقضى في جنيف عاما درس فيه بعض العلوم الفلسفية.

ولما عاد قدّم تقريرا إلى الخديوي عباس في عام 1897م بخطته السياسية التي توصل إليها والتي مؤداها أن مصر لا يمكن أن تستقل إلا بجهود ابنائها وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بأن يرأس الخديوي حركة شاملة للتعليم.

وعاد لطفي السيد إلى ممارسة عمله في النيابة حتى استقال في عام 1905م حيث اشتغل لفترة قصيرة بالمحاماة ثم انصرف في عام 1907م إلى الاشتغال بالصحافة والسياسة فاشترك في تأسيس حزب الأمة ورأس تحرير صحيفة الجريدة واستمر على ذلك لثمان سنوات حتى اعتزل الصحافة والسياسة وعاد للاشتغال بالوظائف العامة فعُـيّـن في عام 1915م رئيسا لنيابة بني سويف ثم مديرا لدار الكتب المصرية حيث ترجم عددا من المؤلفات الفلسفية لأرسطو ثم استقال من الوظائف العمومية في نوفمبر 1918م ليشترك في تأليف الوفد المصري ويسهم بدور سياسي في احداث الثورة المصرية(1919 / 1922) ثم عاد في عام 1922م إلى وظيفة كمدير لدار الكتب المصرية كما تولى وكالة مجلس إدارة الجامعة المصرية الأهلية حتى إذا ما تحولت الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية عام 1925م ، ترك لطفي السيد دار الكتب وتفرغ مديرا للجامعة المصرية.

2ــ وفي يونيه 1928م تولى أحمد لطفي السيد وزارة المعارف في وزارة محمد محمود فشغل المنصب لمدة 15 شهرا عندما استقالت وزارة في أكتوبر 1929م وعاد بعدها لطفي السيد مديرا للجامعة فيما بين (1930/ 1932) ثم استقال ليعود إليها مرة أخرى فيما بين (1935 / 1937) ثم شغل عـدة مناصب وزارية إلى أن عاد مديرا للجامعة فيما بين (1938/ 1941) عندما تركها لينضم إلى عضوية مجلس الشيوخ ثم تولى رياسة مجمع اللغة العربية فيما بين 1944 وحتى وفاته في عام 1962م.

فِـكْـــرُه الـسـيـاســي:

كان لطفي السيد ينتمي إلى ذلك الفريق من المصريين الذين رأوا في الحضارة الأوربية الحديثة طريق الخلاص لمصر من إسار تخلفها وتأخرها ولذلك دعى هذا الفريق إلى تحديث مصر وفقا لنموذج الحضارة الأوروبية الحديثة ، وكان لطفي السيد يدعو إلى إحلال العقلية الأوروبية محل العقلية الغيبية التي تميزت بها الحضارة العربية الإسلامية وتبنى لطفي السيد النموذج الحضاري الغربي في تحديث وتمدين المجتمع المصري.

ــ وكان لطفي السيد ينظر للحضارة الغربية بشقيها المادي والثقافي كـكـل واحد مـتكـامل ومن ثم اعتبر أن التقدم العلمي الصناعي الذي أحرزته أوروبا لا يمكن فصله عن القيم الثقافية والفكرية التي كانت بمثابة قاعدته وأساسه ومن ثَـمّ فإنه من غير الممكن اقتباس الانجازات المادية دون أن تأخذ معها الأسس الثقافية والفكرية التي تصاحبها والقيم التي تقوم عليها وتنطلق منها ، ولذلك دعى لطفي السيد إلى نقل المؤسسات والأفكار الغربية إلى مصر وإحداث عملية تحول شاملة تصل إلى جذور المجتمع وأعماقه وتمس كل جوانبه وأبنيته الاجتماعية لكن دون أن يعني ذلك رفض الدين بالضرورة فليس هناك ما يمنع من أن يظل الدين أساسا للعلاقة بين الإنسان وربه وأن يظل أحد مصادر الثقافة الوطنية للمجتمع.

ودعى لطفي السيد إلى تطبيق العلم والثقافة الأوروبية الحديثة على المجتمع المصري واعتنق المفهوم الأوروبي العلماني الخاص بالدولة القومية فدعى إلى القومية المصرية لتحل محل الخلافة الإسلامية ونادى بفصل الدين عن السياسة ونظام الحكم واعتنق لطفي السيد المبادئ الليبرالية ونادى بالديمقراطية النيابية كتعبير عن سيادة الإرادة العامة للأمة كما دعى إلى تنظيم الصناعة الحديثة واقتباس الروح العلمي الكامن وراءها واستهوته الثقافة الغربية وأخذ بالمنهج النقدي السائد في الفكر الأوروبي وأعجب لطفي السيد بأوروبا وليبراليتها ونظمها الديمقراطية وروحها الإنسانية وتساوى الناس فيها ورأى أن الحضارة الغربية تستـند إلى قيم روحية عميقة وآمن بضرورة اتخاذ المجـتمع الأوروبي مثلا يحتذى.

فِــكْــرُه الـتــربـــوي:

3ــ التعليم والاستقلال الوطني :ــ أدرك لطفي السيد أهمية التربية والتعليم للنهوض بالأمة وتحقيق استقلالها ولذلك دعى مواطنيه إلى أن يصرفوا أفكارهم وهمهم كلية لأقرب وسائل التربية والتعليم وأوفرها نتيجة وأكثرها ملاءمة للغرض المقصود وهاجم الذين يشككون في فوائد التربية والتعليم واتهمهم بأنهم يحاربون الحق الواضح والعلم الصحيح ويحاربون وطنهم واستقلالهم المنشود وما كانت حجة هؤلاء في القول بأن نتيجة التربية بعيدة الأثر إلا حجة واهية فعليهم أن يقربوها بنشر التربية وأحكامها فإن الطريق الطويل هو أقرب الطرق متى كان هو الموصل الوحيد ، وأكد لطفي السيد باستمرار على أن التعليم هو السبيل إلى الحكم الذاتي وناشد المصرين قائلا إن أردتم الاستقلال فحولوا ألسنتكم وأقلامكم وشيئا من قوامكم وقليلا من أمواكم إلى التربية والتعليم فإنها السبب الوحيد للاستقلال ولا شيء غيرها.

فلسلفته التربوية :ــ حدد لطفي السيد فلسفته التربوية في عدد من المقالات يمكن أن تستخلص منها المعالم الرئيسية لفلسفته التربوية في المبادئ التالية:ــ

المبدأ الأول:ــ هو أن الطفل نتاج بيئته فالطفل في ملكاته واستعداده هو نتيجة لمقدمات وقواعد من الوراثة الجنسية لا يستهان بأثرها في تكوين ميوله وملكاته كما أنه في نفس الوقت خاضع في حاضره ومستقبله لقوانين الارتقاء العام تطور وتغير من ماهيته المعنوية كما تغير من صورته الحياتية وتطبع في نفسه مشاعر خاصة من العائلة التي ينشأ منها والبيئة التي تحيط به.

المبدأ الثاني :ــ هو اختلاف مذاهب التربية ونظرياتها فوسائلنا لإدراك الحقائق والتعليم ليست إلا حواسنا غير الكاملة والمتغيرة في كل لحظة ومن ثم فالتربية علم متغير ليس له قوانين جامدة بل تختلف فيه النظريات وتتنوع الآراء فهناك من يغلب العقل والعلوم المادية وهناك من يغلب الروح والعلوم اللـدنية ومن العسف أن نضع قاعدة واحدة بشكل قطعي لأمزجة مختلفة ولابد أن نختار من المذاهب المختلفة أكثرها موافقة لحالنا وأدناها إلى تحقيق المثل الأعلى للرجل في خيالنا المصري.

المبدأ الثالث:ــ هو اختلاف البيئة التي ينشأ فيها الطفل فكما يختلف علماء التربية في نظرياتهم يختلف الآباء أيضا في طريقة تربية أطفالهم فكل أب يربي ابنه على ما يعتقد من الآراء والمذاهب ولذلك فلابد من التوفيق دائما بين المذاهب التعليمية وبين ما يجري للأطفال في بيوت آبائهم.

المبدأ الرابع:ــ هو اختلاف المثل الأعلى الذي نتوخاه من التربية فهناك من يرى أن الناس ولدوا متساويين في الملكات العقلية وفي الحالة الأخلاقية لكن الظروف التي تحيط بهم في المهد وفي الطفولة وفي التربية بمعناها الأوسع هي التي تفسر ما بينهم من الفروق في العمل وهناك من يرى أن قانون الوراثة وقانون النشوء والارتقاء هو الأكثر شيوعا وتأثيرا ويترتب على ذلك اختلاف في التربية فهل تكون مقاصد التربية توسيع دائرة المشابهات بين أفراد الأمة وتضييق دائرة الفروق حتى يسهل بينهم الاتفاق على أمهات المسائل وتتأكد بذلك روابط التضامن من بينهم أم الأولى اعتبار هذه الطريقة معيبة بجمعها بين المستعد للنبوغ وغير المستعد وليس لأمة أن تستغني بمعتليها العاديين عن علمائها النابغين.

المبدأ الخامس:ــ أن نَمَـط التربية يتغير من جيل لآخر بتغير المذاهب الفلسفية ولذلك يجوز لنا القول بأن التربية قد مرّت بالأطوار الثلاثة التي مرّت بها المعلومات الإنسانية فالمعلومات الإنسانية كانت لا صوتية في أول أمرها ثم تطورت فصارت ميتافيزيقية ثم تطورت فصارت علمية وهو ذاته ما حدث في التربية فكان المثل الأعلى في بادئ الأمر هو الزهاد المفسرين لكل الظواهر الطبيعية والعقائد اللاهوتية ثم انتقلت إلى تحكم الأقيسة العقلية ثم انتقلت إلى تحكيم العلم ونحن في مصر بحكم أننا تلاميذ أوروبا في كل شيء يجب علينا أن نتفهم كليات هذه المذاهب للتربية حتى نستطيع الأخذ بأيها يلائم عقائدنا والمثل الأعلى الذي نبغـيه ، لذلك يلخص الباحثون إلى أن الفلسفة التربوية للطفي السيد يمكن تلخيصها في ثلاث قواعد رئيسية :ــ

القاعدة الأولى: ان الإنسان خيّر بطبعه كما قال جان جاك رسو وأنه قابل للتربية والتهذيب ، وأن في استطاعة الأمة أن تقوم بإعداد أبنائها على أساس هذا الرأي.

القاعدة الثانية: هي ان الغرض للتربية والتعليم هو الحصول على صفة التوازن الخلقي والنفسي في الأمة وفي الفرد فعليهما معا أن يهتما بتنمية العقل وتمنية الجسم بقدر واحد فيهما تقريبا ،، فالأمة التي تعني بالعلوم العقلية وحدها مهملة الأمة التي تعني بالعلوم الرياضية وحدها مهملة والأمة التي تعني بالفنون الجميلة وحدها مهملة كذلك.

