الأربعاء، 25 يناير 2012

الـثـورة الـمـصـريـة بــدأت الـيـوم .... ولـكـن..!!

الـثـورة الـمـصـريـة بــدأت الـيـوم .... ولـكـن..!!

بعد مرور عام كامل على انطلاق ثورة 25 يناير 2011م ، ورغم التضحيات من قتلى ومصابين ، ورغم الحرق والتخريب الذي طال بعض مؤسسات الدولة ، إلا أنني اعتقد وبكل المقاييس أن المصريين استفادوا واكتسبوا خبرات لا بأس بها خلال هذا العام ، وسيتم تسخير هذه الخبرات والاستعانة بها في إكمال مسيرة الثورة المصرية لتتخطى العقبات والمصاعب وتكشف الحيل والخداع المضاد ، لتمتلك الثورة القدرة على السير في الطريق الصحيح لتحقيق جميع مطالبها كاملة بجدول زمني واضح ومحدد دون أي تباطؤ أو تواطؤ من أحد ، وذلك لأن الإصلاح والديمقراطية والحرية لابد لهم من ثمنٍ غالٍ.

فمنذ شهور كان الثوار يتعاملون مع عدو واحد هو مبارك حين كانت نظرتهم سطحية للأمور ، ولذلك تعالت جميع الأصوات قبيل التنحي بـ ( يسقط يسقط حسني مبارك) ، لكن بمرور الوقت بدأت الصورة تتضح أمام الثوار وأمام الشعب المصري كله ، حيث أضيف لأعداء الثورة أو أعضاء (الثورة المضادة) متهمون جدد ، منهم من كانوا يخدعون الثوار وهم الاخوان والسلفيون ، ومنهم من كانوا يدّعون حماية الثورة وهم المجلس العسكري الذراع الباطشة لمبارك وسياسته الفاسدة والتي كانت متخفية إلى وقت قريب ، بالإضافة إلى تجلية حقائق عديدة أمام المصريين أثبتت لهم جميعا بوضوح من فعلا مع الثورة ومن فعلا ضدها ومن كان يحاول قتلها بحثا عن مصالحه الخاصة ومنافعه الشخصية ، وهنا لابد أن نذكر بحث الاخوان والسلفيين عن السلطة واستغلال التوقيتات المناسبة في المشاركة وعدم المشاركة في فاعليات الثورة إرضاء للمجلس العسكري ، وكذلك محاولتهم الواضحة ودفاعهم عن احتفاظ أعضاء المجلس العسكري بالسلطة حماية له من المحاكمة ، لأن أعضاء المجلس العسكري وبعض قيادات القوات المسلحة قلوبهم ترتعـد و تمتلئ خوفا على ممتلكاتهم ومزارعهم وأراضيهم ومصانعهم التي تقدر بحوالي 40%من اجمالي اقتصاد مصر.

رغم ما حدث خلال العام الماضي من قتل وسحل وهتك لأعراض المصريين ، رغم ما حدث خلال العام الماضي من محاكمات فاضحة فيها إهانة وصفعة تاريخية على وجه القضاء المصري الذي سمح لمتهم أن يحاكم وهو نائم ، وهي حالة فريدة وعجيبة وشاذة وفيها ما فيها من استخفاف بالقضاء وإهانة لمؤسسة يفترض أنه مسئولة عن تحقيق العدالة بين الناس ، لأنه لو كان هذا مواطنا مصريا فقيرا لوضع في القفص وأجبر على الجلوس حتى لو كان في حالة احتضار ، فلن يسمح له أن يتأخر دقيقة عن موعد جلسة أو يحاكم وهو نائم ، وهنا لابد أن نذكر عملية تكبيل مصابي الثورة في الأسِرّة في مستشفيات الحكومة بينما مبارك يعيش في نعيم ويُنفق عليه بالملايين من أموالنا ، في الوقت الذي لا يجد فيه من فقدوا نور عيونهم أقل وأبسط درجات الرحمة والرأفة والعلاج بمستشفيات مصر التي هي ملكا لهم ، وأسر الشهداء حالهم كحال شهداء العبارة السلام 98.

ورغم التباطؤ والتواطؤ في عملية استرداد الأموال من الخارج ، ورغم التباطؤ والتواطؤ في عملية الكشف عن أرصدة مبارك في الداخل التي وصلت حتى الآن حوالي 9مليار دولار ولماذا لم يعلن عنها البنك المركزي..؟ هذا السؤال موجه لرئيس البنك المركزي ولأعضاء المجلس العسكري ، كما تم الكشف عن أرصدة مبارك في الخارج بحوالي 45 مليار دولار حتى الآن ، ورغم التباطؤ والتواطؤ في فتح الصناديق الخاصة التي أعلن عن المبالغ المجمدة فيها بحوالي 1275مليار جنيه مصري ، هذا حسب ما نشر في جريدة صوت الأزهر في عددها الأخير هذا الأسبوع ، رغم كل هذه الأموال إلا أن الجنزوري ومجلسه العسكري يذهبون هنا وهناك للتسول على مصر وشعبها ، وهذه جريمة يعاقب عليها القانون لأن فيها إهانة للدولة المصرية وتصويرها وكأنها دولة تتسول لقمة العيش ، فإذا كان المجلس العسكري لا يسمح ولا يقبل من أحد أن يوجه له أي نقد ، وفورا يحوله للمحاكمة العسكرية بتهمة إهانة القوات المسلحة ، فلابد من محاكمة أعضاء المجلس العسكري بتهمة إهانة الدولة المصرية لأن مصر ليست فقيرة وهم يقومون بالتسول باسمها رغم وجود كل هذه الأرصدة داخل مصر.

ورغم كل هذه الأموال لم يتم تنفيذ الحد الأدنى والأقصى للأجور تحقيقا للعدالة الاجتماعية ، ولم يتم تطبيق الضريبة التصاعدية على أرباب الثراء الفاحش الذين صنعهم فساد مبارك ، والذين سرقوا حقوق المصريين في العيش في مساواة وعدالة إنسانية ، ولم يتم توفير أنابيب الغاز والبنزين 80 لمنع المشاجرات بين الناس ، لأن هذا الوقود يمثل عصب الحياة لمعظم المصريين البسطاء والفقراء وكذلك يمثل لهم الحياة ولقمة العيش.

وضوح الرؤية أمام معظم المصريين فيما يخص البلطجة ومن يشرف عليها ومن يمولها ومن يديرها ، وكيف يختفي البلطجية فجأة ويظهرون فجأة.

أمور كثيرة ظهرت جلية خلال العام الماضي وعلى رأسها البرلمان الحالي الذي يبين إلى أي مدى تم التعاون بين المجلس العسكري والاخوان للوصول لهذا البرلمان ، وهذا ليس اتهاما بتزوير الانتخابات ولكن الإجراءات التي تمت بها الانتخابات في توزيع وتوسيع الدوائر بهذه الطريقة ، وفي طريقة وأسلوب الانتخاب أو التصويت ، وغض الطرف عن بعض مخالفات وتجاوزات الأخوان أدى بصورة واضحة لنجاحهم باكتساح للبرلمان بهذه النسبة ، وهذا يصب في مصلحة المجلس العسكري وقتلة الثوار من مبارك لأصغر ضابط وجندي ، لأن أول ما فكر فيه الأخوان بعد فوزهم في المرحلة الأولى من الانتخابات (الترويج لفكرة) لا يمكن أن أسميها إلا خيانة واضحة للثورة والثوار وهي اقناع أسر الشهداء بقبول الدية من القتلة وطالبوهم أن يعفوا ويصفحوا ويقبلوا الدية والمالية من القتلة ، ولإثبات التهمة عليهم أعلن كثير من أهالي الشهداء قيام بعض المشايخ والدعاة التابعين للسلفيين والاخوان بالتفاوض مع أسر الشهداء للتنازل عن حقوقهم وقبول الدية في دماء ذويهم لإنقاذ الضباط القتلة من المشانق ، رغم أن الدية في الشرع لا تجوز إلا في حالة القتل الخطأ ، ورغم ذلك لم يخجل هؤلاء بعرض فكرة قبول الدية وشراء دماء الشهداء التي لا يمكن أن تقدر بمال الدنيا.

سؤال للقضاء المصري وأساتذة القانون هل من حق محامي المخلوع أن يقول في ساحة المحكمة أن مبارك لا يزال رئيسا لمصر.؟ إذا كان هذا غير قانوني فيجب أخذ إجراء مناسب حيال هذا المحامي ، وفي جميع الأحوال لا أعتقد أن من حق دفاع مبارك أن يقول مثل هذا الكلام رغم اقتناعي أن من حق نفس الدفاع أن يعلن ويطالب ببراءة موكله المخلوع ، لكن هذا المخلوع تم إجباره بإرادة شعبية قوية أن يخرج من القصر ، فليس من حق أي إنسان أن ينعته بالرئيس بعد خلعه فهذا استخفاف بالمصريين وبثورتهم واستهزاء وسخرية واضحة بأنفس الشهداء ودمائهم الطاهرة التي نجحت في خلع هذا القاتل من كرسيه وطرحه أرضا ذليلا يدعي ويمثل المرض أمام العالم.

الأحداث خلال عام وضعت جميع فئات الشعب المصري في اختبار حقيقي أمام أنفسهم هل لا زالوا يؤمنون بثورتهم أم نجح أعداء الثورة في إجهاض الحس الثوري وإجهاد الإرادة الثورية داخل المصريين ، وخلق حالة شعبية عامة ترفض الثورة وتسبها وتصفها بأنها سبب كل بلاء وخراب حل بالمصريين ، وما أراه بعد نهاية هذا اليوم أعتقد وأتصور أن الثورة المصرية لا تزال حية في قلوب معظم المصريين ، ولا تزال تنبض بقوة.

لكن من وجهة نظري أقول أن الثورة المصرية بدأت اليوم الأربعاء 25 يناير 2012م ، والسبب أن الشعب المصري معظمه رفض الاحتفال بالثورة لأن مطالبها لم تتحقق رفض الاحتفال حزنا على شهدائها رفض الاحتفال لأن القصاص العادل لم يتحقق ، وكذلك استفاد الشعب من عام كامل من العمل الثوري المستمر ، وفي نهاية هذا العام أفرزت الأحداث البرلمان المصري وإن كان لا يعبر على الإطلاق عن الثورة المصرية ، ولكن هذا البرلمان سيكون العامل الأول لتحقيق جميع مطالب الثورة بالإجبار وبالإرادة الثورية الشعبية ، وفي الحقيقة أقول هذا ليس ثقة في النواب مع كامل احترامي لهم جميعا ، ولكن لأن المجلس العسكري كرّس جهوده لكي يفوز الاخوان بأغلبية في البرلمان ليتركوا منصب رئيس الدولة لأحد الشخصيات العسكرية وبذلك تتم الصفقة بينهما ، ولكن إن شاء الله تعالى سيكون هذا البرلمان هو عامل الضغط على المجلس العسكري وعلى الحكومة في تنفيذ جميع مطالب الثورة ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان على المطالبة بمحاكمة جميع القتلة والمجرمين والسارقين والفاسدين ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان نفسه على العمل بجد لاسترداد أموال المصريين في الداخل والخارج ، وسَيُـجْـبَـر هذا البرلمان على فعل كل شيء مع الثورة ليحقق جميع مطالب الثورة رغما عنهم ، أقول هذا الكلام لأن الاخوان منذ الأيام الأولى للثورة جلسوا للتفاوض والحوار مع عمر سليمان ، ثم مع المجلس العسكري ، وظهر هذا التفاوض والاشتراك الواضح في المصالح بين الاخوان والسلفيين منذ البداية في استفتاء 19 مارس ، ثم دفاع الأخوان بوضوح عن المجلس العسكري والمطالبة ببقائه في السلطة ، وكذلك وصف بعض دعاة السلفية المجلس العسكري بأنه ولي الأمر ولا يجوز الخروج عليه كما قالوا عن مبارك في الأيام الأولى للثورة ، وتبلورت هذه المصالح المشتركة في هذا البرلمان الحالي الذي يظن المجلس العسكري أن هذا البرلمان سيناصر المجلس ويحافظ على وضعه أو على الأقل سينجح في تنفيذ اتفاقية الخروج الآمن التي لم يجرؤ أي مواطن مصري التحدث عنها إلا الأخوان الذين اختارهم الناس مُرغَـمين أو مستفيدين أو مؤيدين ، أعتقد أن جميع المصريين الذين اختاروا الاخوان لن يسمحوا لهم أبدا أبدا تسليم مصر من جديد للحكم العسكري ، وكذلك لن يسمحوا أبدا للأخوان أن يتواطؤوا في محاكمة القتلة واسترداد أموال المصريين ، وإن لم يفعلوا هذا فهم يثبتون للمصريين ويؤكدون اتفاقهم مع العسكر على صفقة حقيقية هي البرلمان لنا والرئاسة لكم.

إذن على هذا البرلمان أن يقف مع الثورة ويثبت حسن النوايا ويطالب بتحقيق جميع مطالب الثورة كاملة لتحقيق العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمحاكمة السياسية للقتلة ، بدون أي تأخير لأن الشعب كوّن ثقافة ثورية عالية ويستطيع التعامل مع جميع المواقف وبطريقة سلمية ، ولابد أن يعلم الجميع أن أقوى إرادة هي إرادة الشعب ، ولن تستطيع قوة في العالم أن تكسر إرادة الشعب المصري ، لأن الشعب المصري نفسه هو من كسر حاجز الخوف وقهر أجهزة القمع التي نجحت بامتياز في تطبيق أعلى درجات القمع والقهر والاستبداد خلال أكثر من نصف قرن مضى ، أعتقد أن قوة مثل هذه القوة مهما زادت أو قلت بمرور الوقت لا يجب أن يستهان بها أو يتم تجاهلها ، الثورة المصرية بدأت اليوم فعلا لأنها أسقطت الاستبداد السياسي في عام ، ولو لم يعمل البرلمان على تحقيق مطالب الثورة المصرية كاملة فإرادة الشعب قادرة على إسقاط الاستبداد الديني الذي نزل التحرير اليوم يحتفل بنجاح الثورة أو يحتفل بنجاحه هو فيما حققه من مكاسب خاصة ، وكأن هؤلاء يسيرون في طريق بعيد تماما عن طريق الثورة ، اعتقد أن الثورة المصرية قادرة على اسقاط أي استبداد سياسي أو ديني ، ولذلك أكرر الثورة المصرية بدأت اليوم الأربعاء 25 يناير 2012م ، رغم المراهنة المستمرة من أعداء الثورة على يقظة المصريين وعلى ذاكرتهم الثورية وقدرتهم على التحمل والصبر والاستمرار على نفس الحالة الثورية النشطة وقدرتهم على تحمل مزيد من الشهداء والمصابين ، أثبت المصريون أنهم أقوى من أي شيء ، اليوم الشعب ظهر أكثر قوة وثقة ، كان المكسب الأبرز خلال عام هو كسر حاجز الخوف في قلوب معظم المصريين.