القاعدة الثالثة: هي ان الغرض من التعليم والتربية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من التشابه بين أفراد الأمة الواحدة ذلك أن التشابه هو المصدر الحقيقي للألفة والألفة هي السبب الحقيقي في التضامن والوحدة والتضامن هو الطريقة للتقدم الذي ينشده المجتمع ولذلك من الضروري توحيد برامج التعليم حتى ينتج هذه النتيجة ويقرب بين طبقات المجتمع في الأخلاق والعادات والمشارب فتتقارب وجهات النظر في الأمة ، وحدد لطفي السيد أهداف التربية في غايتين ــ الأولى هي إنماء الشخصية أولا أو الاستقلال الذاتي في نفس الفرد والغاية الثانية هي إنماء المشابهات أو الخواص الاجتماعية في نفوس الأفراد وبعبارة أخرى يجب ان تكون التربية موجه لتمرين الفرد على الحياة الشخصية في أعلى مراتبها وتمرينه على الحياة الاجتماعية في اوسع معانيها فيستطيع المتعلم أن يوفق دائما بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة.

كما اكد لطفي السيد على اهمية أن يوكل وضع قوانين التربية لعلمائها الإخصائيين والذين لهم مرانة بالتطبيقات السيكولوجية والنظريات الاجتماعية لا أن تكون برامج التعليم والتربية نقلا بحتا من برامج الأمة التي لا اشتراك بيننا وبينها في شيء كثير من الحالات النفسية ثم يوكل تطبيقها إلى معلمين دون المستوى لأن مسألة التربية خطرة خطرا عظيما على البلاد في حالها وفي مستقبلها وكل خطأ في امرها تحصد نتائجه مصر بالأرباح المركبة في الأجيال المستقبلة وكل سنة تمضي بنا على تربية مضرة تعـيـقـنا في تقدمنا المنشود عشرات من السنين ومن الخطأ أن نترك امر التربية يسير على مجرى الصدفة.

حـــريــة الـتــعــلــيـم :ــ

4 ــ أكد لطفي السيد على أهمية أن يكون التعليم حرا وألا يكون للحكومة سلطان على التعليم وإنما يجب أن تتمتع الأمة بالحرية الكاملة في مختلف جوانب حياتنا من تعليم واجتماع وصحة واقتصاد وغيره من جوانب الحياة وكان لطفي السيد يرفض بشدة الحكومة الأبوية لأن معناها الخمول فهي تسهل للفرد أن ينام على فراش الكسل ويتركها تعمل ما تريد.

وكان لطفي السيد يرى أن التعليم يتبع سياسة الدولة فالأستاذ التركي مثلا يضع همه في تكوين إنسان يألف الظلم الذي يقع منه على غيره ويرضاه إذا وقع من غيره عليه ، أما الأستاذ الفرنسي فهمه أن يصور تلميذه على صورته ينفر من الملوكية ويرى الجمهورية واسطة السعادة القومية ولذلك كان لطفي السيد يرى أهمية أن تنزل الحكومة عن التعليم الى الأمة لأن التعليم الحر هو انفع من التعليم الحكومي

وكان لطفى السيد يرى أن التعليم في مصر فابريقات لإعداد التلاميذ لكى يفكروا بعقل الحكومة ويقدروا الحوادث بنظرها هي لا بأنظارهم المستقلة ورتب على ذلك ان تعليم الحكومة عقيم خطر لان الحكومة لم تأخذ على عاتقها تعليم الامة وتربيتها إلا لتصورها بالصورة التي ترضاها وتؤدبها بالأخلاق التي تتمشى مع مآربها من الحكم ، ورأى لطفى السيد ان التربية والتعليم من اختصاص رب العائلة وان الحكومة ليست أبا أحد منا ومن ثم فليس للحكومة أن تحتكر التعليم وتأخذه كرها على الآباء لكن الواقع أن الحكومة هي التي تضع برامج التعليم وأنماطه وهي التي تعطي وحدها شهادات التعليم المختلفة فهي بذلك تغل إيدي الأساتذة الأحرار عن أن يعلموا التلاميذ حُـسـن التفكير ويعودوهم على الاستقلال في الرأي وتعقل ألسنتهم عن أن يلقوا على الطلبة إلا ما كان في برامج الحكومة واقترح لطفي السيد تنازل الحكومة عن التعليم إلى الأمة فتضم المدارس العليا إلى الجامعة الأهلية وتنزل عن التعليم الأولى والابتدائي والثانوي والصناعي والزراعي إلى مجلس المديريات وتبقى نظارة المعارف مشرفة عامة على كل تعليم في البلاد تقرر الإعانة وتوزيعها على الطريقة المستعملة في انجلترا.

تـنــوع الـتــعــلــيــم وتـجـــزئــة الـعـقــل الـمــصــري:ــ

تعرض لطفي السيد لخطورة التجزئة الثقافية التي يعاني منها نظام التعليم المصري بانقسامه بين ثلاث أنواع من التعليم : هي التعليم الديني في الأزهر ، واالتعليم المدني الحديث ، ثم التعليم الأجنبي ، وطرح موقف المدرسة التربوية المصرية من الفلسفات الثلاثة للتربية اللاهوتية والعقلية والعلمية على أساس أن لكل أمة استعداد خاص بنوع خاص من انواع التربية تبعا للمسافة التي قطعتها في التطور والعادات والأخلاق لكن التربية الحالية في مصر ليس لها طابع خاص بها ولا اسم معين بين أسماء الأنواع المختلفة للتربية ، بل التربية عندنا هي أيضا في حال انتقال واختلاط هي أظهر ما لها من الصفات المميزة.

فالمثال الأعلى للرجل المتعلم المربي في نفوس العلماء المدرسين في الجامع الأزهر ليس هو المثل الأعلى في نفوس المعلمين في مدارس الحكومة ومن هم على شاكلتهم من المدرسين في مدارس التعليم الحر ولا هو بعينه المثل الأعلى في نفوس متعلمي البعثات الدينية المسيحية كالفرير والجزويت والبروتستانت أو مدارس التعليم الأوروبي اللّاديني كل ذلك إذا أعجبنا قد نفترض في هؤلاء المعلمين جميعا إدارة للتربية وخيالا ثابتا للمثل الأعلى الذي يراد إبلاغ النشيء إليه فرار من التصريح بأن من المتعلمين في هذه المعاهد من لا يفكرون كثيرا في المثل الأعلى وفي أنماط التربية بل يقصر همهم على كسب عيشهم الخاص.

وأوضح لطفي السيد أنه بين هذه العناصر المتنوعة والبرامج المتعاكسة والعقائد المختلفة والطرائق المشوشة المتناقضة نلقى بأبنائنا إلى تربية ليست موجهة إلى مثل أعلى موحد ومن ثم تعيش مدارسنا فيما يمكن أن تسميه فوضى تربوية فنسلم للصدفة أبنائنا ومستقبل بلادنا.

ورأى لطفي السيد أننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الفوضى المخيفة لأن اهتمام الأمة بتسيير تربية النشيء على وفق إرادتها أمر أولي في نظر العقل وضروري لنجاحها وفي بلادنا نظارة المعارف العمومية النموذج للنظامات التعليمية بحكم أنها الأوفر خبرة والأكثر نفوذا والأكثر قدرة على التحكم في أمور التعليم ، ومن ثم فهي المطالبة بأن تكون تعاليمها موجهة نحو المثل الأعلى الذي نبغـيه من التربية والتعليم لكي يظهر في حالة التعليم في بلادنا لكن نظارة المعارف لا تريد أن ننتفع بتجارب الأمم السابقة لنا ولعلها أيضا لا تريد أن ننتفع بتجاربها الخاصة وليس لها مثل أعلى تتوخاه من وراء التعليم بل هي تضع البرامج ملفقة من البرامج الاوروبية مختزلة لتملأ بعض زوايا العقول النامية بقصاقيص من أطراف العلوم المختلفة وكأنها لا تنظر إلى أن لهؤلاء النشيء نفوسا يجب على المتعلم محاولة تهذيبها وقلوبا محتاجة إلى إنماء المشاعر الإنسانية والأطماع الوطنية في خباياها وكأن الصدفة هي كل ما لنا من قاعدة في التربية والتعليم.

ثم انتقد لطفي السيد التعليم الأهلي على النحو الذي كان عليه الكتاتيب فوصف فقهاء الكتاتيب بأنهم لا يحسمون شيئا وأن الصبيان يحشرون في غرفة ضيقة كسجون القرون الوسطى يفترشون أرجلهم ويحركون جذوعهم الصغيرة ويصيحون بأعلى صوتهم مكرهين ولا يدري الواقف عليهم عـلام يصيحون ولماذا هم خائفون ولم يلحظ العصا الطويلة التي في يد الفقيه ينزل بها على من يشاء فترى الغلمان بين باكٍ قد أوجعه الضرب وضاحك ساخر يصيح على نغمة من غير أن يلوك لسانه شيئا مما يحفظ ، فذلك المربي الأول لا يعرف من واجبات التربية والتعليم ألا شيئا واحدا هو إماتة عواطف التلاميذ بالضرب والسب والتخويف وبما فوق ذلك هو القتل الأول لشعور الحرية والمعطل الأكبر لنمو أبدان المتعلمين وملكاتهم إلا جزء مشوشا من ملكة الحافظة وهو نفسه لا يمكن أن يقدر أبسط الأمور تقديرا صحيحا لأن مقياس التقدير في نظره هو مجموع ما سمعه من معلمه الأول من القواعد العامة كورقة الحمى أو حجاب التحويطة أو المندل أو غير ذلك من الخرافات كما انتقد لطفي السيد التعليم الأجنبي على النحو الذي كان عليه في المدارس الأجنبية فلم يكن القسيس في مدارس الإرساليات التبشيرية الدينية الأجنبية يختلف كثيرا فقد كانت طريقة تأديبهم مثلا تكليف الصبي بأن يقبل الأرض أو يركع يجثو على ركبتيه أو يكتب الواجب الثقيل وأكبر الذنوب أن يتكلم الصبي حتى أنك لتراه يكف عن الكلام ولو صوابا.

وانتقل لطفي السيد أيضا إلى المدرسة المدنية على النحو الذي كانت عليه في المدارس الابتدائية فوصف معلم المدرسة الابتدائية بأن معلوماته لا تزيد كثيرا على معلومات طلابه وأنه لا يعرف شيئا من البيداجوجيا (التربية).

وخلص لطفي السيد إلى أنه إذا كان الولد يخلق على صورة أبيه وينشأ المتكلم على صورة أستاذه وقد رأيتم صورة أساتذة أبنائكم الفقيه والقسيس والمعلم فمن ذا الذي يريد لأبنائنا وهم مناط الرجاء في إسعاد هذه الأمة أن يكونوا على صورة ذلك الفقيه أو القسيس أو المعلم ولذلك فإن التعليم بطرقه الثلاث الحاضرة غير منتج الغرض الخاص الذي هو إنماء قوي الناشيء وملكاته حتى تبلغ كمالها الممكن ، وانتهى لطفي السيد من ذلك إلى أن ترك التعليم منقسما بين الأزهر والمدارس الحديثة والبعثات الأجنبية يؤدي إلى تفتيت الوحدة القومية ولذلك يجب أن يقوم التعليم العام على قاعدة واحدة تقلل من الفروق وتكثر من المشابهات بين أفراد المجتمع فإذا ضاقت بينهم الفروق سهل عليهم أن يكونوا مجموعا متشابه الأجزاء يكاد يرى بعين واحدة.

ويسمع بأذن واحدة ويحس بقلب واحد ذلك معنى الوحدة القومية التي ينشرها كل من يريد أن يحمل الأمة على الأخذ بأسباب سعادتها لأنه متى سهل الاجماع حصلت الوحدة القومية وكل تعليم لا يؤدي إلى هذه النتيجة إنما هو تعليم لا أصل له ولا فائدة.

اسـتــيـراد الـفــكــر الـتــربـوي:ــ

تصدى لطفي السيد لقضية على أعلى درجة من الخطورة وهي استيرادنا لنظريات الفكر التربوي من الخارج دون نظر للظروف والخصائص المميزة للمجتمع المصري.. ومع ان لطفي السيد كان من تلك المدرسة من المصريين التي رأت في الحضارة الأوروبية طريق التقدم والنهضة ودعت إلى النقل عنها والأخذ من مناهلها بقصد الانتفاع بها والاستزادة منها إلا أن لطفي السيد انتقد اقتباسنا لتنظيم التعليم عن الغرب حتى أنه وصف مدارس حكومتنا بأنه ليس فيها من المصرية إلا نسب التلاميذ والأرض القائمة عليها المدرسة إلى حد أنه يمكن القول بأن نظارة المعارف أصبحت عندنا مجرد شركة تعليم أجنبية كجماعة الفرير أو الجزويت ونحوهم.

وهاجم لطفي السيد القصور في وجود فلسفة تربوية مصرية توجه التعليم في مصر واعتماد المدارس المصرية على الاقتباس والنقل عن الغرب ووصف طرق التعليم في مدارسنا بأنها عقيمة وأن الحكومة أعدت المدارس لا لتعليم العلم ونشره وانتفاع الأمة به بل لتعد لها رجالا يقومون بوظائفها التي يكفي في القيام بها معارف محدودة بل حسب الموظف في تأدية وظيفته سهولة انقياده فاقتبست كل نظمها ومناهجها وأساليبها التعليمية من الخارج حتى أصبحت مدارس كل نظمها أجنبية في كل شيء ، ودعى لطفي السيد إلى أن تكون طريقة التعليم طريقة التمدين ذات طابع وطني تمتزج بنفس المتعلم وعاداته الأصلية في نفسه وحتى يبقى المتعلم بعد التعليم جزءا من أمته وفردا من قومه حافظا لجميع المشابهات التي تربطهم.

وأكد لطفي السيد أن دواء الأمة المريضة هو بالتربية والتعليم وإنه لا خلاف بين الناس في ضرورة التربية وإنها الوسيلة لكل ارتقاء غير أن الصعوبة هي في تحديد أنماط التربية والتعليم عندنا وطريقة تحضيرها أي جعلها تنتج في مصرنا جميع النتائج التي تنتجها في الأوطان التي استعرناها منها لأن نظرية التربية والتعليم وتحديد أنماطها لم تأخذ بعد مركزا ثابتا في حياتنا المصرية إنما التربية المدرسية عندنا أو التعليم بكافة أنواعه خليطين من التعليم الفرنساوي والتعليم الانجليزي تقوده الصدفة إلى أي نتيجة غير منتظرة ولذلك يجب علينا أن نحدد أولا الأغراض التي نبغي الحصول عليها من التربية.

وعندي أن التربية في مصر يجب ان ترمي إلى غرضين أحدهما: أن يسترد المصري فضائله الاجتماعية التي جنى عليها الاستبداد الطويل بشرط أن تبقى مع ذلك مصريا ، والثاني: أن تسلح ملكاته بالعلوم والمعارف ليكون قادرا على مزاحمة غيره في بلاده مزاحمة للقرين في المسائل العلمية والفنية والاقتصادية نقول ذلك ونترك لعلمائنا والمشتغلين بالتربية في بلادنا أن يقروا الطرائق التي تجعل التربية المدرسية تنتج هذين الغرضين.

وانتهى لطفي السيد من ذلك إلى أن التربية والتعليم طريق طويل جدا لأنه يستتبع الوقوف بالضبط على خير الأنماط المفيدة لنا ثم القدرة على تطبيقها على الوجه النافع ثم الانتظار بها حتى تتأقلم في مصرنا وتصير مصرية بالزمان ثم تنتج نتائجها البطيئة التدريجية في كفاءتنا المختلفة ومن ثم فطريق التربية والتعليم طريق بعيد ولكنه مع ذلك أقرب الطرق لأنه الطريق الوحيد.


الـتـعـــلـــيـــق عــلـى الــمـقــال الــثـانـي

سيكون أيضا على كل فقرة حسب رقمها 1 ، 2 ، 3 ، .... إلخ)

1ــ لمحة هامة جدا لابد من الإشارة إليها : وهي أن معظم من يحملون هموم الوطن وينشغلون بإصلاحه ويسهرون ويفارق النوم جفونهم ، دائما ما يخرجون من الريف المصري حيث أنهم يعيشون الحياة الريفية ويشاهدون إلى أي مدى معاناة الفلاح المصري و احتياج المصريين لكل شيء ، وهذا ما ينطبق على كثير من العلماء والأدباء والمفكرين والمصلحين المصريين على مر التاريخ من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ، وطه حسين ، وأحمد لطفي السيد وغيرهم مع كامل احترامنا لهم جميعا ولغيرهم من المصلحين المصريين.

ــ وأضيف لمسألة العقاب السائدة في التعليم ، التي كانت أيام لطفي السيد ، التي تعتمد على الحبس والضرب بسبب الصبغة العسكرية للمدارس ، وتحولت في أيامنا إلى الضرب أحيانا والسب والشتم والتوبيخ والفصل أحيانا أخرى ، أقول إن من أفضل أساليب العقاب في التعليم من وجهة نظري هي الفصل المؤقت أو الحرمان من الذهاب إلى المدرسة لمدة أسبوع أو أكثر ، لكن هذا العقاب لن ينجح إلا بشروط ، وهي أن تكون المدرسة مؤسسة متكاملة يجد فيها المُتَعَـلّـم جميع سبل الراحة والترفيه والترويح والأنشطة العلمية والرياضية والفنية والأدبية من ملاعب ومكتبة وحجرة الموسيقى ، بحيث تصبح المدرسة المكان المحبب لقلوب المتعلمين مهما اختلفت توجهاتهم وهواياتهم وصفاتهم ورغباتهم ، وهنا يصبح الحرمان من المدرسة شيء مؤثر جدا ومكروه جدا للمتعلمين ، وسيخاف كل طالب أو تلميذ من هذا العقاب ، وسيحاول كل منهم أن يبذل قصارى جهده ليتمتع بما في المدرسة من متع دنيوية في مختلف الأنشطة لن يجدها في بيته ، لكن التعليم ومؤسساته في صورتهما الحالية تحولا لجحيم مقيم ، لا يطاق بالنسبة للمتعلمين جميعا ، وأسعد لحظات يعيشها المتعلم هذه الأيام حين يدق جرس الانصراف للبيت أو حين ينتهي العام الدراسي وينتهي آخر أيام الإمتحانات ، وهذا إن دل فإنما يدل على فشل العملية التعليمية برمتها.

2ــ أهم ما لفت نظري في هذه الفقرة هي المدة التي تولى فيها لطفي السيد مسئولية وزارة المعارف وهي 15 شهر فقط ورغم ذلك فـَكـّر بسرعة في وضع خطة لتحديث التعليم المصري ، وفي حقيقة الأمر ان هذه المدة غير كافية إطلاقا لتحديث التعليم لأن تحديث مؤسسات التعليم عملية معقدة ومتشابكة جدا وتحتاج مزيدا من الوقت ، لكن رغم ذلك لم يضيع وقتا وبدأ في العمل سريعا ، وهنا يظهر الفشل والعطب الفكري والسياسي لكل من تولوا مناصب سياسية بعد الثورة وصنعـوا حُجة واهية تعبر عن فشلهم وجهلهم وإفلاسهم الواضح وهي (اعطونا فرصة كي نعمل) ورغم مرور عام كامل على الثورة لم ينجح المجلس العسكري ولا أي وزارة معه في حل أي مشكلة مهما كانت صغيرة مثل مشاكل البنزين 80 أو أنابيب الغاز أو الحد الأدنى والأقصى للأجور أو تعديل قانون الضرائب أو تعديل قانون الدعم لكي يصل لمستحقيه بالعدل وعلى رأس هذه المشاكل ظاهرة البلطجة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالفراغ الأمني ، وحين يضغط عليهم الشارع يقولون اعطونا فرصة كي نعمل.

ــ ولأن التعليم هو الآلية التي يمكن أن تنهض بأي مجتمع وترتقي به وبشعبه لذلك أصـرّ لطفي السيد على تحديثه وإصلاحه والنهوض به ، ولنفس السبب نجد أن أي حاكم مستبد سواء كان الاستبداد دينيا أو سياسيا يحاول بقدر الإمكان تجهيل الشعوب عبر مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام المختلفة ومنابر الدولة لكي يصنع شعبا مُغـَيـّبا وهذا المنهج السياسي يستخدمه المستبد العربي العسكري ، والمستبد العربي الديني مع الفارق ليتم السيطرة على المجتمع بسهولة.

ويظهر هذا جليا في دولة مثل مصر ، برغم أنها صاحبة أقدم وأعرق حضارة إنسانية في العالم ، وكذلك رغم أن الإسلام الموجود في القرآن سبق أوروبا وأمريكا بقرون في وضع أسس وقواعد المجتمع المدني المتحضر التي ذكرها القرآن العظيم الذي سبق الغرب ، إلا أن لطفي السيد يسير على خطى دعاة العلمانية الذين يُحَمِّلون الإسلام أوزار المسلمين حين يخلط بين الإسلام والحضارة والثقافة الإسلامية ، وهذه المعضلة لا حل لها إلا بالتخلص من تقديس الثقافة والتراث والتاريخ الإسلامي والتعامل معه بمنهج النقد والتحليل والأخذ والرد ، لأن هذا التراث هو سبب وعامل أساس في تشكيل الثقافة العامة للمسلم وعامل مؤثر في العملية التعليمية برمتها ، والحل ليس في استيراد الفكر من أوروبا وإنما في الرجوع للقرآن وجعله منهج حياة ومرجعية وحيدة للمسلمين ، لأن في القرآن وحده العلاج الأمثل لكل قضايا العصر لأنه فوق الزمان والمكان ، وهنا الخروج من معضلة النداء بفصل الدين عن الدولة التي لا يقبلها معظم المسلمين الذين ينظرون لاستيراد الفكر الغربي على أنه كفر وخروج عن الدين ، لكن لن يرفضوا جميعا فكرة الرجوع للقرآن واتخاذه مرجعية ومنهاجا في الحياة.