مصر لسه بخير

مصر لسه بخير والثورة لسه فيها الحياة

مهما حاربها الغير بكرة هاتلاقي طوق النجاة

شعبها قال تغيير وهو دا هدفه وهمه ومبتغاه

مفيش تاني رجوع مفيش تاني خضوع

مفيش ظلم وذل وقهر دا كله خلاص .... نسيناه

هاترهبونا هاتقتلونا الخوف خلاص .... ودعناه

الخميس، 5 يناير 2012

رؤيــة فـي تـحــديـث الـتـعــلـيـم الـمـصــري ....الـمـقــال الأول

رؤيــة فـي تـحــديـث الـتـعــلـيـم الـمـصــري ....الـمـقــال الأول

تمهيد:

إن مخالطة المخلصين من العلماء المبدعين والمفكرين المصلحين المستـنـيرين يساهم بشكل كبير جدا في بناء الشخصية الإنسانية ويساهم في تشكيل ملامحها وطرق تفكيرها ومدى اهتمامها وانشغالها بهموم الوطن ، ووضع مصلحة الوطن فوق المصلحة الشخصية ، إن ممارسة الحوار والنقاش مع هذه الثلة من المفكرين المصلحين ينمي ملكة الإبداع داخل الإنسان خصوصا لو كانوا دائما ينزلون لمستوى بسيط جدا ومنطقة سهلة تسمح بالتواصل بين طرفي النقاش.

ومن حسن حظي اعتبر نفسي ممن يخالط ويحاور ويجالس العلماء ، وبدأ ذلك مبكرا جدا بسبب قرابتي واتصالي الدائم بالدكتور احمد صبحي منصور ، ثم في عام 1997م ، حين كنت أذهب معه لحضور رواق ابن خلدون ، ومن الشخصيات الهامة التي تعرفت عليها هناك المرحوم الأستاذ الدكتور/ محمد أبو الإسعاد ـ وفي الحقيقة هذا الرجل لا أنسى أبدا ملامح وجهه حينما كان يتحدث في أي موضوع يخص مصر ومستقبلها ، فكنت أراه مهموما بمصالح مصر ودائم الانشغال بإصلاح كل شيء فيها وخصوصا التعليم وهو صميم تخصصه كأستاذ جامعي ، ومن الكتب الرائعة التي قرأتها له ـ كتاب (رؤية في تحديث التعليم المصري) ، وبعد قراءة هذا الكتاب الذي تم تأليفه في عام 1991م ، وهو في الأساس يناقش ويلقي الضوء على فكر (أحمد لطفي السيد) في تطوير التعليم المصري في بدايات القرن العشرين ، وتحديدا في عام 1928م ، قررت كتابة تعليق عليه ونشره ، ومن أهم الأسباب التي دفعـتـني لنشر هذا الكتاب مرة أخرى وإحياء فكرة تطوير التعليم من جديد سببين أحدهما: أن التعليم المصري لم يتغير فيه أي شيء ، بل ازداد سوء وفسادا وخواء وتخريبا للعقول ، ثانيهما: تطابق أو تشابه الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها مصر وقت مشروع أحمد لطفي السيد (بعد ثورة 1919م ) مع نفس الظروف الحالية في مصر (بعد ثورة 25يناير 2011م) ، وفي هاتين الفترتين التاريخيتين نرى أن مصر تقوم بثورة شعبية ، ويعقبها ظهور تيار ديني يسيطر على العامة بفكر ديني وهابي صحراوي لم يتغير ، وهذا الفكر كان ولا زال مدفوعا من الدولة الوهابية ، يريد جر مصر إلى الوراء وإرجاعها قرونا طويلة وإحياء ثقافة التقليد الأعمى للنصوص وإجهاض العقول ودعوة صريحة للجمود الفكري وقتل الإبداع داخل شباب وأطفال هذا البلد ، بالإضافة أننا فعلا بعد الثورة في حاجة ماسة لإصلاح التعليم المصري لأن إصلاح التعليم معناه النهوض بالمجتمع كله ، فلو انصلح حال التعليم والمتعـلمين ، فمن المؤكد أنهم سينـتـشلون المجتمع لينهضوا به في كل شيء ، ويخلصونه من سيطرة أي فكر رجعي مهما كان ، وهذه مقارنة تاريخية كان يجب الإشارة إليها حتى نؤكد ونذكر الشعب المصري أن آل سعود لم ولن ينسوا ثأرهم من مصر ويصرون كل الإصرار أن تسقط مصر صريعة للفكر الوهابي انتقاما من مصر والمصريين لأن التاريخ أثبت أن مصر كانت سببا في إسقاط دولة آل سعود مرتين في عام 1818م ، وفي عام 1891م.

والآن مع المقال الأول من الكتاب

ويتلوه تعقيب بسيط:

********************************************************************

رؤيـة في تحديث التعليم المصري

مقدمة

التعليم المصري بين القديم والحديث

1ــ انطوى الإسلام منذ نشأته في القرن السابع الميلادي على طريقة كامله في الحياه ذات قواعد وقيم ونظم ركن اليها المسلمون واطمأنوا حتى أخريات القرن الثامن عشر عندما بدأ احتكاكهم بالحضارة الاوربية وتوالت هزائم المسلمين على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين وثارت التساؤلات حول مدى صلاحيه نطام الحياة الاسلامية لطبيعة العصر وأدى ذلك الى ظهور فريقين.. الفريق الاول دعى الى التخلي عن الماضي وتبنى جميع الأفكار والمثل العليا الغربية وهذا الفريق عرف بالمدرسة التغريبية حيث نادت باستيراد أفكار الغرب في التحديث واستقاء الإصلاح من الينابيع الغربية.... والفريق الآخر نادى باستقاء الاصلاح من الينابيع الاسلامية والتمسك بالماضي والعودة بالإسلام إلى أصوله الأولى ممثلة في القرآن والسنة ، وهذا الفريق عرف بالمدرسة الإسلامية أو المدرسة السلفية ، واشتد الصراع بين أنصار الفريقـيـن فاتهم دعاة التغريب والتحديث أنصار السلفية بالرجعية والتخلف والجهل وندد السلفيون بأنصار التغريب واتهموهم بمعاداة الحضارة الإسلامية والكفر بالدين الإسلامي.

وأدى هذا الجدل الحاد بين الفريقين إلى محاولات توفيقية تمثلت في ظهور فريق ثالث وقـف موقـفا وسطا وحاول أن يوفـق بين الحضارة الغربية والقيم الإسلامية ويأخذ من كل منها بقدر وعرف هذا الفريق بأنصار الإصلاح.

2ــ وقد انعكس هذا الجدل بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية ومحاولة التوفيق بينهما على ميدان التعليم فتحمس فريق للأفكار التربوية الحديثة التي ظهرت مع الحضارة الأوروبية الحديثة ودعا إلى الأخذ بنظم التعليم الحديثة ونظرياته وطرقه ووسائله ومناهجه ، وتمسك الفريق الآخر بالفكر التربوي الإسلامي ودعا إلى المحافظة على نظم التعليم الإسلامية المتوارثة ، وحاول الفريق الثالث التوفيق فأخذ عن التعليم الأوروبي بعضا من نظمه ومناهجه ليصلح بها بعض جوانب التعليم التقليدي المتوارث عن الحضارة الإسلامية ، وفي بادئ الأمر كان التعليم القديم أو التعليم الديني الإسلامي هو وحده الذي عرفه المصريون حتى بدايات القرن التاسع عشر فكان الأزهر ومدارس المساجد والكتاتيب هي وحدها مصدر التعليم والثقافة في البلاد وكانت مناهج الدراسة تنحصر في علوم اللغة العربية والدين الإسلامي إلى جانب بعض الغيبيات كعلوم التصوف والنجوم والحروف والوفاق وغيرها من الغيبيات ، ثم أنشأ محمد على مع مطلع القرن التاسع عشر التعليم المدني الحديث ليعد التلاميذ وفقا للمثال الغربي الذي يعد التلاميذ للحياة الدنيوية ومن ثم أصبح هناك نظامان للتعليم: نظام التعليم الديني القديم في الأزهر والكتاتيب ونظام التعليم المدني الحديث.

3ــ وقد استعان محمد على في مدراس التعليم المدني الحديث الذي أنشأه بمدرسين من الأزهر لتعليم علوم اللغة العربية والقرآن ونقل هؤلاء المدرسين معهم إلى مدارس التعليم المدني الحديث بعض كتب الازهر الخاصة بتعليم الدين واللغة العربية ، ولم يحمل مدرسو الأزهر معهم الكتب فحسب بل حملوا معهم كذلك طريقة طلاب الأزهر في الدرس وهى الحفظ والاستظهار وتعدى الحفظ كتب الدين واللغة إلى حفظ كتب العلوم الحديثة وقوى هذه الطريقة شدة الاهتمام بالامتحانات فأصبحت ظاهرة الحفظ والاستظهار من أخطر الظواهر التي اقترنت بالتعليم المصري حتى اليوم ، وبذلك أثّـر التعليم القديم في التعليم المصري الحديث تأثيرا واضحا وأصبح التعليم الحديث في شكله أوربيا وفى روحه أزهريا ، فلا شك أن كتب الأزهر ورجال الازهر كان لهم أكبر الأثر في بث روح الأزهر في المدارس الحديثة فاحتل تعليم القرآن وعلوم اللغة مكانا بارزا وأصبح أسلوب الدراسة الازهرية القائم على الحفظ والاستظهار هو أسلوب المدرسة المصرية الحديثة التي انشأها محمد على ، وقد حاول فريق من الغلاة الدفاع عن طريقة التعليم الإسلامية التي تمثلت في التلقين والحفظ والاستظهار.

4ــ وربطوا بين طريقة التعليم الاسلامية وبين الدين الإسلامي واعتبروا الهجوم على طريقة التعليم الاسلامية نوعا من الهجوم على الاسلام ذاته كدين ، وذهب البعض الى القول بأن البشرية لم تعرف في تاريخها كله نظاما تربويا بالسعة والشمول الذى يتميز به منهج التربية الاسلامية وأن طريقة الاسلام في التربية التي تعتمد على القرآن توقظ الحس في النفس وتوجه القلب إلى الله وتقيم الصلة الدائمة مع الله ، وذهب البعض الآخر الى ان تعليم القرآن بطريق التلقين بمعنى أن الطفل يكرر ما يذكره المعلم من فقرات الى أن يتم له حفظها بطريقة آلية دون ان يعنى المدرس بالشرح في هذه المرحلة وتوضيح المعنى لتعذر الفهم على الطفل قد يبدو طريقة مخالفة للطرق الحديثة في التعليم التي تعنى بالفهم ليتيسر الحفظ ولكنها دلالة على كل حال على روح التقوى والحماسة الدينية الشديدة التي يتميز بها ذلك العصر فالبدء في تعليم الطفل بتحفيظ القرآن خير وبركة وتقوى كما أن فيه ضمانا لعدم النسيان ، وذهب البعض الآخر الى أن النظرية الاسلامية في التربية قامت على أهمية تلاوة القرآن وحفظه وأنها اعتمدت على حيوية ذاكره الطفل وقدرته على الاستيعاب في الصغر وتحصيل مالا يستطيع تحصيله في كبره ومن ثم بادرت التربية الاسلامية الى ملء ذاكرة التلميذ في صغره بشتى المعارف دون التفات الى القاعدة التربوية التي لا تجيز للإنسان ان يحفظ إلا ما فهم بيد أن خطورة طريقة الحفظ من غير فهم انها تُـكَـوِّن لدى الفرد عادة الاكتفاء بالألفاظ وعدم التفكير مما يكون له أثره السيء في تكوين الفرد الفكري فالعادات التي تتكون لدى الطفل تصبح طبيعة لا يسهل الاقلاع عنها ، وقد تصدى فريق آخر من المفكرين لنقد طريقه التربية الاسلامية واسلوبها فالتعليم باعتباره أسلوبا مختلفا ويؤدى الى تكريس التخلف فذهب البعض الى أن الابتكار هو القدرة على إدراك فكرة جديدة وانتاج آراء أو مخترعات أو اعمال جديدة في الفن والعلم والأدب وان الفرق بين الشرق والغرب هو في هذا الابتكار فنحن (الشرقيون) مقلدون وجامدون على القديم والدنيا تقوم على الابتكار والاختراع فهل هذه التقليدية وقلة الابتكار من طبيعة عقلنا أو من سوء تربيتنا.؟

وأجاب على ذلك قائلا...

5ــ المسألة ليست مسألة عقل وإنما هي التربية التي لا تبعث على روح الإبداع ولا تحقق قدرة على الابتكار لأنها تقوم على منهج النقل والوقوف عند النقل والمحافظة على الجملة بل على اللفظة بل على الحرف وهو أسلوب طبيعي في حدود علم الحديث والسنة وحده وإنما الغلط جاء من تعميم هذا المنهج وتطبيقه بشدة وقسوة على سائر العلوم فسيطر المحدثون وفرضوا منهجهم في كل العلوم وساد النقل وتقديس الألفاظ وطبعت العلوم كلها بطابع العلم الحديث ، وقد كان تعليم هذا المنهج سبب في أن العقلية العربية الإسلامية وقعت في فخ التقليد وحرمت من الابتكار ونشأت الأجيال على هذا المنهج وأصبح التخلص منه عسيرا يحتاج إلى فترات كبيرة وسنين طويلة وذلك بسبب أسلوبنا في التربية فالتربية التي تقيس الطالب بمقدار ما حصل واطلع لا بمقدار خلقه وإبداعه وبمقدار حفظه لا بمقدار نقده والتربية التي تقدس الكتاب ولا تقدس التجربة والمدرس الذي يُحَاسِب الطالب على ما أملى ويؤاخذه على ما خلق والامتحان الذي يرتب الممـتحــنـيـن حسب كثرة استذكارهم لا حسب كفايتهم كل هذه الضروب من التربية تنتج التقليد وتميت الابتكار ، والتربية الصحيحة هي التي تُـكَـوِّن المبتكر والمبدع والشخصية الناقدة.

6ــ وذهب البعض الآخر إلى أن طريقة التقليد في العقلية هي طريقة تعتمد على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجال للتساؤل والبحث والتجريب فتؤدي طريقة التقليد إلى نقل قيم المجتمع وعاداته إلى صميم التركيب الذهني للفرد وإلى قبوله لها دون تفهم أو نقد ذلك أن التلقين هو طريقة تسلطية في التعليم تجعل المتعلم يستجيب باكتساب عادة الصَّــمْ والحفظ والاستظهار الأمر الذي يؤدي إلى إبعاد الفهم والإدراك ويعود التلميذ على قبول الأشياء دون اعتراض أو تساؤل ومن خلال ذلك يتعلم اللغو ومن ثم تعطل طاقة الإبداع الكامنة في الإنسان ، ذلك أن طريقة التلقين هي عملية إرهاب مباشر إذ تهدف إلى التسليم بما يتعلمه الفرد ويحفظه دون تساؤل أو تفهم فيصبح العقل أداه تردد وحفظ بدلا من أن يكون وسيلة تحليل ومعرفة ونقد فيتعرض التلاميذ في هذه الطريقة إلى الكبت الذهني إذ تكبل طريقة التلقين عقول التلاميذ وتحد من نموهم الذهني إلى الحد الذي يمكننا معه وصف عملية التلقين بانها عملية خصي فكري لعقلية المتعلم وفوق ذلك فهذه الطريقة تعكس تسلط المعلم وتعزز سلطته وتؤمن خضوع التلميذ له عن طيق التسميع والاستظهار بدون فهم والتسديد على الذاكرة والتحقق من النصوص وكل ذلك يؤدي إلى تعزيز توجيه النمو العقلي نحو الكفاءة الكلامية بعيدا عن التساؤل والاستفسار فيؤدي النظام المبني على التسلط والاستظهار بدون فهم إلى قتل روح المبادرة لدى التلميذ وكبت اندفاعه نحو النقد والإبداع لأن الحرية شرط أساسي من شروط النمو العقلي الصحيح.