3ــ اتفق تماما مع هذه الفقرة التي تبين فكـره التربوي ، والتي يؤكد فيها لطفي السيد أن التربية والتعليم هما السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمع واستقلاله ، وهذا يبين فكره التنويري الرائع الذي يعتبر أن العـلم والثقافة وتنمية العقل وصناعة الوعي عند المواطنين هي مقومات أساسية لاستقلال الوطن والنهوض به ، ويجب التعاون بالمال والفكر والمشورة وتبادل الآراء من أجل تحقيق هذا الغرض القومي العام ، وهنا لابد أن نذكر أكبر جرائم الحكم العسكري في مصر الذي يُنفق على بناء السجون والمعتقلات وتدريب الكلاب في انجلترا وأمريكا لتعذيب المصريين مبالغ طائلة تقدر بأضعاف مضاعفة لما ينفق على التعليم والبحث العلمي.

تعليقا على المبادئ الخمسة:ــ

الأول ــ كذلك ننوه أن الطفل المصري يعتبر من أذكى عشرة أطفال على مستوى العالم حتى سن السابعة ، وبفضل البيئة السيئة والفقر والقهر والجهل والاستبداد والتخلف يتحول إلى شبه إنسان.

الثاني ــ الجمود في التفكير ورفض النقد والآراء الجديدة والأفكار الجديدة لإصلاح الفساد الثقافي والفكري والتشبث بالقديم هو ضمن أسباب تخلفنا.

الثالث ــ إن الأحوال الاقتصادية والمعيشية والمستوى العلمي والثقافي لا يمنح الآباء إمكانيات وقدرات ووقتا كافيا للقيام بالدور المفروض عليهم نحو أبنائهم مما يؤدي للتفكك الأسري أو التسرب من التعليم لأن البيئة غير صالحة لإعداد جيل سليم ، ومن جهة أخرى يُـصر بعض الآباء أن يكون الأبناء نسخة مكررة منهم ، فيحاول الطبيب أن يكون ابنه طبيبا ، وكذلك المهندس والقاضي والضابط ووكيل النيابة ، ورغم الآثار السلبية لهذا على شخصية الأبناء إلا أنها تحولت في بعض المواقع لاستغلال النفوذ وتوريث الوظائف من الآباء للأبناء.

الرابع ــ لابد من تفعيل نظريات الفروق الفردية في التعليم وفي الحياة عموما هذا فيما يخص الفروق بين المتعلمين ، لكن مع الأسف حين حاول المجتمع أن يجعل قدوة ومثل أعلى للمتعلمين اختزلها في مظاهر شكلية مثل اللحية والجلباب والنقاب ، ولم يتم تناول القدوة والمثل الأعلى بصورة أوسع وأعمق تعتمد على العمل الحقيقي الواقعي الفعلي والضمير والتقوى في كل سلوك يقوم به الإنسان ، وأصيبت مؤسسات التعليم بوباء قاتل وهو اتخاذ أصحاب اللحية والجلباب قدوة ومثل أعلى مهما كانت صفاتهم.

الخامس ــ ورغم اتفاقي معه تماما في أن التربية لابد أن تتطور وتتغير باستمرار للتناسب مع تغيرات الحياة ، وهذا ما لم يتوفر أبدا في مصر منذ عقود ، لأن الإنسان فعلا قابل للتربية وهو كائن يتأثر بما حوله من مناخ فكري وعلمي وثقافي ، ويساهم في هذا مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام والبيئة التي يعيش فيها بداية من الأسرة والعائلة والشارع والقرية والمدينة والدولة بكل ما فيها من مؤسسات فكل هذه مؤثرات لابد من وضعها في الاعتبار وتقنين دورها ومراقبته لأنها عوامل أساسية في تنشئة وبناء الإنسان في المجتمع.

ــ ولذلك لابد أن يقوم بوضع قوانين التربية كما قال لطفي السيد أساتذة متخصصون في هذا ، ولابد لكل من يعمل في مهنة التدريس أن يكون مؤهلا لهذا العمل ، لكن بكل أسف أكثر من نصف العاملين في مهنة التدريس في مصر لا يصلحون لهذه المهنة إطلاقا ، وأخص بالذكر هنا التعليم الابتدائي ، وهذا ليس قدحا فيهم ، ولكنهم قد يصلحوا للعمل في أي مجال آخر غير التعليم.

4 ــ كما اتفق أيضا معه في مطالبته بحرية التعليم ، لكن أضيف إلى ما قاله لطفي السيد أن المدرس المصري على الأقل حاليا لا يفكر في التلميذ أصلا ، فكل ما يشغله هو المال متى يحصل على راتبه.؟ ، متى يحصل على المكافآت والعلاوات والدرجات.؟ ، وكَـمْ عدد الطلاب المحتاجين للدروس الخصوصية.؟ ، وكَـمْ من المال سيدفعون.؟ ، وهذا التحول في شخصية المعلم المصري سببه الرئيسي حسب وجهة نظري الفساد السياسي في الدولة الذي طال جميع مؤسسات الدولة وخصوصا مؤسسات التعليم ومعظم العاملين فيها بحيث تحول المعلم إلى موظف يهتم بالحضور والانصراف فقط ويهتم بدفتر التحضير ، وانصرف اهتمام معظم المدرسين عن تطوير وتثقيف أنفسهم أو المساهمة في وضع رؤية لتطوير التعليم وإبراز سلبياته وعيوبه باستمرار ، وذلك لأن مصر تحولت لدولة بيروقراطية من جهة ، فكل هم العاملين فيها هو تنفيذ التعليمات والنشرات الشهرية أو الأسبوعية بسبب مركزية الإدارة ، ومن جهة أخرى أصبحت مصر دولة بوليسية قمعية فاسدة لا صوت ولا مكان فيها لأي صاحب رأي أو فكر جديد أو دعاة التنوير و الإصلاح والنهوض بالمجتمع ، بينما كان يفتح النظام الحاكم أحضانه للفاسدين والجهلاء والعملاء في كل المجالات وعلى رأسهم دعاة التطرف والعنف والإرهاب الوهابي.

الفصيل الوحيد الذي استفاد من هذا الفساد هم طبقة من الحرامية الذين اشتركوا مع النظام الفاسد في سرقة مصر ، أرباب التيارات الدينية من أخوان وسلفية ، فقد نجحوا في النصف قرن الأخير في نشر أفكارهم بين معظم طلاب المدارس والجامعات ومعظم البسطاء من الناس عن طريق المساجد والزوايا التي انتشرت في كل شبر من أرض مصر ، وصنعـوا أجيالا من المغيبين والمغفلين والمشوهين فكريا وأشباه المتعلمين ، وكان النظام الفاسد البوليسي القمعي يفتح الباب للفريقين ويتركهم يفعلون ما يشاؤون فريقا يسرق الدولة ، والآخر يلعب بعقول الناس والشباب لأن هذا التخريب الاقتصادي والتجريف للعقل والوعي المصري يصب في مصلحة الحاكم العسكري المستبد ، وهذا واضح جدا في حالات الثراء الفاحش لثلة من الحرامية في السنوات الأخيرة ، يوازيها نجاح وانتشار التيارات الوهابية وسيطرتهم على الشارع مما أدى لفوزهم وحصدهم معظم المقاعد في برلمان ما بعد الثورة ، وهذا ليس تجنيا عليهم ، ويكفي أن الدولة تركت لهم مؤسسات التعليم والمساجد يفعلون بها وبشباب الأمة ما يشاؤون من ندوات ومؤتمرات وأُسر واتحادات وطبع وتوزيع منشورات وكتب وكتيبات ، وفي المقابل لم يُسمح لأي فصيل آخر أو أي اتجاه آخر أن ينعم بهذا طوال ثلاثة عقود مضت خصوصا في الجامعات المصرية.

5ــ أوافق تماما على رفض لطفي السيد أن يتم استيراد فكر تربوي أوروبي لإصلاح التعليم المصري ، وهذا منطقي وعقلاني جدا لأن البيئة المصرية والإنسان المصري لهما طبائع وسمات مختلفة تماما عن أي مجتمع آخر ولابد من الأخذ في الاعتبار الظروف المختلفة قبل تطبيق النظم التربوية المستوردة في بلاد أخرى ، ولقد لفت نظري هذا الموضوع حين درسته في كلية التربية في مادة (التربية المقارنة) التي كانت تقارن بين خبرات التربية والتعليم في اليابان وأمريكا وانجلترا وويلـز ، وهنا لابد أن نؤكد أن مناهج وطرق التدريس والتربية في مصر لابد أن تنبع من علماء مصريين مخلصين هدفهم الإصلاح والتنوير وتحديث التعليم المصري والنهوض به ، وما أكثرهم ، واستبعاد كل من يبحث عن مصالح شخصية وأهداف حزبية مذهبية ، أقول هذا الكلام الآن لأن هناك خطة لتسليم وزارتي التربية والتعليم والداخلية للإخوان ، ولو حدث هذا سوف تنتقل مصر بامتياز للعصور الوسطى من الناحية الثقافية والفكرية بسبب سيطرة الاخوان على التعليم ، وإلى محاكم التفتيش بسبب سيطرتها على وزارة الداخلية ، ولذلك لابد لجميع التيارات الفكرية والفصائل السياسية أن تشترك في وضع الدستور وفي وضع القواعد والقوانين واللوائح التي ستدار بها مؤسسات الدولة في السنوات القادمة ، هذا لو كنا فعلا نريد مستقبلا مشرقا لمصر ، لكن لو سيطر الإخوان على التعليم والشرطة فانتظروا حمامات الدم في الشوارع ومنصات الإعدام في جميع ميادين مصر ، ولذلك أكرر وأؤكد على خطورة استيراد فكر تربوي يريد السيطرة على مؤسسات التعليم ويصبغها بصبغة دينية لا علاقة لها بالبيئة المصرية ولا صلة بينها وبين الثقافة والحضارة المصرية العريقة والعتيقة ، وأقصد هنا استيراد الفكر السلفي الوهابي والتعامل معه على أنه المنقذ والمخلص الوحيد لمصر ومؤسساتها وشعبها.

وإلى اللقاء في المقال الثالث....


الأربعاء، 25 يناير 2012

الـثـورة الـمـصـريـة بــدأت الـيـوم .... ولـكـن..!!

الـثـورة الـمـصـريـة بــدأت الـيـوم .... ولـكـن..!!

بعد مرور عام كامل على انطلاق ثورة 25 يناير 2011م ، ورغم التضحيات من قتلى ومصابين ، ورغم الحرق والتخريب الذي طال بعض مؤسسات الدولة ، إلا أنني اعتقد وبكل المقاييس أن المصريين استفادوا واكتسبوا خبرات لا بأس بها خلال هذا العام ، وسيتم تسخير هذه الخبرات والاستعانة بها في إكمال مسيرة الثورة المصرية لتتخطى العقبات والمصاعب وتكشف الحيل والخداع المضاد ، لتمتلك الثورة القدرة على السير في الطريق الصحيح لتحقيق جميع مطالبها كاملة بجدول زمني واضح ومحدد دون أي تباطؤ أو تواطؤ من أحد ، وذلك لأن الإصلاح والديمقراطية والحرية لابد لهم من ثمنٍ غالٍ.