7ــ وقد أثارت طريقة التربية الإسلامية القائمة على الحفظ والاستظهار عددا من المشكلات المتصلة بعلم النفس التعليمي فقد ثبت أن الاعتماد على الحفظ والاستظهار يقضى على قدرة التحليل في الإنسان وأن هذه الطريقة تقتل القوة المبدعة في العقل البشري والتي يتم عن طريقها تركيب الصور والمعاني بعضا إلى بعض واستخراج نماذج جديدة منها وهذا يتطلب كثيرا من العوامل الذهنية كالإدراك والتجريد والاستدلال كما أنه لا يمكن للإنسان أن يستخدم الخيال كأساس للاختراع والابتكار إلا إذا اعتمد على قدرة التحليل لتحليل المركبات القديمة وقدرة التركيب لإنشاء المخترعات الجديدة وإذن فقدرة التخيل وما يرتبط بها من قدرات عقلية هي أساس الاختراع والإبداع الذي هو الأساس في بناء مختلف جوانب الحضارة الإنسانية في العلوم والفنون والآداب ومن هنا خطورة التمسك بطريقة التربية الإسلامية القائمة على الحفظ والاستظهار لأنها تقتل قدرة التخيل وتقضي على كل ما يتصل بها من قدرات عقلية كذلك فإن الشخص الذي يقوم ذكاؤه على أساس تمثل عدد من الحقائق المفككة غير المترابطة عن طريق التلقين والحفظ والتكرار لا يتوقع أن يكون مبدعا بينما الشخص الذي تكون لديه القدرة على تمثل عدد أقل من الحقائق لكنه يستطيع استخدامها بطريقة مرنة ويكون لديه الدافع لتعلم حقائق جديدة فإنه يمكن أن يكون مبدعا ومن ناحية أخرى فالإبداع يحتاج إلى قدرة نفسية على الثبات لكي يتحمل الفرد المبدع عبء ما يثيره ابداعه من اضطراب في العقول العادية حيث يعكر الإبداع صفو العادات ويعطل الأساليب القديمة في التفكير ولذلك فالمبدع لابد أن يكون شجاعا ولديه القدرة على المجاهرة بما يراه وعلى التمسك برأيه في مواجهة الآخرين والتربية القائمة على التلقين لا توفر الشخصية الاستقلالية.

8ــ ولا أعتقد أن أي من المتعلمين المصريين لم يعان بدرجة أو أخرى من طريقة التربية الإسلامية القائمة على التلقين والحفظ والاستظهار والقهر ويمكننا أن نجد في السيرة الذاتية لكثير من أعلامنا من أمثال الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين كثير من الأمثلة والشواهد التي تؤكد عيوب طريقة التربية الإسلامية ومدى المعاناة التي عانوها من جراء طريقة الحفظ والاستظهار بل إنه لو ؟أن أي منا راجع مسيرته التعليمية في مراحلها المختلفة واسترجع تجاربه في مختلف مراحل التعليم لخلص إلى أن كثير من المعاناة التي تعرض لها كانت بسبب طريقة التلقين والحفظ والاستظهار التي مازالت إلى اليوم هي أساس نظام التعليم المصري.

9ــ وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن قضية تطوير التعليم واشتد الجدل والخلاف في محاولة تبين الأسس الاستراتيجية لهذا التطوير الذي وصفه البعض بالعشوائية ووصفه الآخر بالعلمية.

وهذه الدراسة تستمد من تجاربنا التاريخية الأسس الاستراتيجية لتطوير التعليم المصري وتحديثه فتعرض لأفكار لطفي السيد التربوية ودوره في التعليم المصري خلال عامي 1928/1929م كما تعرض للأفكار التربوية التي وردت في تقريري الخبيرين الأجنبيين( مان) و (كلاباريد) اللذان استعان بهما لطفي السيد في محاولة التعليم المصري وتحديثه.

10ــ وإعادة كتابة التاريخ تثبت لنا أن ما نادى به الوزير المصري لطفي السيد والخبير السويسري الدكتور كلاباريد والخبير الإنجليزي مان مازال أساسا صالحا لبداية تطوير حقيقية لنظم التعليم المصري ، وهذه هي القيمة العلمية للدراسة التاريخية لقضايا التعليم المصري ومشكلاته ومن هنا فإن هذه الدراسة هي أساس علمي جاد في عملية تطوير التعليم المصري.

انتهت المقدمة

دكتور / محمد أبو الإسعاد يناير 1991م

************************************************************************

الـتـعــلـيــق :ــ سيكون على كل فقرة حسب رقمها....

1ــ هناك خلط واضح بين الإسلام كدين وبين تدين المسلمين وفكرهم وثقافتهم وقدرتهم على استخراج ما في القرآن من كنوز لا تحصى ولا تعد ، والسبب هو تركهم للقرآن وهجرانه واختراع دين وتدين آخر مبني على الأحاديث والسير ، وكان هذا هو السبب الحقيقي في هزائم المسلمين ، لأنهم لم يأخذوا بتعاليم القرآن التي تحس على العمل الجاد والبحث والسير في الأرض ، وهنا ظلم للإسلام حينما نسمي نظم ومناهج حياة المسلمين بالحياة الإسلامية منقوم به وما نمارسه هو تدين إسلامي وفكر إسلامي أما الإسلام فهو أرقى وأعلى وأسمى من أن نختزله في شخص أو شعب ، ولذلك عندما نخطئ فكريا او عقائديا نرجع للإسلام في القرآن نصحح ونقوم أنفسنا ، وفي نفس السياق المدرسة الإسلامية حسب مفهومهم الخاطئ تدعو للعودة إلى الرجعية والتخلف والجمود وهذا عكس الإسلام الحقيقي الموجود في القرآن الذي يدعو للتفكر والتدبر.

2ــ تكرار نفس الخطأ ونفس المصطلح ـ(التربية الإسلامية) ـ على طرق التدريس التي كانت سائدة في الأزهر ، لأن طرق التدريس هذه ليست إسلامية ولكنها ناتجة عن ثقافة المسلمين وتأثرهم بفكر معين يدعو للجمود والخنوع والخضوع وتقديس النص واللفظ ، وهذا تحديدا ما نجح فيه رواة وأئمة الحديث حين حولوا معظم علماء المسلمين إلى آلات لنقل العلم من جيل إلى جيل بفصه ونصه دون التجرؤ على النقد أو الاجتهاد ، فكان الحفظ والتلقين والاستظهار هو سيد الموقف وهو الأسلوب الطاغي والمسيطر على المُـعلم والمُـتَـعلم ، وانتقل نفس المرض التعليمي والعلمي إلى نظام التعليم المدني ، ومن وجهة نظري أن هذا يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ السمع والطاعة السني الحنبلي ، كما اعتقد أنه كان مقصودا أيضا ، ولذلك أحذر بعد ثورة يناير من سيطرة الوهابية حتى لا تجـر مصر وشعبها إلى الهاوية.

3ــ نظام التعليم في الأزهر كان مبنيا على الحفظ ولا زال ، حتى يومنا هذا فطلاب الأزهر يحفظون القرآن وكتب الفقه والحديث والتفسير ، بغرض اجتياز الامتحانات ، ولا مجال للتفكير والإبداع والتدبر وإظهار أي وجهة نظر في أي شيء يدرسه الطالب ، هذه العلاقة هي المتعارف عليها في جميع مؤسسات الدولة في التعليم بين المدرس والطلاب ، في المسجد بين الإمام والمصلين ، لغة التواصل هي التلقين ، والمستمع عليه السمع والطاعة.

4ــ رغم أنهم في تطبيقهم لمنهج (التربية الإسلامية) يخالفون القرآن الكريم إلا أنهم يضعون حاجزا مانعا حول هذه التربية الإسلامية ويجعلون من الهجوم عليها هجوما على الإسلام ، وهي تتناقض تماما مع تعاليم القرآن وأوامره وهذا يحتاج إلى توضيح: نظم التعليم في البلاد الإسلامية تعتمد على الجمود والتكرار والنقل والحفظ والاستظهار وعدم التفكير أو الإبداع ، لكن على العكس تماما نجد القرآن الكريم يدعو البشر جميعا إلى السير في الأرض والتفكر في خلق كل شيء بدء من خلق الإنسان نفسه إلى التفكر والتبصر في خلق السموات والأرض وتحدث القرآن عن نزول المطر والظواهر الجوية وتكوين الجنين وكيفية خروج النباتات من باطن الأرض وأمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ القرآن نفسه بتعقل وتدبر وتفكر في كل آياته وكلماته وهو كتاب ربنا جل وعلا ، لكن على النقيض تماما تجد المسلمين يقدسون النصوص البشرية ويحرمون الاجتهاد والتفكر وإبداء الرأي فيها ، هذه إحدى المصائب التي أصيب بها المسلمون وتأثر بها التعليم في مصر ، ورغم أن القرآن الكريم سبق الغرب وأمريكا بقرون في وضع مناهج تعليم سليمة تنهض بأي مجتمع يأخذ بها إلا أن معظم المسلمين إلى الآن لم يدركوا هذا ، والفكر القرآني ورواده وحدهم لديهم الحل ، لديهم رؤية حقيقية قرآنية ، ومنهج وبرنامج مستنبط من القرآن الكريم يمكن من خلاله إصلاح التعليم المصري ، لكن هل من مجيب.

إذن القرآن الكريم سبق الأوروبيون بقرون في وضع مناهج صحيحة للتعليم والتربية والإصلاح لكن العيب في المسلمين لأنهم فضلوا مناهج الجمود وقتل الإبداع والابتكار، وكما أشرت كان هذا مقصودا و ممنهجا.

5ــ في هذه الفقرة تحديدا يتجلى ما أشرت إليه في مسألة تقديس اللفظ والنص عند النقل وهذا ما يحدث الآن في الأزهر يتم طبع الكتب كل عام وتوزيعها على المعاهد وفيها ما فيها ولا يستطيع أحد تصحيح كلمة واحدة لأنهم يقدسون ما فيها من كلمات ، ولم يأت هذا من فراغ ، ولكن كل شيء له أساس فعلم الحديث والمحدثين أسس قاعدة وأرضية ليست هينة من العلماء والدارسين الذين وهبوا أعمارهم لدراسة علم الحديث والرواة والجرح والتعديل كما هي بأسلوب النقل والحفظ والتكرار.

6ــ وفي نفس السياق وتأثرا بكل ما سبق تتحول العلاقة بين المُـعلم والمُـتَعلم إلى علاقة قدسية لا يمكن للمُتـَعلم أن يعترض على معلمه أو يناقشه ، ومن وجهة نظري أن هذه العلاقة كانت هي السائدة بين الفقهاء ورجال الدين وبين العامة ، فكلاهما مترابط بالآخر ويؤثر فيه ويتأثر به.

7ــ ربنا جل وعلا بين في القرآن الكريم أن القرآن يكون هدى ورحمة ونور على بعض الناس ، و قد يكون ضلالا وظلمات على البعض الآخر ، وهذا بالطبع يرجع لكيفية التعامل مع القرآن ، وهذا ما توصل إليه علماء النفس من تأثير الحفظ والاستظهار فإن هذا يقضي ويقتل ملكة التحليل والابتكار والإبداع عند البشر ، والقرآن أيضا سباق في هذا لأنه يدعو للتفكر والتخيل في ملكوت الله جل وعلا باختصار يدعو للتحرر وإعمال العقل.

8ــ أرى من وجهة نظري أن استخدام منهج تعليمي واحد مع جميع الدارسين هو أسلوب خاطئ لأنه يتجاهل ظاهرة الفروق الفردية بين البشر وتفاوت مستوياتهم الفكرية والعقلية ، وهذا أيضا لم يتجاهله القرآن ولكن ربنا جل وعلا فضل بعضنا على بعض في العلم والجسم والرزق والعقل.

9ــ إن عملية تطوير التعليم ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدين السائد في المجتمع ، ومن وجهة نظري أول خطوة في تطوير التعليم هي عملية تقنين عمل المدرس بحيث يمنع أي مدرس من تدريس فكره الشخصي للطلاب بالإجبار ، وهذا ما حدث ويحدث في مدراس مصر ومعاهد الأزهر ، فالمدرس الاخواني أو السلفي يفرض فكره الشخصي ورؤيته الشخصية للدين على الطلاب دون رقيب ، وبتطبيق مبدأ السمع والطاعة والخنوع والتلقين لا يجرؤ طالب على الاعتراض ، وبهذه الطريقة تربى جيل وراء جيل على الجمود والخنوع والخضوع وتحولوا إلى عبئ على الدولة لأنهم أشباه متعلمين ، وهنا تكمن الخطورة ، فمن حق كل إنسان أن ينتمي او يعتنق ما يشاء من الفكر لكن ليس من حقه أن يفرض فكره على طلابه داخل حجرات الدراسة المغلقة.

10ــ أكرر وأقول إن مصر حاليا تمر بظروف مشابهة للمرحلة ما بعد ثورة 19 ، حيث بدأ الغزو الوهابي لمصر عام 1928م ، الدولة الآن هشة ورخوة ويسهل اختراقها سياسيا وفكريا وعلميا ، وبعد الثورة نجح التيار الوهابي في الانتخابات بأغلبية واضحة وهذا ينذر بالخطر على التعليم المصري وعلى الشعب المصري كله ، ولابد من إصلاح هذا التعليم وإنقاذه من الوقوع فريسة للفكر الوهابي من جديد إذا كنا فعلا نريد أن نحمي مصر وشعبها ونجني ثمار هذه الثورة العظيمة.

وإلى اللقاء في المقال الثاني.....


الخميس، 29 ديسمبر 2011

هل كان أبو بكر الصديق أحرص على الشريعة من الرسول عليه السلام .؟

هل كان أبو بكر الصديق أحرص على الشريعة من الرسول عليه السلام .؟

قبل أي شيء لابد أن نوضح ونبين للمسلمين أن الإسلام نزل رحمة للعالمين ، نزل لنشر الرحمة والحب والتسامح والعدل والمساواة والحرية والعدالة الإنسانية و حقوق الإنسان وعبادة الله بلا شريك لمن شاء أن يؤمن ، نزل يهذب الأخلاق ويربي الأنفس على الفضيلة والسمو الأخلاقي والابتعاد عن الفواحش والرذيلة ، نزل وتجسد وحُـفِـظَ هذا الدين في كتاب عظيم هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وفي القرآن الكريم الطريقة التي أمرنا ربنا جل وعلا أن نتعامل بها مع هذا القرآن سواء عند قراءته أو وقت الاستماع إليه ، فقد أمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ القرآن بتدبر وتَـفَـكُّـر وتَـعَـقُّــل وفي خشوع وخضوع وسكينة ، وكذلك أمرنا ربنا جل وعلا أن نُـنـْصِـتُ أثناء الاستماع للقرآن الكريم لعـل تشملنا رحمة الله ، وكذلك أمرنا ربنا جل وعلا ألاّ نـقـعـد مع أي إنسان يخـوض أو يستهـزئ بآيات الله.