فمنذ شهور كان الثوار يتعاملون مع عدو واحد هو مبارك حين كانت نظرتهم سطحية للأمور ، ولذلك تعالت جميع الأصوات قبيل التنحي بـ ( يسقط يسقط حسني مبارك) ، لكن بمرور الوقت بدأت الصورة تتضح أمام الثوار وأمام الشعب المصري كله ، حيث أضيف لأعداء الثورة أو أعضاء (الثورة المضادة) متهمون جدد ، منهم من كانوا يخدعون الثوار وهم الاخوان والسلفيون ، ومنهم من كانوا يدّعون حماية الثورة وهم المجلس العسكري الذراع الباطشة لمبارك وسياسته الفاسدة والتي كانت متخفية إلى وقت قريب ، بالإضافة إلى تجلية حقائق عديدة أمام المصريين أثبتت لهم جميعا بوضوح من فعلا مع الثورة ومن فعلا ضدها ومن كان يحاول قتلها بحثا عن مصالحه الخاصة ومنافعه الشخصية ، وهنا لابد أن نذكر بحث الاخوان والسلفيين عن السلطة واستغلال التوقيتات المناسبة في المشاركة وعدم المشاركة في فاعليات الثورة إرضاء للمجلس العسكري ، وكذلك محاولتهم الواضحة ودفاعهم عن احتفاظ أعضاء المجلس العسكري بالسلطة حماية له من المحاكمة ، لأن أعضاء المجلس العسكري وبعض قيادات القوات المسلحة قلوبهم ترتعـد و تمتلئ خوفا على ممتلكاتهم ومزارعهم وأراضيهم ومصانعهم التي تقدر بحوالي 40%من اجمالي اقتصاد مصر.

رغم ما حدث خلال العام الماضي من قتل وسحل وهتك لأعراض المصريين ، رغم ما حدث خلال العام الماضي من محاكمات فاضحة فيها إهانة وصفعة تاريخية على وجه القضاء المصري الذي سمح لمتهم أن يحاكم وهو نائم ، وهي حالة فريدة وعجيبة وشاذة وفيها ما فيها من استخفاف بالقضاء وإهانة لمؤسسة يفترض أنه مسئولة عن تحقيق العدالة بين الناس ، لأنه لو كان هذا مواطنا مصريا فقيرا لوضع في القفص وأجبر على الجلوس حتى لو كان في حالة احتضار ، فلن يسمح له أن يتأخر دقيقة عن موعد جلسة أو يحاكم وهو نائم ، وهنا لابد أن نذكر عملية تكبيل مصابي الثورة في الأسِرّة في مستشفيات الحكومة بينما مبارك يعيش في نعيم ويُنفق عليه بالملايين من أموالنا ، في الوقت الذي لا يجد فيه من فقدوا نور عيونهم أقل وأبسط درجات الرحمة والرأفة والعلاج بمستشفيات مصر التي هي ملكا لهم ، وأسر الشهداء حالهم كحال شهداء العبارة السلام 98.

ورغم التباطؤ والتواطؤ في عملية استرداد الأموال من الخارج ، ورغم التباطؤ والتواطؤ في عملية الكشف عن أرصدة مبارك في الداخل التي وصلت حتى الآن حوالي 9مليار دولار ولماذا لم يعلن عنها البنك المركزي..؟ هذا السؤال موجه لرئيس البنك المركزي ولأعضاء المجلس العسكري ، كما تم الكشف عن أرصدة مبارك في الخارج بحوالي 45 مليار دولار حتى الآن ، ورغم التباطؤ والتواطؤ في فتح الصناديق الخاصة التي أعلن عن المبالغ المجمدة فيها بحوالي 1275مليار جنيه مصري ، هذا حسب ما نشر في جريدة صوت الأزهر في عددها الأخير هذا الأسبوع ، رغم كل هذه الأموال إلا أن الجنزوري ومجلسه العسكري يذهبون هنا وهناك للتسول على مصر وشعبها ، وهذه جريمة يعاقب عليها القانون لأن فيها إهانة للدولة المصرية وتصويرها وكأنها دولة تتسول لقمة العيش ، فإذا كان المجلس العسكري لا يسمح ولا يقبل من أحد أن يوجه له أي نقد ، وفورا يحوله للمحاكمة العسكرية بتهمة إهانة القوات المسلحة ، فلابد من محاكمة أعضاء المجلس العسكري بتهمة إهانة الدولة المصرية لأن مصر ليست فقيرة وهم يقومون بالتسول باسمها رغم وجود كل هذه الأرصدة داخل مصر.

ورغم كل هذه الأموال لم يتم تنفيذ الحد الأدنى والأقصى للأجور تحقيقا للعدالة الاجتماعية ، ولم يتم تطبيق الضريبة التصاعدية على أرباب الثراء الفاحش الذين صنعهم فساد مبارك ، والذين سرقوا حقوق المصريين في العيش في مساواة وعدالة إنسانية ، ولم يتم توفير أنابيب الغاز والبنزين 80 لمنع المشاجرات بين الناس ، لأن هذا الوقود يمثل عصب الحياة لمعظم المصريين البسطاء والفقراء وكذلك يمثل لهم الحياة ولقمة العيش.

وضوح الرؤية أمام معظم المصريين فيما يخص البلطجة ومن يشرف عليها ومن يمولها ومن يديرها ، وكيف يختفي البلطجية فجأة ويظهرون فجأة.

أمور كثيرة ظهرت جلية خلال العام الماضي وعلى رأسها البرلمان الحالي الذي يبين إلى أي مدى تم التعاون بين المجلس العسكري والاخوان للوصول لهذا البرلمان ، وهذا ليس اتهاما بتزوير الانتخابات ولكن الإجراءات التي تمت بها الانتخابات في توزيع وتوسيع الدوائر بهذه الطريقة ، وفي طريقة وأسلوب الانتخاب أو التصويت ، وغض الطرف عن بعض مخالفات وتجاوزات الأخوان أدى بصورة واضحة لنجاحهم باكتساح للبرلمان بهذه النسبة ، وهذا يصب في مصلحة المجلس العسكري وقتلة الثوار من مبارك لأصغر ضابط وجندي ، لأن أول ما فكر فيه الأخوان بعد فوزهم في المرحلة الأولى من الانتخابات (الترويج لفكرة) لا يمكن أن أسميها إلا خيانة واضحة للثورة والثوار وهي اقناع أسر الشهداء بقبول الدية من القتلة وطالبوهم أن يعفوا ويصفحوا ويقبلوا الدية والمالية من القتلة ، ولإثبات التهمة عليهم أعلن كثير من أهالي الشهداء قيام بعض المشايخ والدعاة التابعين للسلفيين والاخوان بالتفاوض مع أسر الشهداء للتنازل عن حقوقهم وقبول الدية في دماء ذويهم لإنقاذ الضباط القتلة من المشانق ، رغم أن الدية في الشرع لا تجوز إلا في حالة القتل الخطأ ، ورغم ذلك لم يخجل هؤلاء بعرض فكرة قبول الدية وشراء دماء الشهداء التي لا يمكن أن تقدر بمال الدنيا.

سؤال للقضاء المصري وأساتذة القانون هل من حق محامي المخلوع أن يقول في ساحة المحكمة أن مبارك لا يزال رئيسا لمصر.؟ إذا كان هذا غير قانوني فيجب أخذ إجراء مناسب حيال هذا المحامي ، وفي جميع الأحوال لا أعتقد أن من حق دفاع مبارك أن يقول مثل هذا الكلام رغم اقتناعي أن من حق نفس الدفاع أن يعلن ويطالب ببراءة موكله المخلوع ، لكن هذا المخلوع تم إجباره بإرادة شعبية قوية أن يخرج من القصر ، فليس من حق أي إنسان أن ينعته بالرئيس بعد خلعه فهذا استخفاف بالمصريين وبثورتهم واستهزاء وسخرية واضحة بأنفس الشهداء ودمائهم الطاهرة التي نجحت في خلع هذا القاتل من كرسيه وطرحه أرضا ذليلا يدعي ويمثل المرض أمام العالم.

الأحداث خلال عام وضعت جميع فئات الشعب المصري في اختبار حقيقي أمام أنفسهم هل لا زالوا يؤمنون بثورتهم أم نجح أعداء الثورة في إجهاض الحس الثوري وإجهاد الإرادة الثورية داخل المصريين ، وخلق حالة شعبية عامة ترفض الثورة وتسبها وتصفها بأنها سبب كل بلاء وخراب حل بالمصريين ، وما أراه بعد نهاية هذا اليوم أعتقد وأتصور أن الثورة المصرية لا تزال حية في قلوب معظم المصريين ، ولا تزال تنبض بقوة.

لكن من وجهة نظري أقول أن الثورة المصرية بدأت اليوم الأربعاء 25 يناير 2012م ، والسبب أن الشعب المصري معظمه رفض الاحتفال بالثورة لأن مطالبها لم تتحقق رفض الاحتفال حزنا على شهدائها رفض الاحتفال لأن القصاص العادل لم يتحقق ، وكذلك استفاد الشعب من عام كامل من العمل الثوري المستمر ، وفي نهاية هذا العام أفرزت الأحداث البرلمان المصري وإن كان لا يعبر على الإطلاق عن الثورة المصرية ، ولكن هذا البرلمان سيكون العامل الأول لتحقيق جميع مطالب الثورة بالإجبار وبالإرادة الثورية الشعبية ، وفي الحقيقة أقول هذا ليس ثقة في النواب مع كامل احترامي لهم جميعا ، ولكن لأن المجلس العسكري كرّس جهوده لكي يفوز الاخوان بأغلبية في البرلمان ليتركوا منصب رئيس الدولة لأحد الشخصيات العسكرية وبذلك تتم الصفقة بينهما ، ولكن إن شاء الله تعالى سيكون هذا البرلمان هو عامل الضغط على المجلس العسكري وعلى الحكومة في تنفيذ جميع مطالب الثورة ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان على المطالبة بمحاكمة جميع القتلة والمجرمين والسارقين والفاسدين ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان نفسه على العمل بجد لاسترداد أموال المصريين في الداخل والخارج ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان على فعل كل شيء مع الثورة ليحقق جميع مطالب الثورة رغما عنهم ، أقول هذا الكلام لأن الاخوان منذ الأيام الأولى للثورة جلسوا للتفاوض والحوار مع عمر سليمان ، ثم مع المجلس العسكري ، وظهر هذا التفاوض والاشتراك الواضح في المصالح بين الاخوان والسلفيين منذ البداية في استفتاء 19 مارس ، ثم دفاع الأخوان بوضوح عن المجلس العسكري والمطالبة ببقائه في السلطة ، وكذلك وصف بعض دعاة السلفية المجلس العسكري بأنه ولي الأمر ولا يجوز الخروج عليه كما قالوا عن مبارك في الأيام الأولى للثورة ، وتبلورت هذه المصالح المشتركة في هذا البرلمان الحالي الذي يظن المجلس العسكري أن هذا البرلمان سيناصر المجلس ويحافظ على وضعه أو على الأقل سينجح في تنفيذ اتفاقية الخروج الآمن التي لم يجرؤ أي مواطن مصري التحدث عنها إلا الأخوان الذين اختارهم الناس مُرغَـمين أو مستفيدين أو مؤيدين ، أعتقد أن جميع المصريين الذين اختاروا الاخوان لن يسمحوا لهم أبدا أبدا تسليم مصر من جديد للحكم العسكري ، وكذلك لن يسمحوا أبدا للأخوان أن يتواطؤوا في محاكمة القتلة واسترداد أموال المصريين ، وإن لم يفعلوا هذا فهم يثبتون للمصريين ويؤكدون اتفاقهم مع العسكر على صفقة حقيقية هي البرلمان لنا والرئاسة لكم.