ولم يُذكر في القرآن الكريم إطلاقا أن هناك تشريع للغناء أو ما يسمى بالغناءالشرعي ، ولا يوجد في تشريعات الإسلام آية واحدة تشير إلى أن هناك غناء إسلامي حسب الشريعة ، وكذلك لا يوجد في تشريعات الإسلام ما يُحَـرم الغناء ، فهو مباح طالما لا يخدش الحياء أو يدعو للفسوق وهنا يدخل ضمن السيئات واللمم ، لأن الكبائر والمحرمات ذكرت في القرآن في آيات محددة جامعة واضحة.

هذه مقدمة كان لابد منها قـُبيل الدخول على موضوع المقال وهو (تحريم الغناء بين خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ) ، سأبدأ المقال بحديث ينسبونه لخاتم النبيين يقولون فيه الآتي:

الحديث: ((عن عائشة . رضي الله عنها . قالت: دخل عليَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام وعندي جاريتان تُغَـنّـيَان بغـناء بُعاثٍ ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانـتهـرني وقال: مزمارةُ الشيطان عند النبي. فأقبل عليه رسول الله فقال دَعـْهـُمَا ، فلما غَـفـَلَ غـَمـَزْتـُهتُـمَا فـَخَـرَجَـتا)).

أولا: نقرأ شرح الحديث حسب ما جاء في كتب الحديث وبعد ذلك نكتب التعليق عليه لنظهر ما فيه من تضارب وتناقض في المتن وما فيه من ظلم وادعاءات كاذبة لخاتم النبيين:ــ

شرح الحديث:

((دخل عليّ رسول الله أيام منى وعندي جاريتان دون البلوغ من الأنصار ، إحداهما لحسان بن ثابت ، وقيل: كلتاهما لعبد الله بن سلام ، واسم إحداهما حمامة ، وقيل: واسم الأخرى زينب وقيل: غير ذلك تغنيان ولمسلم في رواية هشام بدف وللنسائي بدفين ، والراجح أنها كانت قبل الهجرة بثلاث سنين لما رواه ابن سعد بأسانيده.

فاضطجع عليه الصلاة والسلام على الفراش وحول وجهه للإعراض عن ذلك.

ودخل أبي بكر فانتهرني أي لتقريرها لهما على الغناء وللزهوي "فانتهرهما" أي الجاريتين لفعلهما ذلك ويمكن أنه زجر الجميع (وقال (مزمارة الشيطان عند النبي.؟) وإنما انكر الصديق ذلك اعتمادا على ما تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقا ، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والسلام أقرهن على هذا النحو اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعا فظنه نائما ، فتوجه له الإنكار 0فأقبل عليه رسول الله فقال): يا أبابكر (دعهما) أي الجاريتين وفي رواية "دعها" أي عائشة وزاد في رواية هشام "يا أبابكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" ــ فعرفه عليه الصلاة والسلام ــ الحال مقرونا بيان الحكمة بأنه يوم عيد أي يوم سرور شرعي ، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس ، قالت عائشة (فلما غفل) ابو بكر (غمزتهما فخرجتا)

ما يؤخذ من الحديث:

واستدل بهذا الحديث على جواز سماع صوت المرأة تغني لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه بل انكر إنكاره ، ولا يخفى أن محل الجواز إذا أمنت الفتنة)).

التــعــلـيـق:ــ

هذا الحديث حسب وجهة نظري وحسب ما أرى فيه ظلم بَـيِّـن لخاتم النبيين للأسباب التالية:

1ــ أنهم يظهرون خاتم النبيين قد دخل وسمع الغناء ولم يأخذ موقف ، وحّول وجهه واضطجع بينما من أخذ الموقف هو أبو بكر ، أي أن ابو بكر أكثر حرصا على تشريعات الإسلام من النبي عليه السلام . وهنا أيضا كيف يضطجع أمام جاريتان غريبتين وليستا من أهل بيته.

2ــ هناك أخطاء وتناقضات كعادة تناقضات رواة الحديث في المتن والسند وشرح الحديث ، ففي شرح الحديث الاختلاف على الجاريتين هل هما لحسان بن ثابت أو عبد الله بن سلام ؟ ، كذلك الاختلاف في الأسماء قيل إحداهما حمامة والأخرى زينب وقيل غير ذلك إذن لا يوجد دليل قاطع يثبت شخصية الجاريتين الحقيقية ، وهناك خلاف آخر أنهما كانتا تغنيان بدف واحد أو بدفين.؟.

3ــ الأمر الخطير هنا في شرح الحديث يقول أن هذه الحادثة كانت في مِنـَى قبل الهجرة بثلاث سنوات ، والرسول عليه السلام تزوج السيدة عائشة قبل الهجرة بسنتين ، إذن كيف نتصور أن خاتم النبيين قد دخل على عائشة قبل أن يتزوجها وهي في جلسة سمر في بيتها كما يدعي راوي الحديث.

4ــ حين دخل أبو بكر تقول (فانتهرني) وقيل أنه زجر الجميع ، وهذا يعني أنه زَجَـرَ جميع الحضور بما فيهم خاتم النبيين ، فهل هذا يجوز.؟ ، ويبررون موقف أبا بكر أنه تقرر عنده أن خاتم النبيين حرّم الغناء واللهو مطلقا ، ولم يقره أي يبيحه على هذا النحو بالدف و الدف(هو الذي لا جلاجل فيه) ، والسيء في الأمر أن أبا بكر ظنّ أن خاتم النبيين نائما وهنا لابد من سؤال: هل يمكن أن نتصور أن خاتم النبيين يمكن أن ينام في هذا الوضع وهذا الجو.؟ ، وهل نتصور أن أم المؤمنين عائشة يمكن أن تفعـل هكذا سلوك في مكان ينام فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام.؟ ، مجرد أن يظـن أبا بكر أن رسول الله نائما يُـفهـم من هذا ضمنيا أنه كان من المعتاد أنه عليه السلام كان ينام في مثل هذه الأجواء أو الظروف أمام الأغراب وإلا ما تسلل لأبي بكر هذا الظن.

5ــ بعد أن أظهر أبو بكر رفضه وإنكاره لما يحدث قال له خاتم النبيين دعهما أي الجاريتين وفي رواية أخرى قيل دعها أي عائشة وهنا خلاف أيضا ، ثم يدعون أن خاتم المرسلين سوغ هذا بأنه يوم عيد وسرور شرعي وهنا سؤال: متى يكون هذا اليوم من كل عام ؟ ولماذا لم يستمر هذا العيد الإسلامي الشرعي حتى يومنا هذا.؟ أليست هذه سنة من سنن خاتم النبيين تم تجاهلها وإهمالها.؟

6ــ واستمراراً في الاعتداء على خاتم النبيين ، فبعد أن غفل النبي غمزتهما عائشة فخرجتا وكأنه عليه السلام ينام على صوت الدفوف كل يوم ، وهنا اعتراف واضح أن عائشة أمرت الجاريتين بالخروج لأن هذا لم يعجب أبيها ، بينما خاتم النبيين كان يوافق على هذا ولم يعقب بكلمة واحدة بل اضطجع وتركهم يفعلون ما يفعلون.

وهنا نقول :ــ هل خاتم النبيين كان يملك من الوقت ما يجعله ينام أو يضطجع في جلسات الغناء والسمر.؟ حتى لو كانت بالدفوف وبدون جلاجل ، هل يَقبل أي شيخ من مشايخ الإسلام أو مشايخ الأزهر أن يقال عنه مثل هذا الكلام ، ويُنشر عنه وعن خصوصيته في بيته مثل هذا الكلام.؟ ، وهل يَقبل نفس الشيخ أن يقوم صهره (والد زوجته) بوضعه في موضع من يلهو مع النساء.؟

7ــ الشيء الصادم والكارثي في الأمر: أن السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين وأولى زوجات خاتم النبيين توفيت قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وفي نفس العام الذي توفي فيه عـم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهذا العام سمي عند التراثيين بعام الحُـزن ، فهل يُعـقـل أن يُسمى هذا العام بعام الحُـزن ورغم ذلك تكون هذه هي حياة خاتم النبيين وأم المؤمنين عائشة تزامنا مع هذه الأحداث المحزنة.؟ ((لأنهم يدّعون أن هذا الغناء البُـعاث الذي اضطجع فيه خاتم النبيين كان في قبل الهجرة بثلاث سنوات)) ، هذه إساءة مبالغ فيها لخاتم النبيين وكذب وتناقض صارخ وذلك لأنهم يدّعون أن العام هو عام الحُـزن ورغم ذلك اتهموا خاتم النبيين بأنه يلهو في جلسات الغناء غير متأثر بوفاة زوجته وعمه ، وأكثر من هذا يجعـل من هذا الموعد يوم عـيد ويوم سرور شرعي للمسلمين.

وهذه عينة بسيطة توضح طعـن المُحدثين في شخصية النبي عليه السلام ، والتعرض لحياته الخاصة ، وغالبا ما يكون هذا بإظهار الصورة السلبية في حياته مغلفة بدهاء وكأنهم يدافعون عنه ، وجدير بالذكر هنا أن أقول لكم أن هذا الحديث أحد الروايات المقررة على طلاب المرحلة الثانوية الأزهرية.

أشعر بأحد السلفيين يُحضر رداً مُـفحما يقول فيه أن هذا الحديث ضعيف ، وردي عليه بكل بساطة لماذا هذا الحديث يدرس حتى هذه اللحظة على طلاب الأزهر.؟


الجمعة، 23 ديسمبر 2011

هل كان أبو بكر الصديق أحرص على الشريعة من الرسول عليه السلام .؟

هل كان أبو بكر الصديق أحرص على الشريعة من الرسول عليه السلام .؟

قبل أي شيء لابد أن نوضح ونبين للمسلمين أن الإسلام نزل رحمة للعالمين ، نزل لنشر الرحمة والحب والتسامح والعدل والمساواة والحرية والعدالة الإنسانية و حقوق الإنسان وعبادة الله بلا شريك لمن شاء أن يؤمن ، نزل يهذب الأخلاق ويربي الأنفس على الفضيلة والسمو الأخلاقي والابتعاد عن الفواحش والرذيلة ، نزل وتجسد وحُـفِـظَ هذا الدين في كتاب عظيم هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وفي القرآن الكريم الطريقة التي أمرنا ربنا جل وعلا أن نتعامل بها مع هذا القرآن سواء عند قراءته أو وقت الاستماع إليه ، فقد أمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ القرآن بتدبر وتَـفَـكُّـر وتَـعَـقُّــل وفي خشوع وخضوع وسكينة ، وكذلك أمرنا ربنا جل وعلا أن نُـنـْصِـتُ أثناء الاستماع للقرآن الكريم لعـل تشملنا رحمة الله ، وكذلك أمرنا ربنا جل وعلا ألاّ نـقـعـد مع أي إنسان يخـوض أو يستهـزئ بآيات الله.

ولم يُذكر في القرآن الكريم إطلاقا أن هناك تشريع للغناء أو ما يسمى بالغناءالشرعي ، ولا يوجد في تشريعات الإسلام آية واحدة تشير إلى أن هناك غناء إسلامي حسب الشريعة ، وكذلك لا يوجد في تشريعات الإسلام ما يُحَـرم الغناء ، فهو مباح طالما لا يخدش الحياء أو يدعو للفسوق وهنا يدخل ضمن السيئات واللمم ، لأن الكبائر والمحرمات ذكرت في القرآن في آيات محددة جامعة واضحة.

هذه مقدمة كان لابد منها قـُبيل الدخول على موضوع المقال وهو (تحريم الغناء بين خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ) ، سأبدأ المقال بحديث ينسبونه لخاتم النبيين يقولون فيه الآتي:

الحديث: ((عن عائشة . رضي الله عنها . قالت: دخل عليَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام وعندي جاريتان تُغَـنّـيَان بغـناء بُعاثٍ ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانـتهـرني وقال: مزمارةُ الشيطان عند النبي. فأقبل عليه رسول الله فقال دَعـْهـُمَا ، فلما غَـفـَلَ غـَمـَزْتـُهتُـمَا فـَخَـرَجَـتا)).

أولا: نقرأ شرح الحديث حسب ما جاء في كتب الحديث وبعد ذلك نكتب التعليق عليه لنظهر ما فيه من تضارب وتناقض في المتن وما فيه من ظلم وادعاءات كاذبة لخاتم النبيين:ــ

شرح الحديث:

((دخل عليّ رسول الله أيام منى وعندي جاريتان دون البلوغ من الأنصار ، إحداهما لحسان بن ثابت ، وقيل: كلتاهما لعبد الله بن سلام ، واسم إحداهما حمامة ، وقيل: واسم الأخرى زينب وقيل: غير ذلك تغنيان ولمسلم في رواية هشام بدف وللنسائي بدفين ، والراجح أنها كانت قبل الهجرة بثلاث سنين لما رواه ابن سعد بأسانيده.

فاضطجع عليه الصلاة والسلام على الفراش وحول وجهه للإعراض عن ذلك.

ودخل أبي بكر فانتهرني أي لتقريرها لهما على الغناء وللزهوي "فانتهرهما" أي الجاريتين لفعلهما ذلك ويمكن أنه زجر الجميع (وقال (مزمارة الشيطان عند النبي.؟) وإنما انكر الصديق ذلك اعتمادا على ما تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقا ، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والسلام أقرهن على هذا النحو اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعا فظنه نائما ، فتوجه له الإنكار 0فأقبل عليه رسول الله فقال): يا أبابكر (دعهما) أي الجاريتين وفي رواية "دعها" أي عائشة وزاد في رواية هشام "يا أبابكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" ــ فعرفه عليه الصلاة والسلام ــ الحال مقرونا بيان الحكمة بأنه يوم عيد أي يوم سرور شرعي ، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس ، قالت عائشة (فلما غفل) ابو بكر (غمزتهما فخرجتا)

ما يؤخذ من الحديث:

واستدل بهذا الحديث على جواز سماع صوت المرأة تغني لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه بل انكر إنكاره ، ولا يخفى أن محل الجواز إذا أمنت الفتنة)).

التــعــلـيـق:ــ

هذا الحديث حسب وجهة نظري وحسب ما أرى فيه ظلم بَـيِّـن لخاتم النبيين للأسباب التالية:

1ــ أنهم يظهرون خاتم النبيين قد دخل وسمع الغناء ولم يأخذ موقف ، وحّول وجهه واضطجع بينما من أخذ الموقف هو أبو بكر ، أي أن ابو بكر أكثر حرصا على تشريعات الإسلام من النبي عليه السلام . وهنا أيضا كيف يضطجع أمام جاريتان غريبتين وليستا من أهل بيته.