إذن على هذا البرلمان أن يقف مع الثورة ويثبت حسن النوايا ويطالب بتحقيق جميع مطالب الثورة كاملة لتحقيق العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمحاكمة السياسية للقتلة ، بدون أي تأخير لأن الشعب كوّن ثقافة ثورية عالية ويستطيع التعامل مع جميع المواقف وبطريقة سلمية ، ولابد أن يعلم الجميع أن أقوى إرادة هي إرادة الشعب ، ولن تستطيع قوة في العالم أن تكسر إرادة الشعب المصري ، لأن الشعب المصري نفسه هو من كسر حاجز الخوف وقهر أجهزة القمع التي نجحت بامتياز في تطبيق أعلى درجات القمع والقهر والاستبداد خلال أكثر من نصف قرن مضى ، أعتقد أن قوة مثل هذه القوة مهما زادت أو قلت بمرور الوقت لا يجب أن يستهان بها أو يتم تجاهلها ، الثورة المصرية بدأت اليوم فعلا لأنها أسقطت الاستبداد السياسي في عام ، ولو لم يعمل البرلمان على تحقيق مطالب الثورة المصرية كاملة فإرادة الشعب قادرة على إسقاط الاستبداد الديني الذي نزل التحرير اليوم يحتفل بنجاح الثورة أو يحتفل بنجاحه هو فيما حققه من مكاسب خاصة ، وكأن هؤلاء يسيرون في طريق بعيد تماما عن طريق الثورة ، اعتقد أن الثورة المصرية قادرة على اسقاط أي استبداد سياسي أو ديني ، ولذلك أكرر الثورة المصرية بدأت اليوم الأربعاء 25 يناير 2012م ، رغم المراهنة المستمرة من أعداء الثورة على يقظة المصريين وعلى ذاكرتهم الثورية وقدرتهم على التحمل والصبر والاستمرار على نفس الحالة الثورية النشطة وقدرتهم على تحمل مزيد من الشهداء والمصابين ، أثبت المصريون أنهم أقوى من أي شيء ، اليوم الشعب ظهر أكثر قوة وثقة ، كان المكسب الأبرز خلال عام هو كسر حاجز الخوف في قلوب معظم المصريين.

مصر لسه بخير

مصر لسه بخير والثورة لسه فيها الحياة

مهما حاربها الغير بكرة هاتلاقي طوق النجاة

شعبها قال تغيير وهو دا هدفه وهمه ومبتغاه

مفيش تاني رجوع مفيش تاني خضوع

مفيش ظلم وذل وقهر دا كله خلاص .... نسيناه

هاترهبونا هاتقتلونا الخوف خلاص .... ودعناه

الخميس، 5 يناير 2012

رؤيــة فـي تـحــديـث الـتـعــلـيـم الـمـصــري ....الـمـقــال الأول

رؤيــة فـي تـحــديـث الـتـعــلـيـم الـمـصــري ....الـمـقــال الأول

تمهيد:

إن مخالطة المخلصين من العلماء المبدعين والمفكرين المصلحين المستـنـيرين يساهم بشكل كبير جدا في بناء الشخصية الإنسانية ويساهم في تشكيل ملامحها وطرق تفكيرها ومدى اهتمامها وانشغالها بهموم الوطن ، ووضع مصلحة الوطن فوق المصلحة الشخصية ، إن ممارسة الحوار والنقاش مع هذه الثلة من المفكرين المصلحين ينمي ملكة الإبداع داخل الإنسان خصوصا لو كانوا دائما ينزلون لمستوى بسيط جدا ومنطقة سهلة تسمح بالتواصل بين طرفي النقاش.

ومن حسن حظي اعتبر نفسي ممن يخالط ويحاور ويجالس العلماء ، وبدأ ذلك مبكرا جدا بسبب قرابتي واتصالي الدائم بالدكتور احمد صبحي منصور ، ثم في عام 1997م ، حين كنت أذهب معه لحضور رواق ابن خلدون ، ومن الشخصيات الهامة التي تعرفت عليها هناك المرحوم الأستاذ الدكتور/ محمد أبو الإسعاد ـ وفي الحقيقة هذا الرجل لا أنسى أبدا ملامح وجهه حينما كان يتحدث في أي موضوع يخص مصر ومستقبلها ، فكنت أراه مهموما بمصالح مصر ودائم الانشغال بإصلاح كل شيء فيها وخصوصا التعليم وهو صميم تخصصه كأستاذ جامعي ، ومن الكتب الرائعة التي قرأتها له ـ كتاب (رؤية في تحديث التعليم المصري) ، وبعد قراءة هذا الكتاب الذي تم تأليفه في عام 1991م ، وهو في الأساس يناقش ويلقي الضوء على فكر (أحمد لطفي السيد) في تطوير التعليم المصري في بدايات القرن العشرين ، وتحديدا في عام 1928م ، قررت كتابة تعليق عليه ونشره ، ومن أهم الأسباب التي دفعـتـني لنشر هذا الكتاب مرة أخرى وإحياء فكرة تطوير التعليم من جديد سببين أحدهما: أن التعليم المصري لم يتغير فيه أي شيء ، بل ازداد سوء وفسادا وخواء وتخريبا للعقول ، ثانيهما: تطابق أو تشابه الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها مصر وقت مشروع أحمد لطفي السيد (بعد ثورة 1919م ) مع نفس الظروف الحالية في مصر (بعد ثورة 25يناير 2011م) ، وفي هاتين الفترتين التاريخيتين نرى أن مصر تقوم بثورة شعبية ، ويعقبها ظهور تيار ديني يسيطر على العامة بفكر ديني وهابي صحراوي لم يتغير ، وهذا الفكر كان ولا زال مدفوعا من الدولة الوهابية ، يريد جر مصر إلى الوراء وإرجاعها قرونا طويلة وإحياء ثقافة التقليد الأعمى للنصوص وإجهاض العقول ودعوة صريحة للجمود الفكري وقتل الإبداع داخل شباب وأطفال هذا البلد ، بالإضافة أننا فعلا بعد الثورة في حاجة ماسة لإصلاح التعليم المصري لأن إصلاح التعليم معناه النهوض بالمجتمع كله ، فلو انصلح حال التعليم والمتعـلمين ، فمن المؤكد أنهم سينـتـشلون المجتمع لينهضوا به في كل شيء ، ويخلصونه من سيطرة أي فكر رجعي مهما كان ، وهذه مقارنة تاريخية كان يجب الإشارة إليها حتى نؤكد ونذكر الشعب المصري أن آل سعود لم ولن ينسوا ثأرهم من مصر ويصرون كل الإصرار أن تسقط مصر صريعة للفكر الوهابي انتقاما من مصر والمصريين لأن التاريخ أثبت أن مصر كانت سببا في إسقاط دولة آل سعود مرتين في عام 1818م ، وفي عام 1891م.

والآن مع المقال الأول من الكتاب

ويتلوه تعقيب بسيط:

********************************************************************

رؤيـة في تحديث التعليم المصري

مقدمة

التعليم المصري بين القديم والحديث

1ــ انطوى الإسلام منذ نشأته في القرن السابع الميلادي على طريقة كامله في الحياه ذات قواعد وقيم ونظم ركن اليها المسلمون واطمأنوا حتى أخريات القرن الثامن عشر عندما بدأ احتكاكهم بالحضارة الاوربية وتوالت هزائم المسلمين على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين وثارت التساؤلات حول مدى صلاحيه نطام الحياة الاسلامية لطبيعة العصر وأدى ذلك الى ظهور فريقين.. الفريق الاول دعى الى التخلي عن الماضي وتبنى جميع الأفكار والمثل العليا الغربية وهذا الفريق عرف بالمدرسة التغريبية حيث نادت باستيراد أفكار الغرب في التحديث واستقاء الإصلاح من الينابيع الغربية.... والفريق الآخر نادى باستقاء الاصلاح من الينابيع الاسلامية والتمسك بالماضي والعودة بالإسلام إلى أصوله الأولى ممثلة في القرآن والسنة ، وهذا الفريق عرف بالمدرسة الإسلامية أو المدرسة السلفية ، واشتد الصراع بين أنصار الفريقـيـن فاتهم دعاة التغريب والتحديث أنصار السلفية بالرجعية والتخلف والجهل وندد السلفيون بأنصار التغريب واتهموهم بمعاداة الحضارة الإسلامية والكفر بالدين الإسلامي.

وأدى هذا الجدل الحاد بين الفريقين إلى محاولات توفيقية تمثلت في ظهور فريق ثالث وقـف موقـفا وسطا وحاول أن يوفـق بين الحضارة الغربية والقيم الإسلامية ويأخذ من كل منها بقدر وعرف هذا الفريق بأنصار الإصلاح.

2ــ وقد انعكس هذا الجدل بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية ومحاولة التوفيق بينهما على ميدان التعليم فتحمس فريق للأفكار التربوية الحديثة التي ظهرت مع الحضارة الأوروبية الحديثة ودعا إلى الأخذ بنظم التعليم الحديثة ونظرياته وطرقه ووسائله ومناهجه ، وتمسك الفريق الآخر بالفكر التربوي الإسلامي ودعا إلى المحافظة على نظم التعليم الإسلامية المتوارثة ، وحاول الفريق الثالث التوفيق فأخذ عن التعليم الأوروبي بعضا من نظمه ومناهجه ليصلح بها بعض جوانب التعليم التقليدي المتوارث عن الحضارة الإسلامية ، وفي بادئ الأمر كان التعليم القديم أو التعليم الديني الإسلامي هو وحده الذي عرفه المصريون حتى بدايات القرن التاسع عشر فكان الأزهر ومدارس المساجد والكتاتيب هي وحدها مصدر التعليم والثقافة في البلاد وكانت مناهج الدراسة تنحصر في علوم اللغة العربية والدين الإسلامي إلى جانب بعض الغيبيات كعلوم التصوف والنجوم والحروف والوفاق وغيرها من الغيبيات ، ثم أنشأ محمد على مع مطلع القرن التاسع عشر التعليم المدني الحديث ليعد التلاميذ وفقا للمثال الغربي الذي يعد التلاميذ للحياة الدنيوية ومن ثم أصبح هناك نظامان للتعليم: نظام التعليم الديني القديم في الأزهر والكتاتيب ونظام التعليم المدني الحديث.