2ــ هناك أخطاء وتناقضات كعادة تناقضات رواة الحديث في المتن والسند وشرح الحديث ، ففي شرح الحديث الاختلاف على الجاريتين هل هما لحسان بن ثابت أو عبد الله بن سلام ؟ ، كذلك الاختلاف في الأسماء قيل إحداهما حمامة والأخرى زينب وقيل غير ذلك إذن لا يوجد دليل قاطع يثبت شخصية الجاريتين الحقيقية ، وهناك خلاف آخر أنهما كانتا تغنيان بدف واحد أو بدفين.؟.

3ــ الأمر الخطير هنا في شرح الحديث يقول أن هذه الحادثة كانت في مِنـَى قبل الهجرة بثلاث سنوات ، والرسول عليه السلام تزوج السيدة عائشة قبل الهجرة بسنتين ، إذن كيف نتصور أن خاتم النبيين قد دخل على عائشة قبل أن يتزوجها وهي في جلسة سمر في بيتها كما يدعي راوي الحديث.

4ــ حين دخل أبو بكر تقول (فانتهرني) وقيل أنه زجر الجميع ، وهذا يعني أنه زَجَـرَ جميع الحضور بما فيهم خاتم النبيين ، فهل هذا يجوز.؟ ، ويبررون موقف أبا بكر أنه تقرر عنده أن خاتم النبيين حرّم الغناء واللهو مطلقا ، ولم يقره أي يبيحه على هذا النحو بالدف و الدف(هو الذي لا جلاجل فيه) ، والسيء في الأمر أن أبا بكر ظنّ أن خاتم النبيين نائما وهنا لابد من سؤال: هل يمكن أن نتصور أن خاتم النبيين يمكن أن ينام في هذا الوضع وهذا الجو.؟ ، وهل نتصور أن أم المؤمنين عائشة يمكن أن تفعـل هكذا سلوك في مكان ينام فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام.؟ ، مجرد أن يظـن أبا بكر أن رسول الله نائما يُـفهـم من هذا ضمنيا أنه كان من المعتاد أنه عليه السلام كان ينام في مثل هذه الأجواء أو الظروف أمام الأغراب وإلا ما تسلل لأبي بكر هذا الظن.

5ــ بعد أن أظهر أبو بكر رفضه وإنكاره لما يحدث قال له خاتم النبيين دعهما أي الجاريتين وفي رواية أخرى قيل دعها أي عائشة وهنا خلاف أيضا ، ثم يدعون أن خاتم المرسلين سوغ هذا بأنه يوم عيد وسرور شرعي وهنا سؤال: متى يكون هذا اليوم من كل عام ؟ ولماذا لم يستمر هذا العيد الإسلامي الشرعي حتى يومنا هذا.؟ أليست هذه سنة من سنن خاتم النبيين تم تجاهلها وإهمالها.؟

6ــ واستمراراً في الاعتداء على خاتم النبيين ، فبعد أن غفل النبي غمزتهما عائشة فخرجتا وكأنه عليه السلام ينام على صوت الدفوف كل يوم ، وهنا اعتراف واضح أن عائشة أمرت الجاريتين بالخروج لأن هذا لم يعجب أبيها ، بينما خاتم النبيين كان يوافق على هذا ولم يعقب بكلمة واحدة بل اضطجع وتركهم يفعلون ما يفعلون.

وهنا نقول :ــ هل خاتم النبيين كان يملك من الوقت ما يجعله ينام أو يضطجع في جلسات الغناء والسمر.؟ حتى لو كانت بالدفوف وبدون جلاجل ، هل يَقبل أي شيخ من مشايخ الإسلام أو مشايخ الأزهر أن يقال عنه مثل هذا الكلام ، ويُنشر عنه وعن خصوصيته في بيته مثل هذا الكلام.؟ ، وهل يَقبل نفس الشيخ أن يقوم صهره (والد زوجته) بوضعه في موضع من يلهو مع النساء.؟

7ــ الشيء الصادم والكارثي في الأمر: أن السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين وأولى زوجات خاتم النبيين توفيت قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وفي نفس العام الذي توفي فيه عـم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهذا العام سمي عند التراثيين بعام الحُـزن ، فهل يُعـقـل أن يُسمى هذا العام بعام الحُـزن ورغم ذلك تكون هذه هي حياة خاتم النبيين وأم المؤمنين عائشة تزامنا مع هذه الأحداث المحزنة.؟ ((لأنهم يدّعون أن هذا الغناء البُـعاث الذي اضطجع فيه خاتم النبيين كان في قبل الهجرة بثلاث سنوات)) ، هذه إساءة مبالغ فيها لخاتم النبيين وكذب وتناقض صارخ وذلك لأنهم يدّعون أن العام هو عام الحُـزن ورغم ذلك اتهموا خاتم النبيين بأنه يلهو في جلسات الغناء غير متأثر بوفاة زوجته وعمه ، وأكثر من هذا يجعـل من هذا الموعد يوم عـيد ويوم سرور شرعي للمسلمين.

وهذه عينة بسيطة توضح طعـن المُحدثين في شخصية النبي عليه السلام ، والتعرض لحياته الخاصة ، وغالبا ما يكون هذا بإظهار الصورة السلبية في حياته مغلفة بدهاء وكأنهم يدافعون عنه ، وجدير بالذكر هنا أن أقول لكم أن هذا الحديث أحد الروايات المقررة على طلاب المرحلة الثانوية الأزهرية.

أشعر بأحد السلفيين يُحضر رداً مُـفحما يقول فيه أن هذا الحديث ضعيف ، وردي عليه بكل بساطة لماذا هذا الحديث يدرس حتى هذه اللحظة على طلاب الأزهر.؟


الأحد، 18 ديسمبر 2011

هل سيضيع الدم المصري بين القبائل

هل سيضيع الدم المصري بين القبائل

مـقـدمــة:

بداية لابد من توضيح حقيقة هامة جدا للقارئ الذي لا زال يقتنع أن رحيل المجلس العسكري معناه سقوط الجيش أو سقوط الدولة ، أعيد وأكرر توضيح هذا للتفريق بين (الجيش أو القوات المسلحة) وبين (أعضاء المجلس العسكري) ، مصر لن تسقط برحيل شخص أو مجموعة أشخاص مهما كان هذا الشخص ومهما كان دوره وقامته وقيمته ومنصبه ومكانته ، ولكي يفيق الشعب المصري أقول للمصريين جميعا:ــ هل سقطت الدولة الإسلامية وانهارت بُعَـيْد موت خاتم النبيين عليهم جميعا الصلاة والسلام.؟ ، وهنا مأزق كبير جدا سيقع فيه كل من يروجون لفكرة أن سقوط أو رحيل المجلس العسكري معناه سقوط مصر ، لأنهم لو قالوا أن الدولة الإسلامية سقطت بُعَــيْد موت خاتم النبيين فهذا دليل قاطع على أن الصحابة انقلبوا على أعقابهم كما قال رب العزة جل وعلا في القرآن الكريم يحذرهم من هذا يقول تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)آل عمران:144 ، ولو قالوا أن الدولة الإسلامية لم تسقط بُعَــيْد موت خاتم النبيين إذن مصر لن تسقط أبدا لو رحل المجلس العسكري كله ، أو رحل عنها وتركها كل مجرم من المجرمين الذين شربوا من سياسة مبارك وسرقوا أموال وحقوق المصريين في كل شيء على مدى ثلاثة عقود في صورة مصالح وخدمات و هدايا ومحسوبيات ووساطات وأظرف منـتـفخـة تعبيرا عن الولاء لمبارك ، إذن لن تسقط مصر لو رحل كل هؤلاء الفاسدين من الحياة السياسية و الحياة الإنسانية المصرية ، وأنا هنا لا أقصد أبدا مقارنة خاتم النبيين بأي شخص ، وإنما أقارن سلوكيات وأفعال وعمل إداري كان يقوم به كلاهما في دولته.

بــدايـة: لماذا أسأل عن ضياع دماء المصريين.؟ ، وماذا أقصد بالقبائل.؟ ، أعني بالقبائل (الحكومات المتعاقبة) وهي حكومات شفيق وشرف والجنزوري ، فهو تعبير مجازي عن ضياع الحقوق ومهزلة المحاكمات التي لم تتم حتى الآن ، منذ بدأت الثورة وكل حكومة من هذه الحكومات أو كل قبيلة ــ كما نعتهم عنوان المقال ــ قامت بدور فعال في الثورة المضادة وشاركت بشكل واضح جدا في قتل مجموعة من المصريين ، ولا يمكن أن نبرئ رئيس حكومة عندما يتم قتل وسحل وتعذيب عدد من المصريين والاعتداء على إنسانيتهم وكرامتهم في وجوده ، لأن رئيس الوزراء المسئول الأول عن كرامة وحقوق وحياة كل مصري ، ورغم أن رؤساء الوزراء جميعا حتى الآن شاركوا المجلس العسكري بصورة فاضحة واضحة في قتل المصريين فهم متهمون جميعا ولابد من التحقيق معهم ومحاكمتهم ومحاسبتهم أمام القضاء فهذا أمر بديهي وعادل جدا ، لكنه لم يحدث وهذا هو سبب اختيار العنوان ، وفيما يبدو أن الثورة كلما طالبت بمطلب حتمي يتم إدخال البلاد في معركة يسقط خلالها عشرات القتلى ومئات المصابين وينشغل الجميع بهم وينسوا مؤقتا ثورتهم ، ثم يتكرر الوضع كما تكرر في العباسية والبالون وماسبيرو ومحمد محمود واليوم في القصر العيني ومجلس الوزراء ، وأصبح الأمر أكثر وضوحا ، يقومون باختلاق أي مشكلة بين الثوار بحيث يكون هناك مبرر للتعامل الأمني معهم ، وفي الوقت المناسب يدخل البلطجية في المشهد يحرقون ويسرقون ويخربون ويدمرون المباني والشوارع ويمثلون ما يشبه معركة مع الجيش أو الشرطة لكي يتم تشويه صورة الثورة والثوار ويبدو المشهد وكأن الثوار بلطجية ومخربين ويريدون إحراق مصر على الرغم أن نفس الثوار هم الذين نقلوا 30 ألف كتاب خارج المجمع العلمي لحمايتها من الحريق وسلموها للجيش ، هذا هو السيناريو المقصود تسويقه طوال الوقت عن الثورة وعن الثوار وبكل أسف بعض المصريين صدقوا هذا الكذب والافتراء ، وبكل نذالة وخسة يساهم بعض الاخوان في هذا ويخرج أحدهم على قناة الجزيرة مباشر مصر اليوم الأحد 18/12/2012م ، يتهم الثوار بأنهم يحصلون على تمويل من الخارج (أمريكا) لتنفيذ مخطط ما ، وتناسى هذا الاخواني عملية التنسيق العلني بينهم وبين أمريكا ، هذا هو رد الجميل للثورة والثوار ــ الثورة التي وضعت الإخوان في هذه المنزلة ومنحتهم هذه الفرصة ، ولكن لا نلوم عليهم فمن يستغل الدين لمصالح سياسية ومن يكذب على الناس باسم الدين لا نستبعد عليه فعل أي شيء.

المضحك في كلام الدكتور الجنزوري: أنه يقول صراحة أنه ينوي البدء في تنفيذ خطة تقشف عامة في المجتمع ــ دون أخذ رأي أحد من المصريين ــ لكي يستطيع توفير 20مليار جنيه ، ومقابل هذا يخشى من تطبيق الضريبة التصاعدية على رجال الأعمال الذين سرقوا مصر وشعبها بمساعدة مبارك ، وفي نفس السياق يقول الجنزوري إن تطبيق الحد الأقصى للأجور ليصبح (35 مرة من الحد الأدنى) سوف يُغضب البعض واعترف صراحة أنه لا يمكن أخذ هذا القرار قبل عرضه على مجلس الوزراء ، ثم يقول أن هذا الكلام سيغضب البعض ممن يأخذون أكثر من الحد الأقصى بكثير ، وهنا لابد من سؤال: أين هي الصلاحيات الكاملة.؟ ، حضرتك يا دكتور جنزوري تخشى غضب قلة من المصريين نهبوا حقوق ملايين المصريين ، ولا يحرك فيك ساكنا من لا يجد قوت يومه ، ومن يحصل على راتب لا يكفي الخبز ، ولم تفكر في غضب وحزن وقهر أسر الشهداء والمصابين ، لم تشعـر بخطورة ما تقول وأنت تخشى خوف هؤلاء ، ولا تعير اهتماما لمن عاشوا عقودا طويلة في فقر وجهل ومرض ، وضحوا بأنفسهم في ثورة مصرية عظيمة ، ووصل بك الحال أن تستعطف أصحاب الأجور المليونية وتذكرهم أن مصر بلدهم في محنة مالية واقتصادية وتطلب منهم التضحية برواتهم ، هل هذا أسلوب رئيس وزراء.؟ يفترض أنه يرأس حكومة إنقاذ وطني..!! ، صدقني يا دكتور لن تسطيع تطبيق الضريبة التصاعدية ولا الحد الأقصى على هؤلاء لأنهم شركاء في كل شيء ولن يوافقوا ، والسبب أنهم لن يسكتوا لأنك تريد حرمانهم من ثمن سكوتهم كما كان يفعل مبارك من قبل.
الفيديو هنا: http://www.youtube.com/watch?v=PsmwPAk4-4k

الظريف في الأمر أيضا أن وزير الآثار: قرر اليوم الأحد الموافق 18/12/2012م تشكيل لجنة لمعاينة عاجلة لمبنى المجمع العلمي الذي اشتعلت فيه النيران وأحرقته بالكامل...!! ، هذا القرار يدين وزير الآثار ، وكان يجب عليه التحرك فورا والاتصال بالجهات المسؤولة لإنقاذ المبنى ، لكن يبدو أن هذه خطة متفق عليها ، وأعتقد أن الشعب المصري لم ينسى بعد حريق مجلسي الشعب والشورى من قبل واستمرار اشتعال النيران فيهما لمدة حوالى 24 ساعة أو أكثر ولم تأتى سيارة إطفاء واحدة إلا بعد انتهاء المهمة واحتراق المبنى بالكامل وهذا ما حدث تحديدا مع المجمع العلمي.

بقليل من حسن النية سوف أعتبر نفسي مخطئا فيما قلته وٍسأفرض جدلا أن نفسي شريرة:

أقـول لو كان الثوار فعلا بلطجية ومخربون ويحركهم طرف ثالث.؟ فلماذا لم يقبض عليهم المجلس العسكري منذ أحداث البالون وماسبيرو ومحمد محمود وأخيرا وليس آخرا في أحداث القصر العيني ، ليس هذا فحسب لماذا لا يقبض عليهم ويذيع صورهم وأشكالهم أمام الرأي العام وعلى جميع الفضائيات لكي ينفضح أمرهم ، ثم يقوم بمحاكمتهم بالقانون دون قتل أو سحل أو تعذيب.؟ ، ليستريح الشعب منهم ومن أذاهم ، ولو كان الثوار بلطجية فلماذا تتركهم يحرقون مصر.؟ ، ولماذا تتركهم يخربون مصر.؟ ولماذا تتركهم يصنعون الفتنة بين الجيش والشعب.؟ ، ولماذا تتركهم وتترك حرائقهم حتى تأكل التاريخ والآثار.؟ هذا بخصوص البلطجية.