3ــ وقد استعان محمد على في مدراس التعليم المدني الحديث الذي أنشأه بمدرسين من الأزهر لتعليم علوم اللغة العربية والقرآن ونقل هؤلاء المدرسين معهم إلى مدارس التعليم المدني الحديث بعض كتب الازهر الخاصة بتعليم الدين واللغة العربية ، ولم يحمل مدرسو الأزهر معهم الكتب فحسب بل حملوا معهم كذلك طريقة طلاب الأزهر في الدرس وهى الحفظ والاستظهار وتعدى الحفظ كتب الدين واللغة إلى حفظ كتب العلوم الحديثة وقوى هذه الطريقة شدة الاهتمام بالامتحانات فأصبحت ظاهرة الحفظ والاستظهار من أخطر الظواهر التي اقترنت بالتعليم المصري حتى اليوم ، وبذلك أثّـر التعليم القديم في التعليم المصري الحديث تأثيرا واضحا وأصبح التعليم الحديث في شكله أوربيا وفى روحه أزهريا ، فلا شك أن كتب الأزهر ورجال الازهر كان لهم أكبر الأثر في بث روح الأزهر في المدارس الحديثة فاحتل تعليم القرآن وعلوم اللغة مكانا بارزا وأصبح أسلوب الدراسة الازهرية القائم على الحفظ والاستظهار هو أسلوب المدرسة المصرية الحديثة التي انشأها محمد على ، وقد حاول فريق من الغلاة الدفاع عن طريقة التعليم الإسلامية التي تمثلت في التلقين والحفظ والاستظهار.

4ــ وربطوا بين طريقة التعليم الاسلامية وبين الدين الإسلامي واعتبروا الهجوم على طريقة التعليم الاسلامية نوعا من الهجوم على الاسلام ذاته كدين ، وذهب البعض الى القول بأن البشرية لم تعرف في تاريخها كله نظاما تربويا بالسعة والشمول الذى يتميز به منهج التربية الاسلامية وأن طريقة الاسلام في التربية التي تعتمد على القرآن توقظ الحس في النفس وتوجه القلب إلى الله وتقيم الصلة الدائمة مع الله ، وذهب البعض الآخر الى ان تعليم القرآن بطريق التلقين بمعنى أن الطفل يكرر ما يذكره المعلم من فقرات الى أن يتم له حفظها بطريقة آلية دون ان يعنى المدرس بالشرح في هذه المرحلة وتوضيح المعنى لتعذر الفهم على الطفل قد يبدو طريقة مخالفة للطرق الحديثة في التعليم التي تعنى بالفهم ليتيسر الحفظ ولكنها دلالة على كل حال على روح التقوى والحماسة الدينية الشديدة التي يتميز بها ذلك العصر فالبدء في تعليم الطفل بتحفيظ القرآن خير وبركة وتقوى كما أن فيه ضمانا لعدم النسيان ، وذهب البعض الآخر الى أن النظرية الاسلامية في التربية قامت على أهمية تلاوة القرآن وحفظه وأنها اعتمدت على حيوية ذاكره الطفل وقدرته على الاستيعاب في الصغر وتحصيل مالا يستطيع تحصيله في كبره ومن ثم بادرت التربية الاسلامية الى ملء ذاكرة التلميذ في صغره بشتى المعارف دون التفات الى القاعدة التربوية التي لا تجيز للإنسان ان يحفظ إلا ما فهم بيد أن خطورة طريقة الحفظ من غير فهم انها تُـكَـوِّن لدى الفرد عادة الاكتفاء بالألفاظ وعدم التفكير مما يكون له أثره السيء في تكوين الفرد الفكري فالعادات التي تتكون لدى الطفل تصبح طبيعة لا يسهل الاقلاع عنها ، وقد تصدى فريق آخر من المفكرين لنقد طريقه التربية الاسلامية واسلوبها فالتعليم باعتباره أسلوبا مختلفا ويؤدى الى تكريس التخلف فذهب البعض الى أن الابتكار هو القدرة على إدراك فكرة جديدة وانتاج آراء أو مخترعات أو اعمال جديدة في الفن والعلم والأدب وان الفرق بين الشرق والغرب هو في هذا الابتكار فنحن (الشرقيون) مقلدون وجامدون على القديم والدنيا تقوم على الابتكار والاختراع فهل هذه التقليدية وقلة الابتكار من طبيعة عقلنا أو من سوء تربيتنا.؟

وأجاب على ذلك قائلا...

5ــ المسألة ليست مسألة عقل وإنما هي التربية التي لا تبعث على روح الإبداع ولا تحقق قدرة على الابتكار لأنها تقوم على منهج النقل والوقوف عند النقل والمحافظة على الجملة بل على اللفظة بل على الحرف وهو أسلوب طبيعي في حدود علم الحديث والسنة وحده وإنما الغلط جاء من تعميم هذا المنهج وتطبيقه بشدة وقسوة على سائر العلوم فسيطر المحدثون وفرضوا منهجهم في كل العلوم وساد النقل وتقديس الألفاظ وطبعت العلوم كلها بطابع العلم الحديث ، وقد كان تعليم هذا المنهج سبب في أن العقلية العربية الإسلامية وقعت في فخ التقليد وحرمت من الابتكار ونشأت الأجيال على هذا المنهج وأصبح التخلص منه عسيرا يحتاج إلى فترات كبيرة وسنين طويلة وذلك بسبب أسلوبنا في التربية فالتربية التي تقيس الطالب بمقدار ما حصل واطلع لا بمقدار خلقه وإبداعه وبمقدار حفظه لا بمقدار نقده والتربية التي تقدس الكتاب ولا تقدس التجربة والمدرس الذي يُحَاسِب الطالب على ما أملى ويؤاخذه على ما خلق والامتحان الذي يرتب الممـتحــنـيـن حسب كثرة استذكارهم لا حسب كفايتهم كل هذه الضروب من التربية تنتج التقليد وتميت الابتكار ، والتربية الصحيحة هي التي تُـكَـوِّن المبتكر والمبدع والشخصية الناقدة.

6ــ وذهب البعض الآخر إلى أن طريقة التقليد في العقلية هي طريقة تعتمد على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجال للتساؤل والبحث والتجريب فتؤدي طريقة التقليد إلى نقل قيم المجتمع وعاداته إلى صميم التركيب الذهني للفرد وإلى قبوله لها دون تفهم أو نقد ذلك أن التلقين هو طريقة تسلطية في التعليم تجعل المتعلم يستجيب باكتساب عادة الصَّــمْ والحفظ والاستظهار الأمر الذي يؤدي إلى إبعاد الفهم والإدراك ويعود التلميذ على قبول الأشياء دون اعتراض أو تساؤل ومن خلال ذلك يتعلم اللغو ومن ثم تعطل طاقة الإبداع الكامنة في الإنسان ، ذلك أن طريقة التلقين هي عملية إرهاب مباشر إذ تهدف إلى التسليم بما يتعلمه الفرد ويحفظه دون تساؤل أو تفهم فيصبح العقل أداه تردد وحفظ بدلا من أن يكون وسيلة تحليل ومعرفة ونقد فيتعرض التلاميذ في هذه الطريقة إلى الكبت الذهني إذ تكبل طريقة التلقين عقول التلاميذ وتحد من نموهم الذهني إلى الحد الذي يمكننا معه وصف عملية التلقين بانها عملية خصي فكري لعقلية المتعلم وفوق ذلك فهذه الطريقة تعكس تسلط المعلم وتعزز سلطته وتؤمن خضوع التلميذ له عن طيق التسميع والاستظهار بدون فهم والتسديد على الذاكرة والتحقق من النصوص وكل ذلك يؤدي إلى تعزيز توجيه النمو العقلي نحو الكفاءة الكلامية بعيدا عن التساؤل والاستفسار فيؤدي النظام المبني على التسلط والاستظهار بدون فهم إلى قتل روح المبادرة لدى التلميذ وكبت اندفاعه نحو النقد والإبداع لأن الحرية شرط أساسي من شروط النمو العقلي الصحيح.

7ــ وقد أثارت طريقة التربية الإسلامية القائمة على الحفظ والاستظهار عددا من المشكلات المتصلة بعلم النفس التعليمي فقد ثبت أن الاعتماد على الحفظ والاستظهار يقضى على قدرة التحليل في الإنسان وأن هذه الطريقة تقتل القوة المبدعة في العقل البشري والتي يتم عن طريقها تركيب الصور والمعاني بعضا إلى بعض واستخراج نماذج جديدة منها وهذا يتطلب كثيرا من العوامل الذهنية كالإدراك والتجريد والاستدلال كما أنه لا يمكن للإنسان أن يستخدم الخيال كأساس للاختراع والابتكار إلا إذا اعتمد على قدرة التحليل لتحليل المركبات القديمة وقدرة التركيب لإنشاء المخترعات الجديدة وإذن فقدرة التخيل وما يرتبط بها من قدرات عقلية هي أساس الاختراع والإبداع الذي هو الأساس في بناء مختلف جوانب الحضارة الإنسانية في العلوم والفنون والآداب ومن هنا خطورة التمسك بطريقة التربية الإسلامية القائمة على الحفظ والاستظهار لأنها تقتل قدرة التخيل وتقضي على كل ما يتصل بها من قدرات عقلية كذلك فإن الشخص الذي يقوم ذكاؤه على أساس تمثل عدد من الحقائق المفككة غير المترابطة عن طريق التلقين والحفظ والتكرار لا يتوقع أن يكون مبدعا بينما الشخص الذي تكون لديه القدرة على تمثل عدد أقل من الحقائق لكنه يستطيع استخدامها بطريقة مرنة ويكون لديه الدافع لتعلم حقائق جديدة فإنه يمكن أن يكون مبدعا ومن ناحية أخرى فالإبداع يحتاج إلى قدرة نفسية على الثبات لكي يتحمل الفرد المبدع عبء ما يثيره ابداعه من اضطراب في العقول العادية حيث يعكر الإبداع صفو العادات ويعطل الأساليب القديمة في التفكير ولذلك فالمبدع لابد أن يكون شجاعا ولديه القدرة على المجاهرة بما يراه وعلى التمسك برأيه في مواجهة الآخرين والتربية القائمة على التلقين لا توفر الشخصية الاستقلالية.