أما بخصوص الطرف الثالث: أو اللهو الخفي أقـول أين دور جهاز المخابرات العامة وأمن الدولة أو الأمن الوطني.؟ هل فشلوا في الكشف عن هوية الطرف الثالث والقبض عليه ومحاكمته وإعلان حقيقته أمام الرأي العام المصري لكي يهدأ الناس ويطمئنوا على أنفسهم وعلى وطنهم.؟ ، لماذا تتركون اللهو الخفي (الطرف الثالث) يورط الجيش والشرطة العسكرية في جرائم قتل وسحل وهتك عرض لا تقل إجراما عما حدث في موقعة الجمل ، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المتهمين في موقعة الجمل قد يكونوا هم السبب في كل ما حدث ويحدث بعد بداية من موقعة الجمل ، لتوريط الجيش والشرطة العسكرية في جرائم أقبح وأقذر مما فعلوه بالمصريين في موقعة الجمل مما يجعـل محاكمتهم مستحيلة لأن المجلس العسكري المسئول عن محاكمتهم قد مارس نفس الأفعال وتورط في نفس الجرائم وهذا بالطبع يخدم موقف كل المتهمين في موقعة الجمل ويخدم جميع المتهمين بقتل الثوار منذ بداية الثورة ، وهنا الخطورة وخوفي من ضياع حقوق الشهداء والمصابين بين اللهو الخفي وبين توريط المجلس العسكري لأفراد الشرطة العسكرية في نفس الجرائم.

الـثـــوار: بكل أسف يتم وصفهم ظلما بأنهم سبب كل شيء ، فالثوار هم سبب الفوضى وتوقف عجلة الانتاج وهم البلطجية وهم يتعاونون مع الطرف الثالث اللهو الخفي ويحرقون ويخربون ، ومطلوب منهم نشر الأمن والأمان في مصر ، ومطلوب منهم أيضا القبض على البلطجية الذين اعتلوا أسطح المباني الحكومية وخربوها وأحرقوها وكسروها وهذه المباني في الأصل هي في حماية الجيش ، ومطلوب منهم تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور ومطلوب منهم محاكمة مبارك وعصابته ومطلوب منهم محاكمة القتلة والمجرمين وجميع المتهمين بقتل الثوار ، ومطلوب منهم توفير احتياجات المواطنين ومطلوب منهم حل جميع المشاكل التي يتعرض إليها أي مواطن مصري في أي مكان على أرض مصر في حالة غياب الدولة والقانون معا ، ومطلوب منهم أيضا فوق كل هذا تقديم ضحايا ومصابين ومعتقلين كل يوم ، وغيرهم يغسل يديه بدماء هؤلاء الشهداء أو يستغل المرحلة الاستغلال الأمثل ويعيش فرحة و نشوى سياسية غير مسبوقة ، وبكل سفالة يجني ثمار تضحيات ومعاناة هؤلاء الثوار.

الاثنين، 12 ديسمبر 2011

صخب سلفي حـول تحريم الخمر ... فـي مـجـتـمـع يَـعِــجُّ بالـفــقــر

صخب سلفي حـول تحريم الخمر ... فـي مـجـتـمـع يَـعِــجُّ بالـفــقــر

هذا المقال هو وجهة نظر وتدبر بشري يقبل الخطأ قبل الصواب و لا أفرضه على أحد ، وأهديه للسلفيين وكل من يدّعي أن تحريم الخمر يُحتم علينا غلق أو حرق مصانع الخمور ومنع بيعها في الأسواق.

يدّعي فصيل من المسلمين السلفيين الذين يؤمنون وينشرون الفكر الوهابي بأن تحريم الخمر معناه حقهم في محاربة بيع تجارة وصناعة الخمر ، وبناء على هذا التحريم لابد من غلق جميع مصانع الخمور ومنع بيعها في الأسواق تطبيقا للنص القرآني حسب ما يفهمون هم ، وللرد عليهم سوف نتدبر معا بعض الآيات القرآنية التي تثبت بالدليل القاطع أن المولى جل وعلى حين يُحرم علينا نحن البشر أمرا فليس بالضرورة أن يكون ضمن هذا التحريم القضاء على الشيء المُحرم ومنع بيعه وتداوله أو إخفائه وإقصائه من الوجود ، وإنما حكمة التحريم تكون في الأغلب في وجود وبقاء واستمرار تأثير الشيء الذي حرّمه الله علينا ، وهذه هي حكمة الابتلاء والاختبار ، لأنه على سبيل المثال لو حرّم ربنا جل وعلا علينا شرب الخمر ، في مجتمع لا توجد فيه زجاجة خمر واحدة فأين هو الابتلاء والاختبار في هذه المسألة فلابد ان يكون أمامك الخمر الحرام والعصائر الطبيعية الحلال وعليك الاختيار ولا فرق هنا بين الخمر وبين أي إثم او فاحشة أو سيئة يقع فيها الإنسان تاركا فعل الخير ، ولمزيد من التوضيح ولكي لا يتهمني أحد أنني أدعو لنشر الفاحشة في المجتمع إليكم التفاصيل:

ــ في مسألة تحريم الخمر جاء في معرض الحديث والأمر باجتناب عدة أشياء وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام لأنها رجس من عمل الشيطان وحسب فهمي المتواضع أن اجتناب الشيء هو أمر للإنسان مع بقاء الشيء كما هو مكانه وبقاء أثره أو تأثيره ، إذن الأمر لنا نحن البشر بأن نُـقَـوِّم ونقاوم أنفسنا تجاه هذا الشيء المُحرم يقول تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)النساء:90 ، ولمزيد من التوضيح للفعل (اجتنب) يأمرنا ربنا جل وعلا أن نجتنب الأوثان لأنها رجس وكذلك نجتنب قول الزور ، فهل يمكن لقوة في الأرض أن تمنع قول الزور وشهادات الزور.؟ لأننا لو طبقنا فكر الوهابية السلفية في مسألة الخمر بمنع بيعها لأنها حرام ، فنحن مطالبون بمنع قول الزور من البلاد الإسلامية وهدم جميع الأوثان (الأضرحة) ، يقول تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)المائدة:90، تكررت نفس الآية في سورة الحج:30 ، إذن الأمر بالاجتناب جاء يخص الإنسان نفسه ولا علاقة للإنسان بالشيء الذي أُمـِرَ باجتنابه إلا الابتعاد عنه ، وليس من حقه أن يلغي وجوده أو يمنع بقاؤه حرصا على حماية نفسه من الوقوع في الخطيئة ، ولكن الأمر يخص الإنسان فقط ولا دخل له بما نهاه الله عنه إلا أن يطيع أمر ربه باجتنابه ، وهنا تتجلى عملية الاختبار والاختيار وقدرة الإنسان على مجاهدة نفسه ومقاومة الشيطان الرجيم والتحكم في الإرادة والمشيئة البشرية ، ومن عظمة القرآن الكريم أنه لم يُفـرِّط في شيء ، وفي نفس الآية القرآنية التي تصف الخمر بأنها إثم كبير تقرر أن الخمر فيها منافع للناس ، ولكن الإثم أكبر من المنافع ، و هنا اختبار حقيقي لإرادة الإنسان هل سيتعامل مع الخمر ويستغل بعض المنافع بمعنى استخدامها في العلاج وهذا قليل جدا ، أم سيقع فريسة لنزواته وشهواته البشرية ويخالف أمر الله وتتحول علاقته بالخمر إلى إثم كبير ، يقول تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)البقرة:30 ، وأعتقد أن الأمر القرآني في اجتناب كثير من الظن يتساوى هنا مع اجتناب الخمر أو بوضوح أكثر إن الأمر باجتناب بعض الظن هنا يتساوى تماما مع الأمر باجتناب ما في الخمر من إثم كبير ، أي أن بعض الظن حسن وبعضه إثم ، والصراع هنا داخل النفس البشرية في الاختيار يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ )الحجرات:12.

ــ ولمزيد من التوضيح نتدبر الفعل حرّم في القرآن الكريم ونعطي أمثلة:

ربنا جل وعلا أحلّ البيع وحرم الربا ، ولكن يستحيل وأكرر يستحيل أن يعيش مجتمع بدون ممارسة بعض أفراده للربا في بعض أعمالهم أو تعاملاتهم التجارية ، ولذلك أقول للسلفيين كيف تتصرفون مع من يمارسون الربا سرا كسلوك يومي في أعمالهم وكيف تعرفونهم.؟ لكي توقفوا ما حرّم الله ..!! يقول تعالى(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)البقرة:275 ، هذا لو طبقنا مفهوم التحريم كما يقول السلفيون ، حين يريدون إقصاء وإخفاء و إعدام كل شيء تم تحريمه في القرآن الكريم ، وهناك آيات أكثر وضوحا ، ربنا جل وعلا حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فلو طبقنا منهج إعدام ما تم تحريمه حرصا على عدم الوقوع في المحرمات بالأكل منه ، فنحن مطالبون بجمع الحيوانات الميتة والخنازير وجميع الذباح التي ذبحت لغير الله (ذبحت على النصب أو الأضرحة) وفورا نقوم بإعدامها وإخفائها من الوجود لأن أكلها حرام حرصا على المسلمين يقول تعالى(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)البقرة:173 ، وتكرر هذا بوضوح وتفصيل أكثر عن المحرمات في الذبائح في قوله تعالى(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)المائدة:3

ــ وفي نفس السياق يقول تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)الأنعام:118، 119.

ــ وفي مسألة أخطر وأكثر وضوحا في المحرمات في الزواج (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)البقرة:23، تبين الآية الكريمة المحرمات في الزواج للمسلمين فهل معنى هذا أن نبحث داخل المجتمع الإسلامي على هذه الأصناف من النساء ونقوم بإعدامهن حرصا على عدم الزواج منهن ، هذه مسألة كانت موجودة قبل الإسلام مثل شرب الخمر تماما وجاء القرآن يـقـنـن هذه السلوكيات والعلاقات للارتقاء بالمجتمع الإسلامي و حفظا للأنساب وإصلاحا لتشوهات المجتمع ولا فرق هنا بينهما حسب ما أرى ، وأتمنى أن أكون على صواب.

ــ هناك أدلة كثيرة جدا تثبت بطلان فكرة غلق مصانع الخمر ومنع وحظر بيعها في الدولة الإسلامية بحجة أن شرب الخمر حرام يقول تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)الأنعام:151 ، في هذه الآية على سبيل المثال هل ننصح الفقراء ضعفاء الإيمان وضعفاء الأنفس أن يعيشوا بعيدا عن أولادهم ويعتزل بعضهم بعضا حرصا على حياتهم لكي لا يقتل الآباء الفقراء الأبناء خوفا من الفقر.؟ ، آيات كثيرة جدا تثبت أن المحرمات ترتبط كلها بعملية الاختبار والاختيار التي يعيشها الإنسان خلال حياته وكيف يتحكم في نفسه الأمّارة بالسوء يقول تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)الأعراف:33 ، (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً)الإسراء:33.

ــ وفي آية أكثر وضوحا في قصة موسى عليه السلام يقول تعالى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )القصص:12 ، ربنا جل وعلا يعبر بأسلوب قرآني رائع يبين أن موسى عليه السلام رفض أو امتنع عن الرضاعة من أي مرضعة غير أمه رغم أنه طفل رضيع ، ولكن استخدم لفظ (حرّمنا) فهل تم قتل جميع النساء المرضعات آنذاك.؟ ، لكنها الحكمة الإلهية لكي يتحـقـق وعد ربنا جل وعلا لأم موسى حين أمرها أن تلقي موسى في اليم (النيل) وأنه جل وعلا سوف يرجع إليها لكي تقرّ عينها ولا تحزن.

ــ جاء الأمر لخاتم النبيين بعدم الصلاة في مسجد الضرار الذي بناه الكفار للكيد للإسلام ، ومما لا شك فيه أن خاتم النبيين نفذ أمر الله بعدم الصلاة في المسجد لكنه لم يفكر في هدمه ، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)التوبة:107، 108

ــ وللتأكيد أن الخمر كانت موجودة في الدولة الإسلامية ، ولو كان منعها ومنع بيعها في المجتمع فريضة مقترنة وملازمة للتحريم لفعلها خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا الصلاة والسلام في أول دولة إسلامية لأنه الأسوة والقدوة الحسنة ، يقول تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً)النساء:4، أعتقد حسب فهمي أن بعض المؤمنين كانوا يُصَلون بعد شرب الخمر أو وهم سكارى ، والسبب أن الخمر كان مرضا مزمنا في الجاهلية قبل الإسلام وكان من الصعب على البعض الإقلاع عنه حتى بعد دخول الإسلام وهذا ما توضحه الآية في خطاب الذين آمنوا ، ولذلك جاء تحريمه في تدرج ، لكن اليوم معظم المصريين لا يجدون قوت يومهم حتى يشربون الخمر ، كذلك معظم المصريين لا يجدون مياه شرب نظيفة فهل يشربون الخمر.؟ ، وجدير بالذكر أن الخمر ليست ظاهرة منتشرة بين معظم المصريين لدرجة الإدمان كما كان قبيل نزول الإسلام ، والحصول عليها ليس في متناول معظم المصريين ، هذا تفكير مخيف جدا حين يحاول فصيل سياسي التعامل مع المجتمع والمواطن بهذه النظرة وتلك الثقافة ــ ثقافة الإقصاء والقضاء على كل ما هو حرام سواء كان التحريم بنص القرآن أو كان التحريم من وجهة نظرهم وحسب نظرتهم وفهمهم للدين ، وهنا الخطورة لو تم تعميم هذه الثقافة وتحولت لسلوك في المجتمع فلن تقل خطورتها عن جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولة آل سعود ، وأظن أن الشعب المصري لن يقبل هذا أبدا خصوصا بعد الثورة ، لأن هذا انفصال عن الواقع وبُعـد عن الفطرة السليمة وعن العقل و المنطق من ناحية ، ولأن المجتمع والمواطن الآن بحاجة إلى عقول تفكر وتجتهد للنهوض بالدولة وتبحث عن توفير جميع احتياجات الناس وتوفير حياة حرة كريمة في جو من الأمن والأمان والكرامة والعدالة الإنسانية.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

عسكر أمريكان سعودية ... انتخابات إخوان سلفية

عسكر أمريكان سعودية ... انتخابات إخوان سلفية

بداية نشرح العنوان:

1ــ المجلس العسكري استخدم الانتخابات لشغل معظم المصريين ووضعهم وجها لوجه في مباراة شرسة يظن كل فريق أنه الأحق بالسلطة وتركهم يقتتلون ويختلفون وينتحرون بالبطيء.

2ــ أمريكا تراوغ الإخوان وتتعامل معهم بلغة المصالح

3ـ السعودية تستغل السلفيين للحد من سيطرة الاخوان ووقف التحول الديمقراطي في مصر

لكن خيوط اللعبة الرئيسية في يد المجلس العسكري وأمريكا والسعودية ، أما الإخوان والسلفيون وغيرهم فهم مثل لعب الأطفال يتم تحريكهم بالأمر حينا وبالإيحاءات أحيانا دون أن يشعروا ودون أخذ رأيهم لهدف وحيد هو وقف عملية الإصلاح في مصر وقتل الثورة ووقف عملية التحول الديمقراطي.

مــقـــدمـــة :

مسكين أيها الشعب المصري ، مسكينة يا أرض الكنانة ، مصر الحبيبة التي لم تتوقف عمليات استبدادها واستعباد واستهبال واستغفال أهلها وشعبها وسرقة مقدراتها منذ عقود طويلة حتى اللحظة وتصبر وتتحمل ، مصر التي يُصِـر بعض مدمني السلطة أن أهلها بلهاء وغير عقلاء وأنهم سيفرطوا في حقوق المصابين والشهداء ، ويجهل هؤلاء أن هذا الشعب في أحلك الظروف وفي أصعب الحقب التاريخية كان يُخرج من وسط تلك الصراعات أبطالا نحتوا أسماءهم في صفحات تاريخ مصر الطويل لأنهم خلّصوها من الاحتلال والقمع والقهر والاستعباد ، ومصر الآن سجينة مغتصبة سقطت في يد من لا يرحمون ولا يتقون الله ، أعداء مصر اليوم اتفقوا على هدف واحد لا ثاني له وهو (ألا تقوم لمصر قائمة ، وألا تتحقق على أراضيها عملية تحول ديمقراطي حقيقي) يتم من خلالها بناء دولة وكيان يوفر لكل مصري حقوقه كاملة وغير منقوصة ويعيش فيها المصريون جميعا في أمن وعدل وحرية وكرامة إنسانية لكي يبدؤا معا بناء حضارة جديدة ويكتبوا تاريخا يليق بمصر بعد تضحيات يناير و نوفمبر 2011م ، اتفق أعداء مصر على هذا بقصد وبدون قصد ، وهؤلاء الأعداء هم كل من يقف في وجه هذا التحول الديمقراطي أو يُعطل مسيرته ، بنشر الفوضى وحالة الفراغ الأمني المتعمد ، وهم كل من يتخاذل ويتباطيء في محاسبة ومحاكمة القتلة والمجرمين بداية من مبارك ونهاية بأصغر ضابط من القتلة وأصغر بلطجي من أعوان الداخلية ، بينما يوافق نفس العدو على محاكمة شباب الثورة أمام القضاء العسكري ، ولا يجوز أن نغفل أن نفس العدو يوافق على إقامة رئيس مخلوع مجرم ــ تتم محاكمته ــ في فندق 7 نجوم بينما أطهر شباب مصر الذين فقدوا نور أعينهم لا يجدون علاجا ، وفوق كل هذا هم مستمرون في قتل أبناء مصر الأطهار ويريدون كل يوم وكل لحظة تشويه وسرقة ثورتهم ولا يخجلون من استيراد غازات تساعد القتلة في التخلص من الشباب المرابطين المطالبين بهذه النقلة التاريخية وهذا التحول الذي لو لم يحدث الآن ستقع مصر فريسة للحكم الديني الوهابي ظاهريا بينما سيظل الحكم العسكري كما هو يحكم من وراء حجاب ، ومن المتوقع أيضا حين يتم نجاح التيارات الدينية باكتساح أن يحدث صدام ومواجهة بين العسكر وبين التيارات الدينية لخطف السلطة ، لأن العسكر والإخوان والسلفيون لن يتفقوا على منهج واحد ولن تجمعهم كلمة واحدة أمام مغريات السُلطة ، والتصادم بينهم منتظر ومتوقع مهما اتفقوا ومهما تعاونوا الآن ، ولو حدث هذا قد تستمر عواقبه لعقود طويلة.

أقول هذا الكلام نتيجة أخبار وتصريحات وردود أفعال حدثت بعد الثورة عبّر عنها كل طامع من أعداء مصر عن مكنون فكره وما يجول في خاطره وما يتمناه لنفسه لانشغاله بمصالحه الخاصة ، متناسيا مطالب الثورة التي لم يتحقق أبسطها وأهمها مثل حقوق الفقراء والمصابين والشهداء ، وهنا تنفضح حقيقة ونظرة هؤلاء الأعداء لمستقبل مصر ، ويشترك ويشارك في هذا بقصد أو بدون قصد أمريكا والسعودية والعسكر والاخوان والسلفية ويساعدهم بكل أسف وأسى قطاع من أبناء مصر يسمون أنفسهم الكتلة الصامتة.

ويكفي أن العسكر بعد أن صدعونا طوال عشرة أشهر أنهم من حموا الثورة قد تورطوا فيما تورط فيه مبارك من قبل حين تم استخدام جميع أنواع الذخيرة في مواجهة الثوار المصريين لمدة ستة أيام متتالية بعد جمعة 18 نوفمبر 2011م ، ولا يمكن أن ننكر أن المجلس العسكري مسئول مسئولية كاملة لأنه يقوم بوظيفة ومهمة سياسية في هذه المرحلة وهي (رئيس الدولة) ، ولا يمكن أن ننسى شاحنة الغاز المُسيّل للدموع والمثير للأعصاب التي اشتروها أواخر شهر نوفمبر 2011م بأموال المصريين وتم تخزينها في مخازن وزارة الداخلية لقتل مزيد من شباب مصر في الأيام القادمة إن لزم الأمر ، تزامنا مع شاحنة أخرى محملة بمئات الملايين من أقراص الترامادول المخدر لتوزيعها في الأسواق لغرض معلوم ومحدد وهو تغييب الشعب عن الوعي ، وهذا يلحق العار والخسة بالعسكر وكل من يدافع عنهم حين يتحدثون عن أي شبهة لدخول البلاد في أزمة اقتصادية وشيكة بسبب توقف عجلة الانتاج لأن هذه الشاحنات ثمنها حوال (10مليار جنيه مصري) ، وكل هذا بالطبع من أموال المصريين وتم إنفاق هذا المبلغ في أسبوع واحد فقط ، وكان يجب توفير هذه المليارات العشرة لشراء الطعام إذا كانوا فعلا يخافون على هذا الشعب.!!

ولا يمكن أن نغفل وننسى ما قاله الرئيس الأمريكي في تصريح واضح أنه (على المجلس العسكري أن يسارع بتسليم السلطة لحكومة ديمقراطية منتخبة) ، وسكوت وسكون المجلس العسكري ولم ينطق بحرف واحد معقبا على هذا ، ليبرر موقفه ويعلن أمام العالم أنه ليس من حق أي دولة التدخل في شئون مصر الداخلية كما يفعل نفس المجلس دائما في تعامله مع كل شرفاء مصر حين ينسبون لهم تهم العمالة والخيانة وتنفيذ أجندات أو مساعدة جهات خارجية للتدخل في شئون مصر، ولأنهم لم يفعلوا و سكتوا سكوت مبارك من قبل حين أمره أوباما قبيل خلعه أن يترك السلطة فورا ، فهذا الموقف لا تفسير له إلا أن الحكم العسكري في مصر وفي معظم البلاد العربية أصبح لا يحقق أهداف ومصالح أمريكا وإسرائيل في المنطقة ، وأصبح غير مرغوب فيه ، ولذلك تخلت عنهم أمريكا وبدأت تتعاون مع حلفاء جُدد ، أو حلفاء المرحلة أو حليف أكثر قبولا وأكثر تأثيرا في الشارع المصري والعربي عموما وهم الاخوان ، وهذا الكلام ليس كذبا أو بهتانا من عندي ، وإنما تشهد عليه تصريحات الطرفين سواء الأمريكي أو الإخواني ، فمنذ بدأ يشعر الأمريكان بسقوط العسكر صرعى أمام الثورة المصرية العظيمة ، ومنذ أن نبهوا إلى أن الاستبداد العسكري قد ولّى زمانه في الشرق الأوسط عموما وفي مصر خصوصا بسبب يقظة الشعب المصري من جهة ولعدم وجود قيادة حقيقية واضحة للثورة المصرية يمكن التحالف معها للاتفاق ضد الثورة والالتفاف عليها ، ولأنهم (الإدارة الأمريكية) متأكدون من قوة الإخوان في المشهد المصري أعلنوها صراحة أمام العالم (ليس لدينا مانع في التعاون مع الاخوان لو وصلوا للسطلة في مصر) ، ورد عليهم الاخوان التحية بأحسن منها فقال الاخوان (الإخوان تعطي تطمينات لواشنطن بعدم إلغاء كامب ديفيد إذا وصلوا للحكم في مصر) ، وهنا لا بد أن نتذكر ما كان يقوله الأمريكان (الحكومة الأمريكية) قبيل الثورة حين تتحدث عن الجماعات والتيارات الدينية بأنها جماعات الإرهاب والعنف والتطرف ، وكذلك لا يجب أن ننسى نظرة الإخوان لأمريكا واعتبارها بلاد كفر ولا يجب التعامل معهم فكيف بعد الثورة تغيّر الموقف من الجانبين وتغيّرت لغة الحوار بينهما ولمصلحة من.؟ ، على كل مصري أن يفكر في هذا..!!

وصاحب كل هذا عملية بدأت مبكرا جدا وهي فتح الباب أمام التيارات الدينية كلها أخوان سلفية والجماعة الاس ل ا م ي ة وهذه التيارات تمتعت بحرية غير مسبوقة لا يمكن أن نغفلها لأن العقل والمنطق لا يقبلان إطلاقا أن يكون مواطن مصري بالأمس سجين بتهمة قتل رئيس سابق واليوم يصبح رئيسا لحزب ومرشحا للبرلمان ، وهذا مجرد مثال توضيحي لفتح الباب على مصراعيه أمام هذه التيارات الدينية بعد الثورة ، وهذه خطيئة وقع فيها مبارك قبل خلعه معتقدا أن التيارات الدينية هي الحل الوحيد للتخلص من دعاة الليبرالية والدولة المدينة وكل من يطالبون بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وهم شباب الثورة ، وسار على خطى مبارك المجلس العسكري حين ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام هذه التيارات الدينية لخطف الثورة المصرية من شبابها الطاهر النقي الذي لم يحصد من هذه الثورة حتى الآن إلا الشهادة وفقدان البصر وآلاف المصابين والمعتقلين و15 ألف شاب تم الخلاص منهم بالمحاكمات العسكرية ، وتناسوا جميعا أن السادات فعل نفس الخطيئة مع نفس التيارات الدينية للتخلص من الشيوعية ، وكانت النتيجة أنهم انقلبوا عليه وقتلوه.

من فوائد التاريخ أن نقرأ ونعتبر ، ولكن يبدو أن هناك من لا يقرأ التاريخ ومن لا يعتبر.

كل هذه الأمور لم تكن صدفة أو وليدة اللحظة ، ولكنها واقع ملموس مدروس ، وفي ظل هذا الصراع على مصر ومستقبلها خرج السلفيون من جحورهم يحصدون أول ثمرة للثورة رويت بدماء الشهداء ، ويتميز السلفيون بأنهم أكثر التيارات الموجودة تمويلا لأن الدولة السعودية تنفق عليهم مليارات وهذا معلوم ولا جدال فيه ، ومن وجهة نظري أرى أن سر مساندة الدولة السعودية للسلفيين بهذا الشكل وتفكيرهم في تأسيس حزب والدخول في معترك السياسة بهذه السرعة والقوة ــ بعد ان كانوا يختلفون مع الاخوان بسبب مشاركتهم في العمل السياسي ، وبعد ما كانوا يرفضون الخروج على الحاكم ــ هدفه الأهم عدم انفراد الاخوان بالسلطة في مصر لأن الإخوان رغم أنهم وهابيون سعوديون المنشأ والفكر إلا أنهم صنعوا لهم سياسة واتجاه يختلف نسبيا عن سياسة آل سعود والوهابية التي يقوم عليها ويرعاها وينشرها دعاة السلفية بكل همة ونشاط وفداء ، وسبب هذا الفارق بين الاخوان والسلفيين تأثر الإخوان بالبيئة التي كانت ليبرالية في مصر فقد استفادوا منها في تدعيم وجودهم فإنهم كانوا يبطنون ثقافتهم السلفية الإرهابية المتشددة بمزاعم الاعتدال.

وما أقصده هنا أن الإخوان لو وصلوا للحكم لن يقبلوا أن يكونوا تابعين للدولة السعودية لأن الإخوان أصبحوا تنظيم دولي عالمي وهذا يشعر الدولة السعودية بالقلق ولا ننسى الخلاف الذي حدث بين إخوان مصر حين طردهم عبد الناصر وفروا للسعودية وحاولوا تنفيذ منهجهم داخل السعودية ومُنعوا من هذا وقالوها لهم صراحة نحن نريد تطبيق هذا في مصر وليس في السعودية والشيء بالشيء يذكر لا يجب ان نغفل أو ننسى أن الدولة السعودية تُـكِـن كل حقد وضغينة لمصر لأن مصر كانت سببا في سقوط الدولة السعودية مرتين الأولى عام 1818م على يد محمد علي باشا ، والثانية عام 1891م بمساندة من السلطان العثماني ، واليوم تحاول السعودية الثأر من مصر بسقوطها من جهة وإنقاذ السقوط الثالث للدولة السعودية ، لأن التحول الديمقراطي في مصر لو تم بسلام سيكون سببا في سقوط الفكر الوهابي ونهايته لأن المنطقة العربية لا تستوعب قوتين (في مصر وفي السعودية) ، والتاريخ يقول أن مصر لما كانت دولة قوية تملك زمام أمورها فهذا نذير شؤم على آل سعود ومعناه سقوط دولتهم ، ولذلك فإن السلفيين يقومون بدور مهم للدولة السعودية ولا يهمهم مصر ولا مستقبلها ولا شعبها ، فهم يلعبون بمستقبل هذا البلد لصالح الدولة الوهابية في عملية توازن سياسي وتثبيط للعملية الانتقالية التي تحدث في مصر الآن ومحاولة إرجاع مصر قرونا طويلة للوراء بدعوى تطبيق الشريعة حتى لا قوم لمصر قائمة وبالتالي يستمر حكم آل سعود ، ويتميز السلفيون عن الإخوان أنهم ينفذون الفكر الوهابي الصحراوي بكل ما فيه من تطرف وعنف وتعصب وإرهاب ، أما الإخوان فنسبيا قد تأثروا بوجودهم في مصر في بيئة زراعية وبيئة كانت ليبرالية كما وضحت أعلاه.

أخيرا::

لكن حسب ما أرى وحسب مجريات الأحداث على أرض الواقع ورغم كل هذه السلبيات ورغم كل هذا الحقد والعداء لمصر ــ ولثورتها العظيمة ــ في الداخل والخارج أؤكد مصر ستخرج من هذه الأزمة وتستعيد قوتها وعافيتها من جديد وتتخلص من الاستبداد العسكري والديني معا ولكن المسألة مسألة وقت ليس أكثر والشعب المصري لو أخطأ اليوم وأعطى الثقة لفصيل أو تيار لن يسكت في المستقبل ، ولن يقبل حياة الظلم والقهر والاستعباد والاستبداد ، فالنصر للثورة والثوار مهما طال الانتظار.