8ــ ولا أعتقد أن أي من المتعلمين المصريين لم يعان بدرجة أو أخرى من طريقة التربية الإسلامية القائمة على التلقين والحفظ والاستظهار والقهر ويمكننا أن نجد في السيرة الذاتية لكثير من أعلامنا من أمثال الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين كثير من الأمثلة والشواهد التي تؤكد عيوب طريقة التربية الإسلامية ومدى المعاناة التي عانوها من جراء طريقة الحفظ والاستظهار بل إنه لو ؟أن أي منا راجع مسيرته التعليمية في مراحلها المختلفة واسترجع تجاربه في مختلف مراحل التعليم لخلص إلى أن كثير من المعاناة التي تعرض لها كانت بسبب طريقة التلقين والحفظ والاستظهار التي مازالت إلى اليوم هي أساس نظام التعليم المصري.

9ــ وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن قضية تطوير التعليم واشتد الجدل والخلاف في محاولة تبين الأسس الاستراتيجية لهذا التطوير الذي وصفه البعض بالعشوائية ووصفه الآخر بالعلمية.

وهذه الدراسة تستمد من تجاربنا التاريخية الأسس الاستراتيجية لتطوير التعليم المصري وتحديثه فتعرض لأفكار لطفي السيد التربوية ودوره في التعليم المصري خلال عامي 1928/1929م كما تعرض للأفكار التربوية التي وردت في تقريري الخبيرين الأجنبيين( مان) و (كلاباريد) اللذان استعان بهما لطفي السيد في محاولة التعليم المصري وتحديثه.

10ــ وإعادة كتابة التاريخ تثبت لنا أن ما نادى به الوزير المصري لطفي السيد والخبير السويسري الدكتور كلاباريد والخبير الإنجليزي مان مازال أساسا صالحا لبداية تطوير حقيقية لنظم التعليم المصري ، وهذه هي القيمة العلمية للدراسة التاريخية لقضايا التعليم المصري ومشكلاته ومن هنا فإن هذه الدراسة هي أساس علمي جاد في عملية تطوير التعليم المصري.

انتهت المقدمة

دكتور / محمد أبو الإسعاد يناير 1991م

************************************************************************

الـتـعــلـيــق :ــ سيكون على كل فقرة حسب رقمها....

1ــ هناك خلط واضح بين الإسلام كدين وبين تدين المسلمين وفكرهم وثقافتهم وقدرتهم على استخراج ما في القرآن من كنوز لا تحصى ولا تعد ، والسبب هو تركهم للقرآن وهجرانه واختراع دين وتدين آخر مبني على الأحاديث والسير ، وكان هذا هو السبب الحقيقي في هزائم المسلمين ، لأنهم لم يأخذوا بتعاليم القرآن التي تحس على العمل الجاد والبحث والسير في الأرض ، وهنا ظلم للإسلام حينما نسمي نظم ومناهج حياة المسلمين بالحياة الإسلامية منقوم به وما نمارسه هو تدين إسلامي وفكر إسلامي أما الإسلام فهو أرقى وأعلى وأسمى من أن نختزله في شخص أو شعب ، ولذلك عندما نخطئ فكريا او عقائديا نرجع للإسلام في القرآن نصحح ونقوم أنفسنا ، وفي نفس السياق المدرسة الإسلامية حسب مفهومهم الخاطئ تدعو للعودة إلى الرجعية والتخلف والجمود وهذا عكس الإسلام الحقيقي الموجود في القرآن الذي يدعو للتفكر والتدبر.

2ــ تكرار نفس الخطأ ونفس المصطلح ـ(التربية الإسلامية) ـ على طرق التدريس التي كانت سائدة في الأزهر ، لأن طرق التدريس هذه ليست إسلامية ولكنها ناتجة عن ثقافة المسلمين وتأثرهم بفكر معين يدعو للجمود والخنوع والخضوع وتقديس النص واللفظ ، وهذا تحديدا ما نجح فيه رواة وأئمة الحديث حين حولوا معظم علماء المسلمين إلى آلات لنقل العلم من جيل إلى جيل بفصه ونصه دون التجرؤ على النقد أو الاجتهاد ، فكان الحفظ والتلقين والاستظهار هو سيد الموقف وهو الأسلوب الطاغي والمسيطر على المُـعلم والمُـتَـعلم ، وانتقل نفس المرض التعليمي والعلمي إلى نظام التعليم المدني ، ومن وجهة نظري أن هذا يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ السمع والطاعة السني الحنبلي ، كما اعتقد أنه كان مقصودا أيضا ، ولذلك أحذر بعد ثورة يناير من سيطرة الوهابية حتى لا تجـر مصر وشعبها إلى الهاوية.

3ــ نظام التعليم في الأزهر كان مبنيا على الحفظ ولا زال ، حتى يومنا هذا فطلاب الأزهر يحفظون القرآن وكتب الفقه والحديث والتفسير ، بغرض اجتياز الامتحانات ، ولا مجال للتفكير والإبداع والتدبر وإظهار أي وجهة نظر في أي شيء يدرسه الطالب ، هذه العلاقة هي المتعارف عليها في جميع مؤسسات الدولة في التعليم بين المدرس والطلاب ، في المسجد بين الإمام والمصلين ، لغة التواصل هي التلقين ، والمستمع عليه السمع والطاعة.

4ــ رغم أنهم في تطبيقهم لمنهج (التربية الإسلامية) يخالفون القرآن الكريم إلا أنهم يضعون حاجزا مانعا حول هذه التربية الإسلامية ويجعلون من الهجوم عليها هجوما على الإسلام ، وهي تتناقض تماما مع تعاليم القرآن وأوامره وهذا يحتاج إلى توضيح: نظم التعليم في البلاد الإسلامية تعتمد على الجمود والتكرار والنقل والحفظ والاستظهار وعدم التفكير أو الإبداع ، لكن على العكس تماما نجد القرآن الكريم يدعو البشر جميعا إلى السير في الأرض والتفكر في خلق كل شيء بدء من خلق الإنسان نفسه إلى التفكر والتبصر في خلق السموات والأرض وتحدث القرآن عن نزول المطر والظواهر الجوية وتكوين الجنين وكيفية خروج النباتات من باطن الأرض وأمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ القرآن نفسه بتعقل وتدبر وتفكر في كل آياته وكلماته وهو كتاب ربنا جل وعلا ، لكن على النقيض تماما تجد المسلمين يقدسون النصوص البشرية ويحرمون الاجتهاد والتفكر وإبداء الرأي فيها ، هذه إحدى المصائب التي أصيب بها المسلمون وتأثر بها التعليم في مصر ، ورغم أن القرآن الكريم سبق الغرب وأمريكا بقرون في وضع مناهج تعليم سليمة تنهض بأي مجتمع يأخذ بها إلا أن معظم المسلمين إلى الآن لم يدركوا هذا ، والفكر القرآني ورواده وحدهم لديهم الحل ، لديهم رؤية حقيقية قرآنية ، ومنهج وبرنامج مستنبط من القرآن الكريم يمكن من خلاله إصلاح التعليم المصري ، لكن هل من مجيب.

إذن القرآن الكريم سبق الأوروبيون بقرون في وضع مناهج صحيحة للتعليم والتربية والإصلاح لكن العيب في المسلمين لأنهم فضلوا مناهج الجمود وقتل الإبداع والابتكار، وكما أشرت كان هذا مقصودا و ممنهجا.

5ــ في هذه الفقرة تحديدا يتجلى ما أشرت إليه في مسألة تقديس اللفظ والنص عند النقل وهذا ما يحدث الآن في الأزهر يتم طبع الكتب كل عام وتوزيعها على المعاهد وفيها ما فيها ولا يستطيع أحد تصحيح كلمة واحدة لأنهم يقدسون ما فيها من كلمات ، ولم يأت هذا من فراغ ، ولكن كل شيء له أساس فعلم الحديث والمحدثين أسس قاعدة وأرضية ليست هينة من العلماء والدارسين الذين وهبوا أعمارهم لدراسة علم الحديث والرواة والجرح والتعديل كما هي بأسلوب النقل والحفظ والتكرار.

6ــ وفي نفس السياق وتأثرا بكل ما سبق تتحول العلاقة بين المُـعلم والمُـتَعلم إلى علاقة قدسية لا يمكن للمُتـَعلم أن يعترض على معلمه أو يناقشه ، ومن وجهة نظري أن هذه العلاقة كانت هي السائدة بين الفقهاء ورجال الدين وبين العامة ، فكلاهما مترابط بالآخر ويؤثر فيه ويتأثر به.

7ــ ربنا جل وعلا بين في القرآن الكريم أن القرآن يكون هدى ورحمة ونور على بعض الناس ، و قد يكون ضلالا وظلمات على البعض الآخر ، وهذا بالطبع يرجع لكيفية التعامل مع القرآن ، وهذا ما توصل إليه علماء النفس من تأثير الحفظ والاستظهار فإن هذا يقضي ويقتل ملكة التحليل والابتكار والإبداع عند البشر ، والقرآن أيضا سباق في هذا لأنه يدعو للتفكر والتخيل في ملكوت الله جل وعلا باختصار يدعو للتحرر وإعمال العقل.

8ــ أرى من وجهة نظري أن استخدام منهج تعليمي واحد مع جميع الدارسين هو أسلوب خاطئ لأنه يتجاهل ظاهرة الفروق الفردية بين البشر وتفاوت مستوياتهم الفكرية والعقلية ، وهذا أيضا لم يتجاهله القرآن ولكن ربنا جل وعلا فضل بعضنا على بعض في العلم والجسم والرزق والعقل.

9ــ إن عملية تطوير التعليم ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدين السائد في المجتمع ، ومن وجهة نظري أول خطوة في تطوير التعليم هي عملية تقنين عمل المدرس بحيث يمنع أي مدرس من تدريس فكره الشخصي للطلاب بالإجبار ، وهذا ما حدث ويحدث في مدراس مصر ومعاهد الأزهر ، فالمدرس الاخواني أو السلفي يفرض فكره الشخصي ورؤيته الشخصية للدين على الطلاب دون رقيب ، وبتطبيق مبدأ السمع والطاعة والخنوع والتلقين لا يجرؤ طالب على الاعتراض ، وبهذه الطريقة تربى جيل وراء جيل على الجمود والخنوع والخضوع وتحولوا إلى عبئ على الدولة لأنهم أشباه متعلمين ، وهنا تكمن الخطورة ، فمن حق كل إنسان أن ينتمي او يعتنق ما يشاء من الفكر لكن ليس من حقه أن يفرض فكره على طلابه داخل حجرات الدراسة المغلقة.

10ــ أكرر وأقول إن مصر حاليا تمر بظروف مشابهة للمرحلة ما بعد ثورة 19 ، حيث بدأ الغزو الوهابي لمصر عام 1928م ، الدولة الآن هشة ورخوة ويسهل اختراقها سياسيا وفكريا وعلميا ، وبعد الثورة نجح التيار الوهابي في الانتخابات بأغلبية واضحة وهذا ينذر بالخطر على التعليم المصري وعلى الشعب المصري كله ، ولابد من إصلاح هذا التعليم وإنقاذه من الوقوع فريسة للفكر الوهابي من جديد إذا كنا فعلا نريد أن نحمي مصر وشعبها ونجني ثمار هذه الثورة العظيمة.

وإلى اللقاء في المقال الثاني.....