أهدي هذا الخبر وهذا الفيديو إلى كل مصري يقول أن المجلس العسكري والشرطة خطر أحمر ، وأقول له لا تنخدع لأنهم قد تورطوا جميعا في جرائم حرب ضد الإنسانية باستخدام الأسلحة الكيماوية والرصاص الحي ضد أبناء مصر والفاضح هنا أنهم ( اشتروا بأموالنا سلاحا لقتلنا) شاهد الفيديو وبعد ذلك قرر هل تنزل العباسية مرة أخرى ..!!

أولا: رابط الخبر http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=89468

ثانيا: رابط الفيديو

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=LmUqTGdrKeQ&skipcontrinter=1


الجمعة، 2 ديسمبر 2011

الـقـرآن بين الإهـمال والاستغـلال وسوء الاستعـمال ..!!

الـقـرآن بين الإهـمال والاستغـلال وسوء الاستعـمال ..!!

أحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على عقليات لعيـّنات ونوعيات من المسلمين لإظهار خطأ نظرتهم ، و تعاملهم مع القرآن الكريم ، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، الكتاب الذي وصفه ربنا جل وعلا بأن فيه شفاء ورحمة وهدى ، الكتاب الذي ليس كمثله شيء وهو أحسن القصص وأحسن الحديث وهو الحق وبالحق نزل ، القرآن الكريم الكتاب الوحيد على كوكب الأرض الذي لا يمكن لعقلنا البشري أن يحصر صفاته ومميزاته ومعجزاته ويفهم جميع آياته ، وكذلك لا يمكن لعقلنا البشري أن يأت بآية واحدة مثل آياته ، الكتاب الذي من أهم صفاته أنه مُيَسّر ، مُفَـصّل ، مُبين ، مُحكم ، وقمة الإعجاز تتجلى هنا أن يكون هذا الكتاب بهذه المواصفات وهذا اليُسر وفي نفس الوقت يكون بهذا الإعجاز الذي لا يمكن أن ندركه كله مهما عشنا ، وذلك لأنه من عند الله.

ويمكن تقسيم مواقف هذه العينات والنوعيات حسب التعامل مع القرآن وحسب العنوان إلى ثلاثة أقسام:

أولا ــ الإهمال ومعناه حسب وجهة نظري (هو عملية تجاهل للقرآن الكريم يقع فيها معظم المسلمين في كل مكان) أو بمعنى أكثر وضوحا عدم تقدير القرآن الكريم حق قدره ، وإلى مزيد من التوضيح:

تجاهل القرآن الكريم ــ واتخاذه مهجورا ــ هو حدث يومي يقع فيه معظم المسلمين ، وذلك لأنهم حتى اليوم لم يعطوا القرآن الكريم حقه من القراءة والتدبر كغيره من الكتب والمؤلفات البشرية ، فرغم أن معظم المسلمين ينظرون لكتب التراث نظرة قدسية واستحسان وتفضيل على جميع المؤلفات البشرية ، ويجعلون إحداها أصدق الكتب بعد القرآن لأنها قديمة ، ولأن كل قديم يكتسب صفة القدسية عند معظم المسلمين ، فوقعوا في خطيئة كبرى وتناسوا جميعا في أكبر غفلة في تاريخهم أن القرآن الكريم أقدم كتاب موجود بين أيديهم (بالنسبة للمسلمين) ، فعمره أكثر من ألف وأربعمائة عام ، ورغم قدم هذا القرآن ، ورغم إنه من عند الله ، وأن ربنا جل وعلا قد تكفل بحفظه دون غيره من الكتب إلا أن المسلمين أهملوه وفضّلوا عليه مؤلفات بشرية مليئة بالأخطاء والمتناقضات ، وتمت صياغتها وكتابتها في عصور يجهلها معظم المسلمين ، كما يجهل معظم المسلمين ولا يعلم أبسط المعلومات عن كتّاب هذه الكتب ومولدهم ونشأتهم وصفاتهم وأخلاقهم وتربيتهم والبيئة التي نشأوا فيها ، ولكن في حالة من الغفلة يقدسون هذه الكتب ويهملون كتاب الله الذي يعلمون من أنزله ومن تكفل بحفظه ومن جعل قراءته وتدبره فريضة عليهم لأنه دينا قيما لا عوج فيه.

وبسبب هذا الإهمال المتواصل الذي تتوارثه الأجيال لم تظهر مدرسة قرآنية حقيقية يكون هدفها دراسة وتدبر القرآن الكريم بمعزل عن كتب التراث ومفاهيمه ومصطلحاته ولغته التراثية ، وإنما كل المدراس التي حاولت دراسة القرآن كانت تقوم على تفسيره بلغة التراث ومفاهيمه ومصطلحاته وأحاديثه ، والأكثر من هذا كانوا يفرضون على القرآن مفاهيم محددة يريدون إثباتها بلَيْ عنق الآيات ، بمعنى أوضح يدخلون على القرآن برؤية مسبقة ووجهة نظر جاهزة يريدون فرضها على آيات الله.

وبمرور الزمن تحول القرآن الكريم إلى مجرد كتاب سماوي يتعامل معه السواد الأعظم من المسلمين على أنه كتاب بركة يستخدم في إخراج الجن وإبعاد الكوابيس عند النوم ، وتلاشت أهميته ودوره ككتاب للهدى وإصلاح سيئات البشر عند قراءته وتدبر آياته ، وهنا المدخل إلى سوء الاستعمال:

ثانيا ــ سوء الاستعمال ، ومعناه من وجهة نظري سوء التعامل ، أو التعامل مع القرآن بطريقة غير لائقة ، ولا أجد مثالا يعبر عن هذا بدقة أفضل من الطريقة التي يُدَرّسُ بها القرآن الكريم في المعاهد الأزهرية ، حيث يقوم المُحَـفِّـظ أو مدرس القرآن (على سبيل المثال) بقراءة صفحة من المقرر أمام التلاميذ داخل الفصل ، ويطلب من أحدهم القراءة ويكرر باقي التلاميذ قراءة ما قرأه زميلهم ، ولكن ليست هذه هي المشكلة ، وإنما المشكلة في الطريقة والمنهج والمتبع و الصوت الصاخب الغوغائي الذي يقرأ به التلاميذ كتاب الله جل وعلا ، لا يمكن على الإطلاق أن تفهم كلمة واحدة من آية أثناء القراءة ، لأن الفصول متاخمة لبعضها ، وجميع حصص القرآن في وقت واحد على جميع الفصول ، وكل مدرس يحاول إظهار أنه يعمل بجد مستخدما قوة صوت التلاميذ في القراءة مؤشرا على جديته في العمل ، في حالة من التنافس على الغوغائية والفوضى ولكن الضحية هنا هو القرآن الكريم وهذه من وجهة نظري جريمة كبرى لابد من الوقوف ضدها في الأزهر ، وأقول هي جريمة كبرى ومعي الدليل :

في حصص القراءة (المطالعة) وفي حصص العلوم أو الدراسات الاجتماعية وفي جميع الحصص الأخرى التي يُطلب من التلاميذ القراءة من الكتاب المدرسي تكون القراءة بطريقة مختلفة تماما وفي هدوء وتركيز وسكينة وفي حالة إنصات من التلاميذ ولا يُطلب من جميع التلاميذ القراءة معا كما يحدث عند قراءة القرآن ، والتناقض هنا أن هذه الكتب وهذه المواد الدراسية على اختلافاتها لم يأت لنا أمرا في القرآن يرشدنا ويأمرنا بطريقة صحيحة عند قراءتها ، ورغم ذلك فكل مدرس يبحث عن طريقة سهلة للقراءة لكي يفهم التلاميذ موضوع الدرس ، وعلى العكس تماما فالقرآن الكريم الذي أمرنا ربنا جل وعلا أن نقرأ آياته في تدبر وتعقل وتركيز ، وأن ننصت إذا سمعنا القرآن يُتلى ، نفعل العكس ونقرأ القرآن بطريقة همجية وغوغائية تخالف تماما أوامر الله جل وعلا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تخلق أجيالا من الببغاوات التي لا تفهم ما تقرأ وتكرر ما تسمع دون وعي أو فهم أو تدبر ، وهذا يدخلنا على الجزء الأخير وهو استغلال القرآن الكريم.

ثالثا ـــ الاستغلال ، الاستغلال معناه من وجهة نظري استغلال القرآن الكريم في أمور دنيوية للحصول على المال ، وهذه الجريمة لها صورا شتى نذكر بعضها:

1 ــ من يسمون أنفسهم قراء القرآن الكريم أو ــ (خدام القرآن الكريم) ــ الذين يقرأون القرآن بأجر في المآتم وحفلات العزاء( هم فعلا يسمون المآتم الكبرى بحفلات العزاء أو الحفلات الدينية) ، وكل قارئ من هؤلاء يطلق على نفسه (خادم القرآن الكريم) على الرغم انهم يستخدمون القرآن ويستغلونه من أجل المال.

وفي هذا المجال يقع القراء في سوء التعامل مع القرآن واستغلاله ، لأنه ينتقي من القرآن أجزاء معينة تظهر إمكاناته الصوتية ، وهذا مشهور جدا بين قراء الحفلات الدينية ، لدرجة أن بعض المسلمين يطلبون من القراء في هذه الحفلات قراءة آيات أو أجزاء معينة من القرآن ، وهذا يجعل القرآن أشبه بكتاب في الغناء والشعر (هذا بالطبع حسب سوء تعامل معظم المسلمين معه ) ، ومن جهة أخرى يقع القراء في استغلال القرآن ماديا بحيث يأخذون أجرا قد يصل لخمسة أو عشرة آلاف لبعض القراء الكبار مقابل أن يقرأ ساعتين أو ثلاث ساعات في ليلة واحدة.

2 ــ ولكن المصيبة الكبرى أن يتم تقـنـيـن هذا الاستغلال داخل مؤسسات ومعاهد الأزهر ، وعن طريق قنوات فضائية ، حيث تقوم إدارة الأزهر بتوزيع منشور سنوي على جميع المعاهد الأزهرية (وتشترك إدارة الأزهر بالتعاون مع كل من قناة الحافظ الفضائية ووزارة الأوقاف والجمعيات الشرعية وتحت رعاية المحافظين).

وفحوى هذا المشروع هو البحث عن حفظة القرآن الكريم الذين يتمتعون بموهبة حلاوة الصوت وقدرتهم على حفظ و(تجويد القرآن) رغم تحفظي على مسألة تجويد القرآن ولكن هذا حسب وصفهم ، لأن القرآن لا يحتاج لمن يجوده ، المهم المنشور أو النشرة التي توزع على المعاهد فيها إقرار يوقع عليه ولي أمر كل تلميذ لديه هذه الموهبة بأنه مسئول عن توصيل ابنه لجميع مراحل المسابقة مهما كان مكانها ، وكذلك شرط واضح جدا يقولون فيه صراحة (أن الطرف الأول وهو قناة الحافظ يحق له استغلال موهبة المذكور على أن يحصل الطرف الثاني ــ وهو التلميذ الموهوب ــ على نسبة 20% من صافي ما يقدمه في انتاج مصحف مرئي أو مسموع وفي مجالات الكاسيت والسي دي والدي في دي وشرائط الفيديو) ، وهذا معناه أن القناة سيكون لها 80% من صافي الدخل ، وللتلميذ 20% فقط ، وكل هذا يحدث تحت قبة الأزهر وبموافقة السيد صاحب الفضيلة شيخ الأزهر ، يتم استغلال القرآن الكريم من جهة في الحصول على مكاسب مالية لا علاقة لها بأوامر الله جل وعلا لنا كمسلمين ، وكذلك استغلال تلاميذ الأزهر وأبناء مصر استغلالا ماديا واضحا وصريحا ، ووضعهم لقمة سائغة لرجال الأعمال والمتمسحين بالدين الإسلامي ، الذين لا تأخذهم رحمة مع هؤلاء الفقراء ، فيبدأ الأمر بتوقيع ولي الأمر على إقرار بالموافقة منذ اللحظة الأولى ، ولكن العيب ليس في القناة وكان يجب على إدارة الأزهر أن توقف هذه المهزلة وهذا التهريج الذي يتم على حساب كتاب الله ، ولا أعتقد أن شيخا أزهريا مهما كان يتمتع بالجهل يوافق أو يسمح لأحد أن يقوم باستغلال أحد مؤلفاته بهذه الطريقة السخيفة دون موافقته والاتفاق معه على نسبة من الأرباح ، أو يوافق على استغلال كتابه لحصد مثل هذه المكاسب المالية بهذه الصورة القبيحة ، وإليكم مثالا توضيحيا واقعيا حدث معي شخصيا في جامعة الأزهر:

في العام الجامعي 2000/2001م كنت في السنة النهائية البكالوريوس ، وبفضل الله جل وعلا كنت ملتزما في الدراسة بطبيعتي ، كنت أحضر جميع المحاضرات وأكتب وأسجل كل ما يقوله الأساتذة في المحاضرات ، وبعد العودة للسكن في المدينة الجامعية أقوم بإعادة نسخ (تبييض) هذه المحاضرات في ورق جديد وإضافة بعض التعريفات والتوضيحات من الكتاب الخاص بكل مادة ، زملائي شاهدوا ما أقوم به من عمل ، فطلبوا مني تصوير هذا الورق وهذا التلخيص ، وحرصا على وقتي ووقت زملائي في السكن وضعت نسخة من هذه المحاضرات ــ في جميع المواد ــ في مكتبة أمام المدينة الجامعية بالحي السادس في مدينة نصر ، ومن يرغب في تصوير المحاضرات يذهب للمكتبة ، وبطريقة ما علم بعض الأساتذة بهذه المسألة ، فماذا فعلوا اتفقوا وقدموا بلاغ ضدي لأمن الكلية ، وفي آخر أيام امتحانات البكالوريوس وقبيل بدء وقت امتحان المادة الأخيرة بدقائق قليلة جاءني ضابط الأمن بالكلية إلى لجنة الامتحانات وقال لي بعد الانتهاء من الامتحان أنا في انتظارك في مكتب الأمن ، انهيت الامتحان في المادة الأخيرة وذهبت على الفور لمكتب الضابط فوجدت أربعة من أساتذتي يجلسون معه ، وقد قدموا ضدي بلاغا بأنني أبيع مذكرات للطلاب تؤثر على مبيعات الكتاب الجامعي ، قلت لهم بكل صدق ما فعلته ، ولكنهم لم يصدقوا ، وأصروا على موقفهم في أنني كنت أبيع هذه المذكرات قلت لهم اسألوا الطلاب رفضوا ، والمضحك حين طلب مني أحدهم وكان أصغرهم سنا أن يحدثني على انفراد ، وطلب مني ألفي جنيه لكي يخلصني من هذه المشكلة ، ظنا منه أنني ربحت خمسة آلاف جنيه في هذا الموضوع ، وبفضل الله جل وعلا جاءني أحد زملائي الذين استفادوا من هذه المذكرات ، وقال لي لا تشغل بالك ، وأخبرني أن أخوه يعمل في رئاسة الجمهورية واتصل به على الفور وجاء إلى مبني الجامعة فورا ، وانتهى الموضوع.

هذا نموذج بسيط جدا لموقف أساتذة في الأزهر حين يقترب أي إنسان من كتاب لهم نقلوا معظم ما فيه من مراجع وكتب أخرى ، أما كتاب الله جل وعلا فلا بأس أن يهمل ويساء استعماله ويتم علنا استغلاله.